المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا،ECCI
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي
اليمين الشعبوي في ألمانيا ـ “البديل” AFD وحدود الوصول إلى السلطة
لم تتضح بعد ملامح التحالف السياسي الذي سيحكم ولاية ساكسونيا-أنهالت الألمانية، في وقت تتزايد فيه التكهنات حول الخيارات المتاحة أمام الأحزاب لتشكيل حكومة قادرة على الحصول على أغلبية داخل البرلمان المحلي. وتأتي هذه الحسابات في ظل صعود واضح للقوى الشعبوية اليمينية وتغير المشهد الحزبي في ألمانيا، الأمر الذي يجعل تشكيل ائتلاف حكومي مهمة أكثر تعقيدًا من السابق. ويبرز في قلب هذه المعادلة أولريش زيغموند، القيادي في حزب البديل من أجل ألمانيا، الذي يسعى حزبه إلى تحويل نتائجه الانتخابية إلى نفوذ سياسي فعلي. لكن تحقيق ذلك يتطلب تجاوز الحاجز الأهم: استعداد الأحزاب الأخرى للتعاون معه. خالد العزي
المادة 37: خيار قانوني نادر لم يُستخدم من قبل
وسط الجدل السياسي، برز اقتراح مثير للجدل يتعلق بالمادة 37 من القانون الأساسي الألماني، وهي مادة تعود إلى تأسيس جمهورية ألمانيا الاتحادية عام 1949 ولم تُستخدم عمليًا حتى الآن. وتتيح المادة، في ظروف محددة، تدخل الحكومة الاتحادية عندما تعجز إحدى الولايات عن الوفاء بالتزاماتها القانونية أو الدستورية. ولذلك فإن طرحها في النقاش السياسي الحالي أثار اهتمامًا واسعًا، رغم أن تطبيقها في الحالة الراهنة سيكون أمرًا استثنائيًا للغاية. ويرى منتقدو المبادرة أن استدعاء المادة 37 في سياق الخلافات السياسية داخل ساكسونيا-أنهالت قد يفتح بابًا خطيرًا لاستخدام صلاحيات اتحادية استثنائية في مواجهة حكومة ولاية.
لكن المشكلة الأساسية أمام حزب البديل من أجل ألمانيا لا تتعلق فقط بالقوانين الدستورية، بل بالواقع السياسي نفسه.فحتى مع حصول الحزب على نتائج قوية، فإن تشكيل حكومة يتطلب دعم شركاء آخرين. وهنا تظهر العقبة الكبرى، إذ لا تبدو الأحزاب التقليدية مستعدة بسهولة للدخول في تحالف مع حزب البديل من أجل ألمانيا.وفي مقدمة هذه الأحزاب الاتحاد المسيحي الديمقراطي والاتحاد الاجتماعي المسيحي، إلى جانب الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر والحزب الديمقراطي الحر، بحسب تركيبة البرلمان والنتائج الانتخابية. وتتمسك معظم هذه القوى بما يعرف في ألمانيا بـ”حاجز عدم التعاون” مع حزب البديل من أجل ألمانيا، ما يجعل تحويل التفوق الانتخابي إلى سلطة حكومية أمرًا أكثر صعوبة.
الاتحاد المسيحي أمام معادلة شائكة
يواجه الاتحاد المسيحي الديمقراطي، بقيادة فريدريش ميرتس على المستوى الاتحادي، معضلة خاصة. فمن جهة، يسعى الحزب إلى الحفاظ على موقعه باعتباره أحد أعمدة النظام السياسي الألماني، ومن جهة أخرى يتعرض لضغوط بسبب صعود اليمين الشعبوي.وتزداد حساسية المسألة في الولايات التي حقق فيها حزب البديل من أجل ألمانيا نتائج قوية، ومنها ساكسونيا-أنهالت. فأي تعاون مباشر مع الحزب اليميني قد يؤدي إلى انقسام داخل الاتحاد المسيحي ويعرضه لانتقادات واسعة على المستوى الوطني. وفي المقابل، فإن استبعاد الحزب بشكل كامل قد يجعل تشكيل حكومة مستقرة أكثر صعوبة.
يحاول فريدريش ميرتس، في الوقت نفسه، الحفاظ على توازن دقيق بين مواقف الحزب على المستوى الاتحادي والواقع السياسي المتغير في الولايات الشرقية.ويُنظر إلى الانتخابات المحلية المقبلة في عدد من الولايات، ومنها ساكسونيا-أنهالت ومكلنبورغ-فوربومرن وبرلين، باعتبارها اختبارات مهمة للمشهد السياسي الألماني. والسؤال المطروح ليس فقط من سيحصل على أكبر عدد من الأصوات، بل أيضًا من سيتمكن بعد الانتخابات من إيجاد شركاء قادرين على تشكيل حكومة.
مكلنبورغ ـ فوربومرن تكشف حجم التحدي
وتشير استطلاعات الرأي إلى أن الوضع في مكلنبورغ-فوربومرن قد يكون أكثر تعقيدًا. فقد تراجع التأييد للاتحاد المسيحي الديمقراطي إلى مستويات منخفضة، في حين أظهرت استطلاعات أخرى تقدم حزب البديل من أجل ألمانيا بشكل كبير.وفي بعض السيناريوهات، يمكن أن يحصل البديل من أجل ألمانيا على نحو 38% من الأصوات، مقابل حوالي 33% للحزب الاشتراكي الديمقراطي. أما الاتحاد المسيحي الديمقراطي، فتبدو حظوظه أكثر صعوبة في بعض الاستطلاعات. وفي برلين، تبدو الصورة مختلفة، لكنها لا تخلو من الضغوط. فالتوازن بين الأحزاب التقليدية والقوى الصاعدة يجعل تشكيل الحكومات المحلية يعتمد بصورة متزايدة على القدرة على بناء ائتلافات متعددة الأطراف.
ساكسونيا-أنهالت: الاختبار الأصعب
تكتسب ساكسونيا-أنهالت أهمية خاصة لأن الاتحاد المسيحي الديمقراطي حكم الولاية لفترات طويلة، بينما أصبح حزب البديل من أجل ألمانيا قوة انتخابية رئيسية فيها.وهذا التحول يضع الأحزاب التقليدية أمام سؤال صعب: كيف يمكن تشكيل حكومة مستقرة من دون التعاون مع حزب يتمتع بقاعدة انتخابية كبيرة؟ في المقابل، يرفض حزب البديل من أجل ألمانيا فكرة بقائه في موقع المعارضة الدائمة، ويرى أن حصوله على نتائج قوية يمنحه الحق في المطالبة بدور مباشر في الحكم. لكن الحصول على أصوات الناخبين لا يكفي وحده في النظام البرلماني الألماني. فالحكومة تحتاج إلى أغلبية داخل البرلمان، وهو ما يجعل التحالفات والتفاهمات بين الأحزاب عنصرًا حاسمًا في تحديد من سيتولى السلطة.
إذا جاءت النتائج من دون أغلبية واضحة لأي حزب أو معسكر، فستبدأ معركة أخرى بعد إغلاق صناديق الاقتراع: معركة تشكيل الائتلاف. وهنا ستصبح حسابات المقاعد أكثر أهمية من نسب التصويت نفسها. فقد يستطيع حزب تحقيق نتيجة انتخابية قوية، لكنه يجد نفسه عاجزًا عن تشكيل حكومة إذا لم يتمكن من العثور على شريك أو أكثر يقبل بالتعاون معه. وهذا تحديدًا هو التحدي الذي يواجه حزب البديل من أجل ألمانيا. فارتفاع شعبيته لا يعني تلقائيًا وصوله إلى الحكم، ما دام عدد من الأحزاب الأخرى يرفض الدخول معه في ائتلاف.
في ظل هذا الوضع، قد تضطر الأحزاب التقليدية إلى البحث عن تركيبات حكومية غير مألوفة، تجمع قوى تختلف في برامجها ومواقفها السياسية. ومن بين السيناريوهات التي يمكن أن تفرض نفسها تحالفات تضم الاتحاد المسيحي الديمقراطي إلى جانب الحزب الاشتراكي الديمقراطي أو تحالف سارا فاغنكنشت، إضافة إلى احتمالات أخرى وفقًا لتوزيع المقاعد النهائي. هذه التركيبات لن تكون سهلة، وقد تتطلب تنازلات كبيرة من جميع الأطراف. لكنها قد تصبح الخيار الوحيد أمام الأحزاب التي تريد منع حزب البديل من أجل ألمانيا من الوصول إلى السلطة التنفيذية.
اختبار يتجاوز حدود ساكسونيا-أنهالت
ولا تقتصر أهمية المعركة السياسية في ساكسونيا-أنهالت على الولاية نفسها، بل تعكس تحولًا أوسع في السياسة الألمانية.فصعود حزب البديل من أجل ألمانيا يفرض على الأحزاب التقليدية إعادة النظر في استراتيجياتها، بينما يجعل تراجع الأحزاب الصغيرة تشكيل حكومات مستقرة أكثر تعقيدًا.وفي هذا المشهد، سيكون موقف الاتحاد المسيحي الديمقراطي حاسمًا، ليس فقط بالنسبة إلى مستقبل ساكسونيا-أنهالت، وإنما أيضًا بالنسبة إلى النقاش الوطني حول حدود التعاون مع اليمين الشعبوي.وفي النهاية، تبدو الولاية أمام مرحلة سياسية مفتوحة على عدة احتمالات. فالانتخابات قد تحدد موازين القوى، لكنها لن تحدد بالضرورة شكل الحكومة المقبلة. ذلك القرار سيُتخذ لاحقًا حول طاولة المفاوضات، حيث ستتواجه الحسابات البرلمانية مع الخطوط الحمراء السياسية لكل حزب. وبذلك، قد تكون المعركة الحقيقية في ساكسونيا-أنهالت قد بدأت بعد ظهور النتائج، لا قبلها.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=124522
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI

