أزمة أوكرانيا ـ التقدم العسكري على الأرض يفرض أجندة التفاوض. بقلم الدكتور خالد ممدوح العزي

مارس 26, 2022 | أمن دولي, الإتحاد الأوروبي, دراسات, دفاع, مكافحة الإرهاب

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

آخر المشاركات التلفزيونية

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
الدكتور خالد ممدوح العزي

الدكتور خالد ممدوح العزي

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ ألمانيا  و هولندا

بقلم : الدكتور خالد ممدوح العزي ، استاذ العلاقات الدولية والسياسات الخارجية

أزمة أوكرانيا ـ التقدم العسكري على الأرض يفرض أجندة التفاوض . بقلم الدكتور خالد ممدوح العزي

دخلت  الحرب الروسية الاوكرانية شهرها  الثاني  بظل التقدم والتراجع للطرفين  في عدم تحقيق اي انتصارات عسكرية فعلية تجعل الطرفين يجلسون على طاولة المفاوضات  بجديدة  بالرغم من المحاولات العديدة التي  جولت فيها بعض الدول  اجلس الطرفين  على الطاولة كاسرائيل وتركيا  والمجر  لكن لاتزال  الخطوة غير جاهزة .

حاول الروس في بداية الازمة من ممارسة سيناريو الناتو في صربيا عام 1999 بالقصف التدميري ضد المدن الاوكرانية وضرب البنى التحتية وإسقاط قدرات الجيش لخلق نزاع داخلي بين المؤيدين والمعارضين للدولة وبالتالي الاعتماد على انشقاقات  في داخل المؤسسة العسكرية  لكن بعد فشل السيناريو الأول  في الاطباق على المناطق الشرقية الاوكرانية لفرض أمر واقع يتم قبله سريعا من الغرب  توجه الروس الى استخدام السيناريو السوري القائم على محاصرة  السكان  وتدمير المدن كما الحال   في مدن” خاركوف وتسومي  ونيكلايف وتشرينييفا  ماريوبول ” وبالتالي فرض  أمر واقع من خلال السكان المدنيين  بالقبول  وبالشروط الروسية  وتنفيذها بأي ثمن .

لكن الصمود الاوكراني اذهل الجميع وفرض معادلات جديدة على استراتيجية التعامل مع المعركة  من قبل الجميع وبات الروس في مأزق فعلي بالرغم من انهم منذ  البداية فتحوا خط التفاوض  كبريق امل بحال الانتصار أو الانهزام .

 مضمون الحملة الروسية   :

بغض النظر عن تحليلات الخبراء العسكريين العرب على القنوات الفضائية حول سير العمليات الذين يشيرون  الى ان احتلال نيكولايف الهدف منه فصل  أوكرانيا من المنتصف وهذا ليس  علاقة له بالواقع بل الهدف  اوديسا ، لإن أهداف الرئيس الروسي بوتين في أوكرانيا منذ البداية، لم تكن أحتلال أراضي أوكرانيا الدولة كلها، بل مناطق الشرق والجنوب ، لان  هذه المناطق محاذية لحدود لروسيا في الشرق ومجاورة للمنطقتين الانفصاليين  في الجنوب مجاورة لروسيا عبر شبه جزيرة القرم الانفصالية.

هي مناطق الصناعات ومصادر الطاقة والثروات الطبيعية والموانئ الاستراتيجية.  روسيا تحاول  تحقيق جزءا  من اهدافها ومازالت تسعى للباقي وبما أنها تقاتل ظاهرياً كمساعدة الجمهوريتين الانفصاليين فإن أي ضم للاراضي الجديدة المسيطر عليها تسجل كأراضي للانفصاليين أي انها ستبقى ظاهريا او شكليا اراضي اوكرانيا لكنها انفصالية عن الدولة الام . و ستحاول روسيا في المفاوضات القائمة أن تطرح على الأوكرانيين الاعتراف بالجمهورية الانفصاليين بحدودها التي تقررها الدبابة الروسية وهاتان الجمهوريتين هما روسيتين لغة و ثقافة و أوكرانية تاريخيا وجغرافيا، وبالتالي ستبع هذه السياسة  بعد الحرب، وبذلك تعيد فرض اللغة الروسية كلغة ثانية في  في المناطق المحتلة  و تفرض على أوكرانيا الدولة الأم التحول نحو النظام الفدرالي الذي سيكون للجمهورية الانفصاليتين، حق النقض الفيتو فيه على اي سياسة معادية لروسيا، وهذا ما سيغير وجه اوكرانيا ويحسم سياستها باتجاه الشرق لا الغرب.

اما بخصوص التعثر في المدن الكبرى فإن هناك مقاومة شرسة عنيفة من قبل الاوكران لكن المدن الكبرى (باستثناء خاركوف واوديسا) ليست هدفا لموسكو بالاساس بل هي لتشتيت الانتباه عسكريا، واداة تفاوض سياسية لها علاقة بالهدف الاخر  “ل”روسيا من الحرب وهو حياد أوكرانيا.

هذا الهدف قد يصبح قابلا للتحقق فقد وافقت اوكرانيا بعد يومين من بدء الحرب على الحياد. وعليه فإن روسيا حققت اغلب الاهداف العسكرية ولو بشكل جزئي في الهجوم مازال مستمراً لتحقيق ما تبقى وهو مسألة وقت.

أما الاهداف السياسية فهي العقدة ويبدو إن من الصعوبة بمكان تحقيقها، واذا تحققت فإنها تتحقق عبر اتفاق شبيه باتفاق اوسلو الفلسطيني الاسرائيلي  بمعنى ، الاستسلام مستتر بورقة توت، لذلك يطرح الطرف الاوكراني منذ الان ان اي اتفاق مع روسيا سيخضع للاستفتاء. وهذا يعني ان اوكرانيا أجلا ام عاجلا ستقبل باتفاق مؤلم لن يحقق سلاما بل سيوقف التدمير والخراب والتشريد والقتل، ولن يكون هناك اي نتيجة ايجابية منه الا الحفاظ على الدولة التي لن تكون كما هي بعد الاتفاق بل قبله ايضا فالحرب غيرت كل شيء . البديل عن ذلك استمرار الحرب واستمرار المأساة الاوكرانية الى اجل غير مسمى، وفي تلك الاثناء تكون روسيا قد ضمت فعليا ما احتلته من مدن وأراض.

وما بقي يبقى تاريخ وذكريات واحقاد وعالم يتخبط فيما كان وفيما يجب ان يكون. والبديل الآخر هو تقسيم أوكرانيا وفق خطوط نتائج العمليات بين الدولة الأم والانفصاليين، وبالتالي قد يكون سيناريو البلقان  “البلقنة ” هو الذي تطمح إليه روسيا  كي تخرج من حرب الاستنزاف والمستنقع الاوكراني اي النصر ايضا بطعم الهزيمة .

التفاوض الفعلي بين الطرفين ـ  الموضوع المطروح

لقد فتح باب التفاوض الفعلي بين الطرفين مباشرة  في بداية الحرب  التي كانت مجرد بادرة بظل استمرار الالية العسكرية من ممارسة دورها  لكن الاتراك استطاعو استضافة الجلسة الرابعة للتفاوض بين  وزير الخارجية الروسي والأوكراني في انطاليا كبادرة جيدة  للتحضير الى لقاء قادم بين الرئيسين .

لابد من القول بان التفاوض في الازمات العسكرية  هو أمر عادي من قبل الأطراف المتحاربة التي تتفاوض من ناحية وتقاتل من الناحية الاخرى بانتظار  تحقيق انتصارات  تضاف الى طاولة المفاوض السياسي من الجنرالات العسكريين الذين يدرون  المعارك المحاربية واي اخطاء من قبل  أحد الأطراف  ستصب لمصلحة الطرف الآخر .بالرغم من التفاؤل الكبير  الذي سيطر على أجواء التفاوض الذي حصل بين الطرفين والذي تخلله  عدة جولات على الحدود البولندية والبيلاروسية للتحول  التفاوض الى شبه يومي من  اربعة جولات  عن طريق التواصل بالفيديو  كونفرانس  نتيجة صعوبة الوصول  ونتيجة  عدم التوصل الى حلول جديدة تعطي نوع من الثقة لهذه  العملية الدوبلومية .

فان الوفد الروسي  الذي ذهب للتفاوض ليس له  اي قدرة على اتخاذ القرارات الفورية التي يمكن تقديمها للطرف الآخر بالرغم من ان رئيس الوفد ومساعد الرئيس الروسي فلاديمير ميدينسكي” عمل  سابقا وزيرا للثقافة”  لكنه لا يملك  وزنا شعبيا يخوله من اتخاذ اي قرار  مصيري ولا يحمل  كاريزما سياسية في الشارع الروسي تعطيه القدرة فعل افعال مميزة بالتفاوض .اما الوفد الأوكراني  برئاسة ميخائيل بودولياك  مدير مكتب الرئيس  بيلنسكي  و لا يملك الوفدين قدرات مباشرة  على  التنفيذ وقد تم مشاهدتها مباشرة  في عدم القدرة على ايقاف اطلاق النار بين الطرفين من اجل اخراج المدنيين او تقديم المعونات الانسانية.

اتفاقيات التسوية المحتملة

لكن الرئيس زيلينسكي  أخيرا  وضع النقاط  على الحروف  في عملية التفاوض بقوله بإن اتفاقيات التسوية المحتملة مع روسيا يجب مناقشتها في إطار  التسويات المتعلقة بشأن اتفاقيات السلام في شبه جزيرة القرم و دونباس من خلال  استفتاء عام يشارك فيه الشعب الأوكراني لتقرير القضايا المصيرية و يجب أن يتم الاستفتاء نفسه ، بعد أن تتلقى أوكرانيا بعض الضمانات الأمنية من دول الناتو. يعلن زيلنسكي  بانه شرح  لجميع المجموعات المفاوضة عندما نتحدث عن كل هذه التغييرات ، ويمكن أن تكون تاريخية ، فلن نذهب إلى أي مكان ، وسنأتي إلى استفتاء. يتعين على الناس أن يقولوا ويعطوا إجابات على صيغ معينة من التنازلات. لكن ما سيكون عليه الأمر يتعلق بالفعل “ب”المحادث والتفاهم المتبادل بين أوكرانيا وروسيا.

ما مدى جدوى هذه الأفكار بظل المعارك  الحربية الدائرة على الأراضي الاوكرانية وكيف ينبغي لروسيا أن تتعامل معها، بظل المعوقات  والتاخير  الواضح في سير  تنفيذ الخطة . مما دفع روسيا بالتعليق على مقترحات زيلنسكي بأنه يخضع الروس بشان الاستفتاء بحسب صحيفة فزغيلاد الروسية الناطقة بلسان الكرملين بتاريخ 22\مارس الحالي .حيث اتهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أوكرانيا بالمماطلة في التفاوض على تسوية محتملة عبر طرحهم مزيدا من المقترحات والتي وصفها بغير الواقعية.

لكن التفاوض الحقيقي بنظر الرئيس الأوكراني منذ بداية  الحرب  بلقاء مع  نظيره الروسي فلاديمير بوتين لبحث كل الصيغ  للتوصل   من أجل وقف الحرب في أوكرانيا،  فإذا فشلت المفاوضات بين الوفدين الأوكراني والروسي ، ستندلع حرب عالمية ثالثة.لذلك تصبح  هذه الطريقة المناسبة للخروج من التصعيد الحالي بأنها مقبول بالنسبة للغرب الذي لا يعرف “ماذا يفعل بأوكرانيا بشأن قضية الناتو” ، وبالنسبة لكييف “التي تريد ضمانات أمنية” ، وبالنسبة لروسيا “التي لا تريد توسع الناتو  الى حدودها فهناك دول أعضاء في الناتو تريد أن تكون ضامنة لأمن  اوكرانيا  ، ولا يمكنها أن تضمن لها عضوية بنسبة 100٪ في الحلف ، لكنها مستعدة لفعل كل ما كان ينبغي على الحلف القيام به إذا لم تكن أوكرانيا عضو فيه.

سير الالية الحربية الروسية

اذن يظل سير الالية الحربية الروسية ، لن توافق  أوكرانيا على عدم انضمامها إلى الناتو ، اذ  لم تتلقى ضمانات أمنية من دول نووية ، وأعضاء في حلف شمال الأطلسي، كونه   “حل وسط طبيعي يرضي الطرفين  .وتشير الأوساط الرسمية الروسية في الحوار بين روسيا واوكرانيا ، بان الوفد الأوكراني يغير موقفه باستمرار بشأن بعض القضايا التي تطرحها روسيا .  وتحاول روسيا اقناع  الجميع بسلوك  طريق النسخة نمساوية أو السويدية  بالنسبة لأوكرانيا باعتبارها دولة محايدة منزوعة السلاح بجيشها الخاص. لكن محاطون بزيلينسكي أيضا ، ويطالبون بإنشاء تحالف عسكري مع بريطانيا وبولندا ، والذي يتعين عليه توفير الحماية لأوكرانيا في حالة نشوب صراع.

من ناحيتها أوكرانيا ترفض الشروط الروسية قبل الانسحاب الروسي من الاراضي الاوكرانية  وليس الطلب بوقف اطلاق النار وإنما المحافظة على كامل التراب الاوكرانية التي تعتبر وفقا للقانون الدولي دولة مستقلة ذات سيادة تدافع عن حريتها وقيمها الديمقراطية الغربية .ان الإصرار الروسي على تنفيذ مطالبها القائمة على انتزاع سلاح الدولة الاوكرانية ، وعدم دخول أوكرانيا في الناتو والموافقة على استقلال الجمهوريتين  الانفصاليين في الدونباس  والاعتراف بشبه جزيرة القرم بانها روسية والقضاء على المتطرفين والفاشيين التي تدعي روسيا  بانها اتت في عملية عسكرية لتنظيف أوكرانيا من هذه المجموعات التي تسطو على النظام فإنها لن تتراجع عن حملتها العسكرية التي ستحققها  بالقوة العسكرية والنيران  المسكوبة على المدنيين .

بالطبع روسيا تطرح شروطها التي  لن تتحقق بسبب قدرة  الاوكران في الدفاع عن ارضهم وشعبهم والتمسك بدولتهم ونظامها الديمقراطي  والدفاع عن القارة الأوروبية والقيم الانسانية والاخلاقية في هذه الالفية الثالثة وعدم الانصياع للشروط الروسية . لذلك يرى ميخائيل بودولياك ، إن الموقعين على الضمانات الأمنية المحتملة يجب أن يشاركوا بدور نشط في المستقبل إلى جانب أوكرانيا في نزاع محتمل ورسميا  تزويد البلاد بإمدادات فورية بالكمية اللازمة من الأسلحة.اذن لم تعد أوكرانيا تريد الاعتماد على الإجراءات البيروقراطية التي تسمح أو لا تسمح بإغلاق السماء من نفس صواريخ كروز. فهم باتوا بحاجة إلى ضمانات مباشرة وقوية بأن السماء ستغلق لاحقا .

الخلاصة

لابد من القول بان الاخفاقات الروسية سوف يفرض توجه جديد للصراع من خلال مساعدة اوكرانيا  وتزويدها بسلاح فاعل وفاتك يؤمن من خلاله توازن في سير المعارك مما يضع روسيا في حرب استنزاف عسكرية ومالية وبشرية ولوجستية ويسس لاطالة عمر المعارك  طويلا كي تغرق روسيا في المستنقع الاوكراني كما كان الحال في المستنقع الافغاني والشيشاني .

وبدوره يستمر الحراك الدبلوماسي الدولي المكثف لمساعدة أوكرانيا  في فرض توازن عسكري في الميدان من جهة وفي محاولة جدية  من اجل عزل روسيا عن المجتمع الدولي لان الدول تتجه لتشديد ضغوطها على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال ثلاث اجتماعات قمة في بروكسل، لحلف شمال الأطلسي (الناتو) ومجموعة السبع والاتحاد الأوروبي،  في 24 مارس الماضي ، بينما تواصل الاعمال  العسكري على الاراضي الاوكرانية بين الطرفين ومع استمرار المعارك على جبهات عدة في أوكرانيا. لم تحقق اي خرق يذكر للجيش الروسي لتعزيز شروطه  على طاولة التفاوض .

لذلك التفاوض تباطأ بين الجهتين بانتظار خرق فعلي يستطيع أحد الطرفين فرضه في الميدان لتغيير معادلة التفاوض لفرض لقاء قادم بين بوتين وزيلنسكي  يؤسس عليه لاحقا لوضع حد للازمة الملتهبة .

 

رابط مختصر … https://www.europarabct.com/?p=80882

جميع الحقوق محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...