المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ECCI ـ وحدة الدراسات (26)
ولاية الفقيه ـ أدوات نشر الأيديولوجية وبناء النفوذ الفكري
تمثل ولاية الفقيه في إيران، النظرية السياسية والدينية التي تأسس عليها نظام الحكم منذ 1979، وتدريجيًا انتقلت ولاية الفقيه من نظرية فقهية إلى أيديولوجية حاكمة ذات أبعاد فكرية ومؤسسية، وانتشرت خارج حدود إيران، من خلال أدوات متعددة مثل المؤسسات الدينية والثقافية والتعليمية والحوزات، نظرًا لأن ولاية الفقيه تعد الأساس الدستوري والسياسي للنظام الإيراني، وتمنح المرشد الأعلى سلطة دينية وسياسية عليا، تجعل منصبه أعلى من جميع مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية.
القوة الناعمة
وفقًا لعالم السياسة الأمريكي جوزيف ناي، فإن القوة الناعمة هي القدرة على التأثير في سلوك الآخرين، عبر الإقناع والاستمالة، على عكس القوة الصلبة التي تميل للاعتماد بشكل أكبر على الإكراه، وتلجأ الدول لهذه التدابير بدلًا من التدخل العسكري أو العقوبات الاقتصادية. وتتمثل في الموارد المرتبطة بالمؤسسات، والأفكار، والقيم، والثقافة.
ولاية الفقيه
تعني إسناد السلطة إلى الفقيه الجامع للشرائط خلال غياب الإمام المهدي، بحسب الفكر الشيعي الإمامي الاثني عشري. وفي إيران باتت ولاية الفقيه النظام الدستوري والسياسي. إذ يحصل المرشد الأعلى على صلاحيات واسعة، تجعله أعلى سلطة سياسية ودينية، والمشرف على المؤسسات السيادية والسياسات العامة للدولة.
مفهوم القوة الناعمة الأيديولوجية لدى إيران
يقول علي أكبر، محاضر وباحث في جامعة ملبورن، “انتهجت إيران سياسة معادية للولايات المتحدة وإسرائيل، وركزت على القوة الناعمة المتمثلة في نشر ولاية الفقيه ـ “التشيع” واستخدام خطاب مناهض للولايات المتحدة، ونشر الروابط الثقافية خارج حدودها لزيادة نفوذها”، مشيرًا إلى امتداد هذه القوة للمجال الإنساني، وخلال حرب إسرائيل وحزب الله في 2006، استثمرت بكثافة في جنوب لبنان وقدمت هناك خدمات اجتماعية لأسر الجنود القتلى، كمحاولة لتحسين صورتها.
أقامت إيران شراكات مع جامعات دول أخرى لاختراق القطاعات التعليمية خارج حدودها، كما تسهل الدراسة داخل جامعاتها بتقديم منح دراسية. يوضح الباحث علي أكبر، توسيع طهران نشر القيم الثقافية في جنوب القوقاز وآسيا الوسطى والجنوبية والشرق الأوسط بنشر اللغة الفارسية، وتعد مؤسسة “سعدي” إحدى المؤسسات الرئيسية في الترويج للغة الفارسية خارج إيران، إذ يبلغ عدد ممثليها أكثر من (80) ممثلًا. تتولى منظمة الثقافة والاتصال الإسلامي “ICCO” التابعة لوزارة الثقافة الإيرانية، تقييم مكانة اللغة والأدب الفارسيين بمختلف الجامعات بالعالم، وعقد مؤتمرات وندوات ذات صلة باللغة، ونشر كتيبات ودراسات متعلقة بدراسة اللغة الفارسية بلغات متعددة.
أكد المرشد الإيراني السابق علي خامنئي، على أهمية تعزيز اللغة الفارسية، وأن يتولى هذه المهمة المستشارون الثقافيون، عبر إقامة علاقات وثيقة مع الجامعات خارج إيران، بجانب إيفاد اللغويين والباحثين الإيرانيين لدول أخرى لتدريب المعلمين المحليين، وأرسلت إيران خلال العقود الأربعة الماضية، أكثر من (260) خبيرًا في الأدب واللغة الفارسية. وسعت إيران نفوذها في العراق، بزيادة عدد الزيارات للأضرحة الشيعية في النجف وكربلاء، وتدريس اللغة الفارسية على (3) مستويات “ابتدائي، ومتوسط، ومتقدم”، وإنشاء مراكز ثقافية إيرانية مستقلة بالعراق، ويعد معهد “القلم” أحد المراكز الإيرانية الرئيسية للغة الفارسية في بغداد. وأصدرت إيران أول مجلة إلكترونية بعنوان “مينا”، لتحفيز الطلاب العراقيين لتعلم الفارسية.
خلال العقد الماضي، دشنت إيران برامج للغة الفارسية في الجامعة اللبنانية، إلى جانب دورات تقدمها جامعة المصطفى، وتوسع تدريسها في مدارس مرتبطة بحزب الله، مثل مدارس “المهدي”، التي تنظم أولمبيادًا سنويًا للغة الفارسية بدعم من السفارة الإيرانية والمركز الثقافي الإيراني، مع تقديم حوافز للفائزين مثل الرحلات إلى إيران. اقترن تعليم اللغة بالترويج للثقافة والرواية السياسية الإيرانية، إذ استُغلت الفعاليات الثقافية لنقل رسائل سياسية وإبراز ما تسميه طهران “ثقافة المقاومة”. كما لعب حزب الله دورًا في ترجمة الكتب الإيرانية من الفارسية إلى العربية، بما في ذلك مؤلفات دينية وسياسية وخطابات لقيادات إيرانية مثل علي خامنئي، وتم افتتاح أول فرع لمركز “بهاء الدين العاملي” في بعلبك عام 2021، لتعليم اللغة الفارسية وتعريف الدارسين بالحضارة والثقافة الإيرانية.
قبل سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، أدخلت طهران الفارسية كلغة اختيارية في المدارس الثانوية، بعد توقيع مذكرة تفاهم مع دمشق في يناير 2020، وأنشئت برامج تعليمية بإشراف مؤسسة “سعدي”، وركزت على مدينة ذات أهمية استراتيجية مثل اللاذقية التي تضم جامعة إيرانية سورية مشتركة. أسست في “البوكمال” و”الميادين” في دير الزور، مراكز للغة الفارسية وربطتها بتعليم ولاية الفقية ـ “التشيع”، مع تقديم دورات مجانية للأطفال وجوائز مالية للمتفوقين. الإمارات تفكك تنظيماً مرتبطاً بـ”ولاية الفقيه”
المؤسسات الدينية
– الحوزات: مؤسسات دينية شيعية لتعليم الفقه والعقائد واللغة، ومن أبرزها حوزة قم وحوزة مشهد، اللتان تعدان امتدادًا لحوزة النجف التاريخية، تُمول المدارس الحوزية من خلال الرسوم الدينية المعروفة باسم “الخمس” والأوقاف والتبرعات ومدفوعات الزكاة الخيرية. عززت الدولة سيطرتها على إدارة الحوزات. يوفر مكتب المرشد دعمًا ماليًا لكيانات حوزية مختارة في إيران، دون الإعلان عن تفاصيل التمويل، ويمتد نفوذه إلى حوزة قم بالمراقبة الاستخباراتية والرقابة الأيديولوجية، والسيطرة المؤسسية للحفاظ على الهيمنة على المجال الديني.
يحتاج الشخص ما بين (15- 20) عامًا من الدراسة المكثفة في الفقه والفلسفة واللغة العربية والمنطق، ويحتاج تأييد سلطة دينية بارزة، للاعتراف الرسمي به كفقيه، ما يمكنه من إصدار فتاوى وآراء قانونية. تظل قيادة الحوزات للرجال فقط، تدرس حوالي أكثر من (3) آلاف طالبة في (12) مدرسة للبنات فقط في حوزة قم، للتدريب على تعليم المبادئ الدينية المتعلقة بالنساء والحياة الأسرية والأخلاق الإسلامية، ويحصل عدد قليل منهن على لقب فقيه.
تعد حوزة قم أكبر مركز للتعليم الديني للمذهب الشيعي في إيران والعالم، وتضم ما بين (50-60) ألف طالب، وتشكل المرجعية العلمية الأساسية للحوزات الإيرانية، باعتبارها القوة الأكاديمية والروحية للتشيع، ولها دور في تشكيل النخبة الدينية بإيران. تمثل حوزة مشهد ثاني أكبر الحوزات، وترتبط بمرقد الإمام الرضا، إضافة إلى حوزات في أصفهان، وطهران، والأهواز، ويزد، وشيراز. لا تخضع الحوزات لوزارة حكومية، وتتمتع باستقلال إداري، وتُدار عبر هيئات دينية مثل مركز إدارة الحوزات. يشغل خريجو الحوزات مناصب في البرلمان والقضاء والمؤسسات الدينية، ما يدلل على تأثيرها في الحياة السياسية والاجتماعية. خلال الفترة (2021- 2026)، شهدت الحوزات توسعًا في عدد ونوعية البرامج، واهتمت إيران بتأسيس حوزات نسائية، ودشنت برامج تعليمية عبر الإنترنت ومحاضرات بالفارسية وباللغات الأجنبية.
– المراكز الثقافية: تمثل شبكة المراكز المسؤولة عن النشاط الثقافي والديني في الداخل والخارج، مثل منظمة “الثقافة والاتصال الإسلامي”، وتتبعها مكاتب ثقافية في سفارات إيران في نحو (60-70) دولة، ومنظمة “التبليغات الإسلامية” التي تخضع لإشراف المرشد مباشرة، ومكلفة بنشر الأيديولوجية الشيعية في داخل وخارج إيران، مع التركيز على إعداد المدارس الدينية الإيرانية. ومن أبرز المراكز الثقافية الخارجية، “المركز الثقافي الإيراني في باريس”، الذي يتولى نشر اللغة الفارسية عبر حلقات دروس ومعارض فنية وندوات ثقافية. ومن أشهر المجامع الدينية “المجمع العالمي لأهل البيت” في طهران، و”منتدى تقريب المذاهب”، و”منظمة دار القرآن الكريم” التي تدير أنشطة ثقافية، وبيوت الثقافة الإسلامية في مختلف المدن الإيرانية.
تحصل هذه المراكز على تمويل من وزارة الثقافة، وفي 2025، تم تخصيص نحو (5) تريليونات تومان لمنظمة التبليغات في الموازنة العامة. تركز أنشطتها على نشر اللغة الفارسية للناطقين بالعربية والإنجليزية، وإعداد ورش فنية ودورات دينية، ومهرجانات ثقافية مثل “أسابيع الثقافة الإيرانية” و”أسابيع الأفلام الإيرانية”، وطباعة كتب إلكترونية لبناء جسور ثقافية وإظهار أبعاد جديدة للفكر الإيراني. خلال الفترة (2020-2026)، تضاعفت جهود التوسع الثقافي، بفتح مراكز جديدة في أفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا الوسطى.
– المؤسسات التعليمية: تركز على التعليم الجامعي والدراسات الدينية والفقهية، من أبرزها جامعة “المصطفى العالمية” في قم ولها فروع في أكثر من (50) دولة، وجامعة “الإمام الصادق” في طهران لتأهيل النخب الدينية والسياسية، وجامعة “باقر العلوم” في قم المتخصصة في العلوم الاجتماعية والدينية، والمعاهد العالمية في قم ومشهد. وتمنح شهادات في العلوم الإسلامية وغيرها من العلوم. تتولى دور ومراكز قرآنية تدريس الدعوة والفقه، مثل دار “القرآن الكريم”، ومؤسسة “الإمام الخميني للتعليم والبحوث”.
بجانب تدريس أصول الفقه والتفسير والعقيدة والعلوم الإنسانية، تطرح بعض الجامعات تخصصات معاصرة مثل القانون الدولي الإسلامي، والاقتصاد الإسلامي. وتوفر بعضها منحًا دراسية تشمل السكن والمخصصات المالية للطلاب الأجانب، وتمنح درجات البكالوريوس والماجستير والدكتوراه. تخضع أغلب الجامعات الدينية لإشراف من جهات مرتبطة بالمرشد الأعلى. يعتمد تمويلها على الموازنة العامة، ودعم من مؤسسات دينية وخيرية. في الفترة (2010-2026)، أطلقت الجامعات الدينية برامج دراسية إلكترونية بعدة لغات، ودمجت مواد في الذكاء الاصطناعي والإدارة للمناهج.أمن دولي ـ إيران تتشظى، ست جمهوريات تنهض من رماد الولي الفقيه
الإعلام التقليدي
– القنوات الفضائية: احتكرت إيران البث التلفزيوني والإذاعي، على المستوى الوطني، عبر هيئة الإذاعة والتليفزيون الإيرانية “IRIB”، بحسب المادة (175) من الدستور الإيراني، وتمثل المؤسسة الإعلامية الرسمية في إيران. وترتبط مباشرة بالمرشد الأعلى، وتضم أكثر من (50) قناة تلفزيونية وإذاعية محلية ودولية. وتتعدد الوكالات الإخبارية الرسمية وشبه الرسمية، ومن أبرزها وكالات “إرنا”، و”فارس”، و”تسنيم”، و”مهر”، و”إيسنا”. ولايزال الإعلام الإيراني يخضع لإشراف الدولة بدرجات متفاوتة.
من أبرز القنوات، شبكة الأخبار الإيرانية “IRINN”، التي تبث الأخبار المحلية والدولية وسياسات الحكومة، والقناة الأولى التي تعد القناة العامة الرئيسة لتقديم الأخبار والبرامج السياسية والاجتماعية، والقناة الثانية التي تركز على برامج الأسرة والشباب والبرامج الثقافية والتعليمية، والقناة الثالثة التي تستهدف الشباب بالبرامج الترفيهية والرياضية، والقناة الرابعة تعد قناة ثقافية وعلمية وأكاديمية.
– الإعلام متعدد اللغات: اعتمدت إيران على الإعلام الموجه للخارج، كقوة ناعمة لاستقطاب جمهور أكبر، إذ أطلقت في 2007، قناة “برس تي في” الناطقة باللغة الإنجليزية، وتستهدف الجمهور الدولي بتقديم الأخبار والرواية الإيرانية للأحداث العالمية. تعد قناة “العالم” القناة الإخبارية الدولية الرسمية لإيران الناطقة باللغة العربية، وتغطي كافة قضايا الشرق الأوسط. لدى إيران قناة “إيسبان تي في” الناطقة باللغة الإسبانية، وموجهة للجمهور في إسبانيا وأمريكا اللاتينية. حرصت إيران على توسيع أدوات القوة الناعمة، بإطلاق قناة “أي فيلم” في 2010، كشبكة ترفيهية دولية مخصصة لإذاعة الأفلام والمسلسلات، ومنصة وإذاعة “بارس توداي” متعددة اللغات التي انطلقت في 2016.
الفضاء الإلكتروني
– وسائل التواصل: رغم القيود الحكومية المفروضة وحجب بعض المنصات العالمية، لايزال الإيرانيون يستخدمون المنصات الإلكترونية عبر خدمات VPN “، ومن أبرزها “تليغرام”، و”إنستغرام”، و”إكس” و”واتساب”، وقبل حجب إنستغرام في سبتمبر 2022، بلغ مستخدمي التطبيق (53.1%)، ويستخدم حوالي (20-25) مليون إيراني تليغرام رغم حظره في 2018. أطلقت إيران تطبيقات محلية يرجح مراقبتها، مثل “روبيكا” بنحو (35) مليون مستخدم، و”إيتا” أكثر من (15) مليون شخص، و”بله” قرابة (10) مليون مستخدم. ويظل “يوتيوب” محجوبًا رسميًا، وتعد منصة “آبارات” البديل منذ تأسيسها في 2011.
-الحملات الرقمية: تقود جهات حكومية مثل “الوزارات”، و”الحرس الثوري”، و”المجلس الأعلى للفضاء السيبراني”، و”الإذاعة والتلفزيون الرسمي”، حملات رقمية عبر المواقع الحكومية ومنصات التواصل الاجتماعي. وتوظف أيضًا الأندية والجامعات والمنظمات الشبابية في تعبئة الرأي العام. لجأ النظام في الحرب الراهنة مع الولايات المتحدة وإسرائيل إلى مثل هذه الحملات، مثل “حملة السلسلة البشرية لشباب إيران من أجل غد مشرق” في أبريل 2026، لحشد الشباب لحماية البنية التحتية. نشرت عبر “إكس”، و”تليغرام”، و”إنستغرام”، مقاطع فيديو وصور تظهر تدمير قواعد أمريكية أو إسقاط طائرات وسفن أمريكية، ونشرت حسابات تابعة للحرس الثوري سرديات مثل، القدرة على ردع الولايات المتحدة، وإخفاء الغرب حقيقة الحرب، وتكبد إسرائيل والولايات المتحدة خسائر كبيرة.
– إنتاج المحتوى: يتنوع المحتوى المقدم من قبل النظام الإيراني، بنشر الأخبار الرسمية عبر المواقع الحكومية ووكالات الأنباء مثل “إرنا”، و”مهر”، وإيسنا”. وتروج للسياسات الحكومية مثل البرنامج النووي والأمور الدينية مثل الحجاب، عبر بث فيديوهات قصيرة على منصات التواصل الاجتماعي. وتروج للقيم الأساسية للدولة والثورة الإسلامية، عبر إنتاج أعمال درامية وبثها عبر هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية. تشارك وكالات إعلامية شبه رسمية ومؤسسات تابعة للحرس الثوري، في بث محتوى رقمي وفيديوهات تروج لأفكار النظام.
– الخطاب الموجه للشباب: يستغل النظام الإيراني، توسع استخدام شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي بين الشباب، لتعزيز خطاب المقاومة ومعاداة الولايات المتحدة وإسرائيل، والترويج للقيم الدينية وفقًا للمذهب الشيعي الإمامي الاثني عشري، وتصوير الوظائف الحكومية باعتبارها وسيلة لخدمة الدولة وبناء المستقبل. حظي هذا الخطاب الإلكتروني الموجه للشباب، بقبول لدى الفئة المحافظة والمتدينة، وبرفض وسخرية من قبل المعارضة، لذا فرضت الحكومة قيودًا على المؤثرين ومنصات التواصل للحد من دعوات الاحتجاج والخطاب المناهض لها. الإمارات ودول الخليج في مواجهة شبكات حزب الله وإيران العابرة للحدود
الشبكات العابرة للحدود
– الجمعيات: وظفت إيران الجمعيات الخيرية في نشر أفكارها ونفوذها واستقطاب أشخاص، واعتادت على تسميتها بأسماء أئمة وشخصيات دينية لدى المذهب الشيعي، وإسناد إدارتها لرجل دين يتمكن من جذب الجمهور. وتوسعت في هذه الاستراتيجية في الداخل منذ 1979، وفي العراق منذ 2003. يرتكز دور الجمعيات على تقديم المساعدات الإنسانية والإغاثية للفئات الفقيرة، وتمويل الحوزات العلمية والمساجد والمراكز الدينية، دعم تنظيم المؤتمرات والندوات والأنشطة الثقافية والدينية، ودعم نشر الكتب والمجلات الدينية بلغات مختلفة. تقدم الجمعيات منحًا دراسية، لاستقطاب الطلاب الأجانب للدراسة في إيران. توسعت هذه الأنشطة في محافظات الوسط والجنوب العراقي ذات الأغلبية الشيعية.
من أبرز الجمعيات الخيرية، لجنة “الإمام الخميني للإغاثة” التي تعد أكبر مؤسسة خيرية لمكافحة الفقر وتقديم الإعانات والقروض والمنح الدراسية داخل وخارج إيران. تمثل مؤسسة “المستضعفين” ثاني أكبر تكتل اقتصادي في إيران، لتمويل الأنشطة الخيرية والثقافية والدينية ذات الطابع الأيديولوجي. وترسخ مؤسسة “الشهيد وشؤون المضحين” لتقديم الرعاية لأسرى الجرحى والقتلى. تتولى جمعية “العتبة الرضوية” في مشهد، تمويل الحوزات بالداخل والخارج، ما يجعلها من أهم الجمعيات في نشر الفكر الشيعي. وتعد “15 خرداد” مؤسسة خيرية تنموية لتشارك في برامج الدعم المجتمعي ذات البعد الأيديولوجي. بينما تمول مؤسسة “هيئة تنفيذ أمر الإمام” الخاضعة لإشراف المرشد الأعلى، مشروعات دينية وخيرية.
– المؤتمرات: تمثل وسيلة لنشر “التشيع” ـ ولاية الفقيه وفقًا لرؤية النظام الإيراني، وإثبات حضوره الفكري والديني، عبر بناء شبكة علاقات مع علماء الدين والمؤسسات الإسلامية في آسيا وأفريقيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية، ووظفتها في دعم خطاب وكلاء إيران بالشرق الأوسط، لجذب نخب دينية وسياسية في المنطقة. من أشهر المؤتمرات، المؤتمر الدولي للوحدة الإسلامية، ويعد مؤتمر ديني تنظمه إيران منذ 1987، ويعقد سنويًا في طهران ويجمع علماء سنة وشيعة وشخصيات من دول مختلفة، لتعزيز خطاب الوحدة الإسلامية وفقًا للرؤية الإيرانية. تم إطلاق مؤتمر “الصحوة الإسلامية” بعد احتجاجات 2011 في الشرق الأوسط، وجمع قادة حركات إسلامية لمواجهة الغرب. بينما ينظم مجلس الشورى الإسلامي، مع مؤسسات رسمية أخرى، “المؤتمر الدولي لدعم الانتفاضة الفلسطينية”، لإبراز الموقف الإيراني من القضية الفلسطينية. يستقطب مؤتمر “الإمام الرضا الدولي” علماء وباحثين من دول متعددة، وينظم المجمع العالمي لأهل البيت، المؤتمر “الدولي لأهل البيت”، للتواصل مع المؤسسات والشخصيات الشيعية في العالم.
– المنح التعليمية: تعد إحدى أدوات القوة الناعمة الإيرانية، لاستقطاب الطلاب الأجانب، وتصدير صورة بأن إيران مركز عالمي للدراسات الشيعية والإسلامية، ومن بينها منح “جامعة المصطفى العالمية” كأكبر برنامج منح مخصص للطلاب الأجانب في العلوم الإسلامية والإنسانية واللغات. وتستقبل أكثر من (40) ألف طالب أجنبي، ويمثل طلابها (122) جنسية، وخرجت عشرات الآلاف من الطلاب. تقدم منح “الحوزات العلمية” في قم ومشهد لطلاب العلوم الشرعية، وتشمل الدراسة والإقامة والإعاشة، إضافة إلى منح منظمة الثقافة والعلاقات الإسلامية، لدراسة اللغة الفارسية والثقافة الإيرانية وبرامج التبادل الأكاديمي. تتضمن معظم المنح، الإعفاء الكامل أو الجزئي من الرسوم الدراسية، والسكن الجامعي مجانيًا أو مدعومًا، ومخصصات مالية شهرية، وتأمينًا صحيًا، وبرامج تخص اللغة والثقافة، وندوات دينية وفكرية. الميليشيات المسلحة،عوامل الظهور، المخاطر والمعالجات.ملف
تحديات الخطاب
– التحولات الديموغرافية: تشهد إيران تغيرات سكانية، تتمثل في تراجع معدلات الخصوبة وارتفاع معدلات الشيخوخة. ويشكل الشباب نسبة كبيرة من السكان، مع ارتفاع مستويات التعليم والانفتاح على العالم الرقمي، مما أدى لزيادة معدلات التحضر واتساع استخدام الإنترنت، واتساع دوائر الاهتمام بالقضايا الاقتصادية والاجتماعية مثل توافر فرص العمل والحريات.
– الإعلام الجديد: توسع استخدام منصات “تليغرام” و”إنستغرام” و”إكس” في إيران رغم القيود المفروضة عليها، لذا تصاعدت صناعة المحتوى ودور المؤثرين، مما قلل من تأثير الإعلام التقليدي مقابل الإعلام الرقمي، في ظل انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي في إنتاج وتداول المحتوى السياسي والإعلامي.
– المنافسة الفكرية: ظهرت خطابات أخرى منافسة للخطاب الإيراني، مثل الخطاب الوطني الذي يركز على الهوية الإيرانية بعيدًا عن الأيديولوجية الدينية. وتبنى التيار الإصلاحي خطابًا يدعو لانفتاح سياسي واجتماعي أكبر. ودخلت أفكار جديدة للمجتمع الإيراني عبر الانفتاح على ثقافات أخرى، ما أدى لظهور خطاب يجمع بين الدين والموضوعات المرتبطة بالعلوم والابتكار.
– اختلاف السياقات المحلية: تواجه محاولات إيران في نقل أفكارها تحديًا، لاختلاف المجتمعات بين أفريقيا وآسيا الوسطى وأمريكا اللاتينية، لاسيما وأن النخب الدينية والسياسية تختلف من دولة إلى أخرى، بجانب تباين القوانين المحلية المؤثرة على المؤسسات التعليمية والدينية.

سيناريوهات مستقبل الخطاب الأيديولوجي
– الاستمرار: يرتكز هذا السيناريو على بقاء الخطاب الأيديولوجي بصيغته الحالية، القائم على أن ولاية الفقيه أساس النظام السياسي. ويواصل النظام توظيف المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلام الرسمي في الترسيخ لهذا الخطاب.
– التكيف: يرتبط هذا السيناريو باحتفاظ إيران بالمرتكزات الرئيسية لولاية الفقيه، ولكن مع إعادة صياغتها وفقًا للمتغيرات السياسية والاجتماعية، بحيث يجمع الخطاب بين الهوية الدينية والهوية الوطنية، وإبراز الإنجازات العلمية والتنموية، وتوجيه هذا الخطاب إلى الشباب عبر منصات التواصل الاجتماعي.
– إعادة إنتاج الخطاب: يركز هذا السيناريو على تقديم خطاب أكثر براغماتية، بما يتماشى مع الأيديولوجية الإيرانية، والثوابت الأساسية في الخطاب، وقد يلجأ النظام لتوسيع مفهوم القوة الناعمة ليشمل نواحي أكثر توسعًا في التعليم والثقافة والاقتصاد.
– التحول الرقمي: يتمثل في انتقال الخطاب إلى الفضاء الرقمي الأكثر تطورًا، بتوظيف الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات في استهداف الجمهور الأصغر سنًا، والاعتماد على الفيديوهات القصيرة والمؤثرين في نشر الأفكار الأيديولوجية.
تقييم وقراءة مستقبلية
– ساهمت القوة الناعمة الإيرانية المتمثلة في المؤسسات الدينية والثقافية والتعليمية، في الترويج لأفكار النظام الإيراني وأيديولوجية ولاية الفقيه على مدار نحو (4) عقود، ومن المحتمل أن تتوسع إيران في استخدام هذه الأدوات في التوقيت الراهن، في ظل الحرب القائمة والتوترات مع الولايات المتحدة وإسرائيل، لعرض الرواية الإيرانية المتعلقة بالداخل الإيراني وتماسكه أمام السردية الغربية، التي تروج إلى انقسامات كبيرة بين التيارين الإصلاحي والمتشدد حول المفاوضات ومآلات الحرب.
– من المتوقع أن تتوسع إيران في توظيف مواقع التواصل الاجتماعي، لصالح نشر أفكارها المتعلقة بولاية الفقيه والأمور الدينية من ناحية، وتعبئة الرأي العام الإيراني لصالح الدولة وضد الولايات المتحدة وإسرائيل من ناحية أخرى، تحسبًا لأي تصعيد محتمل قد يطرأ في الحرب الحالية.
– من المرجح أن يتراجع تمويل الجمعيات والمؤسسات الدينية والتعليمية داخل وخارج إيران، جراء التداعيات الاقتصادية للحرب الحالية وحرب الـ (12) يومًا مع إسرائيل في يونيو 2025، وفرض العقوبات الغربية على مؤسسات إيرانية، ما قد يؤدي إلى تراجع تأثير هذه القوة الناعمة الإيرانية لاسيما بالخارج.
– تفرض المتغيرات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية واقعًا جديدًا على إيران، ما قد يدفعها لتطوير الخطاب السياسي والديني وفقًا للمستجدات، والجمع بين أدوات القوة الناعمة التقليدية التي تستخدمها منذ 1979 بالداخل والخارج، والمرتبطة بالمؤسسات التعليمية والدينية والثقافية، وأدوات القوة الناعمة المتطورة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي والخطاب المناسب للشباب.
– تظل الجمعيات الخيرية من أهم أدوات إيران، في جذب وإقناع الناس بالداخل والخارج بأيديولوجية النظام الإيراني الحالي، نظرًا لأنها تستهدف الطبقات الاجتماعية ذات المستوى المنخفض، وتعتمد على تقديم المساعدات والإغاثة في الأزمات، لاسيما في الدول التي يتوسع فيها نفوذ إيران مثل لبنان والعراق.
– قد تتصاعد التحديات الاجتماعية والاقتصادية الراهنة أمام الخطاب السياسي والديني الإيراني المرحلة المقبلة، في ظل الحرب وغياب المرشد الحالي مجتبى خامنئي عن الظهور، إضافة إلى ظهور تيارات جديدة تتبني خطابًا إصلاحيًا يتعارض مع خطاب ولاية الفقيه، ما قد يجعل المرحلة الحالية اختبارًا حقيقيًا أمام النظام السياسي الإيراني.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=122504
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ECCI
الهوامش
Iran’s soft power in the Middle East via the promotion of the Persian language
Iran expands restrictions on distribution of news content by international media outlets
مجتبى خامنئي.. ما هو مجلس الخبراء الذي اختار مرشد إيران الجديد؟
After Khamenei: Planning for Iran’s Leadership Transition
What Kind of Future for Iran?

