الإستخباراتدراسات

أجهزة الإستخبارات : آلية تعقب الجواسيس المزدوجين وتنفيذ عمليات الإغتيالات، روسيا نموذجا. بقلم جاسم محمد

إعداد : جاسم محمد ،باحث في قضايا الإرهاب والإستخبارات

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا وهولندا

عمليات الإغتيالات ضمن حرب الجواسيس، او الجوسسة بين الحكومات والدول، تأتي ضمن سياسة “الحكومة الخفية” بعيدا عن مسار الدبلوماسية. فما تعجز عنه الدبلوماسية تنفذه “الحكومة الخفية” اجهزة الاستخبارات. وهذا مايطرح سؤالا حول مدى شرعية تنفيذ عمليات الإغتيالات ضد عملاء سابقين.

فهل يحق للدولة “شرعنة” عملية الاغتيالات” لعملاء سابقين أضروا بأمنها القومي ؟

في مجال الإستخبارات تعتبر عمليات تعقب عملاء سابقين، ةتنفيذ عمليات اغتيالات، امرا واردا ، وربما تعتبره الدولة المنفذة “عمل شرعي” ورسالة ضد من يحاول الحاق الضرر مستقبلا بأمنها القومي. وهنا نتحدث عن عمليات اغتيالات لعملاء سابقين، ولا نتحدث عن اغتيالات نفذت ضد جماعات معارضة او زعامات سياسية.

أصيب الجاسوس البريطاني السابق سيرغي سكريبال البالغ من العمر 66 عاما وابنته يوليا، 33 عاما بالإغماء، بعد تعرضهما لمادة مشبوهة ونقلا إلى أحد المستشفيات يوم 5 مارس 2018 تم نقلهما الى العناية المركزة في مستشفى مدينة ساليسبري وتسعى الشرطة البريطانية إلى معرفة طبيعة المادة المجهولة التي تعرض لها الشخصان. وسكريبال هو عقيد سابق في المخابرات العسكرية الروسية جندته المخابرات البريطاني. MI6 وكان قد حكم عليه بالسجن في بلاده لمدة 13 سنة بعد انكشاف أمره وإلقاء القبض عليه عام 2006. وتنفي روسيا وجود أي علاقة لها بتسميم العقيد السابق في المخابرات العسكرية الروسية سيرغي سكريبال.

تقوم سياسة روسيا ـ الرئيس بوتن في حروب التجسس على قاعدة عدم تعقب العملاء الذين حصلوا على عفو رئاسي وتمت مبادلتهم مع عملاء آخرين، إذا ما اختاروا العيش على أراضي دولة معادية أو الانتقال إلى دولة محايدة. وتهدف هذه القاعدة إلى التحكم في سير عمليات الاغتيال وعدم تركها للفوضى، كما تطمح أيضا لمنح الثقة للعملاء بالعمل في بيئة يعلمون أنهم يتمتعون فيها بقدر من حماية الأجهزة التي يعملون لصالحها.

تأريخ روسيا مع حرب الجواسيس انها تستهدف رجال الاعمال وعملاء مخابرات سابقين،”مرتدين” او مزدوجين عملوا الى اجهزة إستخبارات خارجية. الإستخبارات البريطانية هي الاخرى تنفذ عمليات ضد روسيا بطريقتها الخاصة ضمن حرب الجواسيس، بين البلدين، الاستخبارات البريطانية، لديها انشطة واسعة ودقيقة ضد روسيا منذ منتصف الاربعينيات من القرن الماضي، ولحد الان.

ذراع الإستخبارات البريطانية امتد الى داخل الاستخبارات الروسية Federal Security Service of The Russian Federation ” FSB” وسابقتها ال “KGB ” في حقبة الاتحاد السوفيتي السابق، لكن يبقى ذراع روسيا هو الاعلى في تاريخ هذه العلاقة. بوتن ذي الخلفية الإستخبارية، لم يتردد بأستثمار تجربته وتاريخه.

قواعد لعبة الجواسيس

المشهد وقواعد لعبة الجواسيس مابين روسيا وبريطانيا وحتى اميركاعلى سبيل المثال، اختلفت كثيرا في عهد بوتن، وشهدت تصاعدا في العمليات الاستخبارية، ومنها تنفيذ عمليا الاغتيال ضد عملاء روس سابقين.

إن تنفيذ أي عملية لإغتيال، تحتاج الى الكثير من الجهود والتنسيق والعمل، على مستوى عملياتي وعلى مستوى القرار السياسي.

الموقف العملياتي:

تحتاج اجهزة الإستخبارات الشبكة عمل واسعة، يكون اعضائها ذي خبرة طويلة في عالم الإستخبارات وهذه الشبكة تضم : الموظف المسؤول Desk Officerعلى ملف الدولة التي يتواجد فيها الهدف، ويتطلب من موظف او “ضابط القضية” او النتابعة، جمع المعلومات حول الهدف : العلاقات الشخصية، دائرة ومحيط علاقاته العائلية ، الاماكن التي يتردد عليها، هوايات العميل المستهدف، تفاصيل وضعه وحالته الصحية، وتمتد القائمة الى اتصالاته وساعات نومه وتفاصيل حياته اليومية، هي قاعدة معلومات تعتبر ابجدية العمل الاستخباري للمعنين في الإستخبارات.

لا ينتهي دور ضابط القضية عند هذا الحد، بالتأكيد يستمر دوره الى تنفيذ عملية الإغتيال، لكن دوره في ادارة العملية سيكون ثانويا.
في سياق عمل اجهزة الإستخبارات ينتقل الملف الى مديرية او قسم اخر، المعني بالاغتيالات، لا دخل لضابط القضيه فيه، هناك يتم وضع خطة الاغتيال بتفاصيلها ، ويتم رفعها الى سلسلة المراجع العليا في جهاز الاستخبارات.

السؤال: هل تنفيذ عملية الاغتيالات تكون من صلاحية رئيس جهاز الاستخبارات ام صناع القرار ؟

بألتأكيد لا يكون قرار الاغتيال من صلاحية رئيس الاستخبارات، وهذا يعني ان ملف عملية الاغتيال تصعد الى كبار صانعي القرار لتصل في الغالب الى رئيس الحكومة او النظام.

من المسؤول على تنفيذ عملية الاغتيال ومن يضع الخطة ؟

يتم وضع الخطة بالتأكيد من قبل قسم العمليات الخاصة “الاغتيالات” وهي تكون في غاية السرية، ووضع الخطة في الغالب لايكن من قبل قسم واحد او مديرية، بقدر مايشترك فيها فريق عمل يضم جميع العناصر، المعنية بالمعلومات وبفريق تنفيذ الاغتيال الفني.

الموقف السياسي :

الحكومات تضع في الغالب دراسة لمعرفة النتائج من تنفيذ أي عملية اغتيال، وهل ستعود عليها بالفائدة ؟ وهل ستكون تداعياتها السلبية في العلاقة مابين الحكومات اكبر من التخلص من عميل سابق ؟ إستخباريا، لاتوجد عملية اغتيالات بدون خسائر، اخطر هذه الخسائر، هي احتمالات الخطأ بتنفيذ عمليات الاغتيالات، والكشف عن منفذي العملية، وهذا يعني تأزم في العلاقات مابين الدولة المنفذة والدولة الهدف.

وحتى في حالة عدم حدوث الخطأ، فأن توقيت تنفيذ عمليات الإغتيالات، ربما يساعد توجيه اصابع الاتهام الى دولة بعينها. وفي العودة الى الاتهامات البريطانية الى روسيا في حادثة محاولة اغتيال العميل سيرغي سكريبال، تأريخ العلاقة مابين البلدين في حرب الجواسيس، تدفع باصابع الاتهام ان توجه ضد روسيا.

هل تتأثر العلاقات السياسية نتيجة عمليات الاغتيالات ؟

في نموذج العلاقة بين روسيا وبريطانيا، على سبيل المثال في حرب الجواسيس والحرب الباردة، ان كلاهما تأقلما مع هكذا عمليات، يذكر ان قضية العميل البريطاني كيم فيللي Kim Philby الذي عمل لصالح روسيا، وكان معنيا في الملف الروسي داخل جهاز الاستخبارات البريطانية، ربما كانت هي الاكثر خطورة في تاريخ الجاسوسة.

ويعتبر Kim Philby، “فيللي” أشهر جواسيس القرن العشرين، وكان مسئولا كبيرا في جهاز المخابرات البريطاني عن مكافحة نشاط المخابرات السوڤييتية KGB، لكن السوڤييت جندوه لحسابهم، رغم أنه كان مرشحا لتولي إدارة المخابرات البريطانية. وحين انكشف أمر جاسوسيته للسوڤيت عام 1963، كانت فضيحة مدوية في بريطانيا والغرب وهرب إلى روسيا وأمضى بها بقية حياته، توفي نهاية عقد الثمانينات من القرن الماضي.

وتبقى ايضا، قضية الجاسوس البريطاني جورج بليك George Blake : الذي كان يعمل دبلوماسياً إنكليزياً وعميلاً للمخابرات الإنكليزية في ألمانيا أثناء الحرب العالمية الثانية، وفي نفس الوقت كان شيوعياً يتجسس لحساب روسيا، وفي النهاية تم القبض عليه من قبل المخابرات البريطانية عام 1961وصدر الحكم عليه بالسجن لمدة 42 عاماً ولكنه هرب من السجن بمعاونة صديق قديم له بالجيش الجمهوري الأيرلندي واتجه إلى روسيا وعاش هناك.

الاهم ماتعتمد روسيا في مبدأ الاغتيالات هو : تعقب العملاء الروس اينما كانوا، حتى بعد العفو عنهم.

هذه القاعدة ممكن ان تنطبق على مبدأ حرب الجواسيس، وتكشف حرص موسكو على طمأنة عملائها بانهم يحظون بالحماية، وانها قادرة على استردادهم، حتى بعد القاء القبض عليهم، وهذا مانجحت به موسكو من توفير الحماية لهم داخل روسيا، على عكس بريطانيا، التي فشلت كثيرا بتأمين حماية العملاء داخل اراضيها.

ماهي الخيارات المتروكة للاستخبارات البريطانية MI6 تحديدا في قضية سكريبال ؟

لاتوجد خيارات امام بريطانيا الا بالقيام بعمليات مماثلة داخل روسيا لعملاء بريطانيين سابقيين، وهذا ربما احتمال ضعيف، بسبب انشغال بريطانيا في ملف “البريكست” وخروجها من الاتحاد الأوروبي.

وهناك احتمالات تشديد اجراءات حصول روس على تأشيرات او قبول اعتماد اوراق دبلوماسيين جدد لدى العاصمة البريطانية لندن. الاحتمال الاكثر ترجيحا لدى الحكومات ان تقلص عدد العاملين في بعثة الدولة المنفذة لعملية الاغتيال، وهذا مرجحا امام الخاارجية البريطانية بتقليص عدد العاملين في البعثة الروسية.

اما على صعيد امكانية فرض عقوبات سياسية او اقتصادية تنفذها بريطانيا ضد موسكو، ايضا ضعيفة بعد خروجها من الاتحاد الاوروبي. وماعدا ذلك فأن بريطانيا تحتاج روسيا بالتعاون في ملف سوريا وافغانستان والبلقان، وهذا يعني ان الرد البريطاني ضد روسيا في اعقاب محاولة اغتيال الجنرال سكريبال، سيكون ضعيف، الى جانب عدم وجود شواهد وادلة بتنفيذ العملية، وهذا يعني ان روسيا قد نجحت بالفعل ” بحرب الجواسيس” ضد بريطانيا والغرب، وهي تعيد مشهد الحرب الباردة من جديد على السطح.

رابط مختصر…. https://wp.me/p8HDP0-btS

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات

الباحث جاسم محمد

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق