ولاية سيناء …داعش والتهديد للأمن القومي المصري. بقلم الدكتور عماد علو

ولاية سيناء …داعش والتهديد للأمن القومي المصري. بقلم الدكتور عماد علو

اعداد اللواء البحري الركن المتقاعد ،الدكتور عماد علو

مستشار المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

اجتاحت مصر في أعقاب ثورة 25 يناير موجة من العمليات الإرهابية على يد التنظيمات الجهادية في سيناء و خاصة  تنظيم “داعش” الارهابي ، الذي اعلن تشكيل (ولاية سيناء)، ومبايعة زعيم تنظيم داعش الارهابي (ابو بكر البغدادي). وعلى الرغم من توجيه القوات الأمنية المصرية ضربات موجعة لهذا التنظيم الإرهابي، الا أن هذا التنظيم عاد مرة أخرى أكثر قوةً ونشاطاً.

وقام بعمليات عنف كبيرة ومتنوعة على نحو يفرض واقعاً جديداً لم يكن مألوفاً من قبل في شبه جزيرة سيناء . ويبدو أن تنظيم داعش الارهابي في سيناء قد استفاد بشكل كبير من البيئة المجتمعية الحاضنة والتي تنشط فيها عدة تنظيمات سلفية جهادية وتكفيرية اخرى ! سنحاول في هذه المقالة القاء الضوء على طبيعة الحواضن المجتمعية في سيناء والتي ساعدت على ظهور واستفحال الارهاب في شبه جزيرة سيناء .

التكوين الاجتماعي والقبلي في سيناء

سيناء شبه جزيرة صحراوية مثلثة الشكل تقع في الجزء الشمال الشرقي من جمهورية مصر العربية، تبلغ مساحتها حوالي 60088 كيلو متر مربع، وهي تمثل نسبة 6% من مساحة مصر الإجمالية، يحدها شمالاً البحر الأبيض المتوسط وغربا خليج السويس وقناة السويس، وشرقاً قطاع غزة، فلسطين المحتلة ، وخليج العقبة، وجنوباً البحر الأحمر.

ولذلك تتمتع سيناء بموقع استراتيجي مهم ، حيث تعتبر حلقة الوصل بين قارتي أفريقيا وآسيا. و يبلغ عدد سكان شبه جزيرة سيناء ما يقارب مليون وأربعمائة ألف نسمة حسب إحصائيات عام 2013. . يتسم الطابع الاجتماعي في سيناء بالعلاقات القبلية ، حيث يمكن تقسيم  قبائل سيناء إلى ثلاثة أقسام رئيسية هي:

  1. قبائل شمال سيناء ويطلق عليهم قبائل بلاد العريش، وهم قبيلة السواركة وقبيلة المساعيد وقبيلة الرميلات وقبيلة البياضية.
  2. قبائل وسط سيناء وهم قبيلة التياها وقبيلة الترابين وقبيلة الاحيوات وقبيلة الحويطات.
  3. قبائل جنوب سيناء وأهمهم قبائل الحماضة والتمنة والبراثين والمواطرة.

شكلت العلاقات المتوترة بين السلطات المصرية المتعاقبة وسكان شبه جزيرة سيناء طيلة عقود من الزمان بيئة مجتمعية ملائمة لانتشار الجريمة المنظمة أولا” ونشاط التنظيمات الجهادية الارهابية ثانيا” .

فكانت سيناء منطلقا” لعصابات التهريب والجريمة المنظمة ونشاط  أجهزة الاستخبارات الاسرائيلية (الموساد والشاباك)، نتيجة الطابع القبلي، وضعف التواجد الأمني، مما عمق من حالة عدم الثقة  بين المواطنين المصريين البدو في سيناء من ناحية والدولة من ناحية أخرى لاعتقادهم بأن العمليات العسكرية موجهة لهم وليس ضد المتطرفين الارهابيين. كل ذلك ساعد على نشوء وظهور عدد من التنظيمات السلفية الجهادية  الارهابية في سيناء .

 أهم التنظيمات السلفية الجهادية في سيناء   

ظهرت في سيناء عدد من التنظيمات السلفية الجهادية التكفيرية وقامت بعدة عمليات ارهابية في سيناء وخارجها وكان من ابرز هذه التنظيمات ما يلي :-

  1. تنظيم التوحيد والجهاد: وهو تنظيم جهادي متطرف شديد العنف، يقترب إلى الفكر التكفيري أكثر من اقترابه من الفكر السلفي الذي تعتنقه معظم التيارات الجهادية الموجودة على الساحة، وهذا التنظيم هو الذي قام بتفجيرات طابا وشرم الشيخ في 2004 و2006، وينتمي كل أفراد هذا التنظيم تقريباً إلى أبناء سيناء، ويرتبط ارتباطاً وثيقاً بعدد من الفصائل الفلسطينية، وقد انحسر هذا التنظيم بسبب الضربات الأمنية التي وجهت له.
  2. تنظيم أنصار بيت المقدس: وهو تنظيم جهادي كان يعلن في الماضي أنه يسعى في المقام الأول إلى تهديد الكيان الصهيوني، ولكنه غيّر وجهته لاحقا”، وأصبح يوجه عملياته إلى الداخل المصري، ويشن هجماته ضد قوات الجيش والشرطة المصرية، ويتكون هذا التنظيم من مصريين وفلسطينيين وأجانب، وأغلب مقاتلي هذا التنظيم من الأجانب، وهم غالباً ينتمون بشكل كبير إلى الفكر السلفي الجهادي التكفيري ، لذلك قام بمبايعة ابو بكر البغدادي معلنا” انضمامه الى تنظيم داعش الارهابي تحت مسمى ( ولاية سيناء)، ولهذا التنظيم قدرة على القيام بعمليات نوعية.
  3. تنظيم اجناد مصر : هي جماعة ظهرت في يناير 2014، ومنذ ذلك الحين عرفت بإسم المجموعة الرئيسية المسؤولة عن الهجمات التي وقعت في مدينة القاهرة، وتعمل اجناد مصر في إطار حملة معلنة تستهدف الحكومة المصرية وقوات الأمن التابعة لها. وعلى عكس أنصار بيت المقدس (التي أعلنت في النهاية الولاء للدولة الإسلامية بأنها “مقاطعة ولاية سيناء”)، فإن الأدلة لا تشير إلى ميل اجناد مصر نحو الانضمام الي تنظيم الدولة الإسلامية داعش.
  4. تنظيم أنصار الجهاد: هو أحد نماذج تنظيم “القاعدة” المنتشرة في العالم، وقد ظهر التنظيم على السطح عقب الثورة المصرية وما تبعها من تدهور أمني، ويتكون التنظيم في معظمه من المصريين من أبناء سيناء وغيرهم من المحافظات المصرية إضافة إلى وجود بعض العناصر السابقة من تنظيم الجهاد الذين خرجوا من السجون في أحداث يناير مع التنظيم، ويسعى التنظيم إلى إقامة إمارة إسلامية في سيناء.
  5. تنظيم جيش الإسلام: يعد أحد أبرز التنظيمات الجهادية بغزة وقد كان مقرباً من حماس، لكنه تحول إلى ألد أعداء حماس، وشنت الحركة هجوماً عليه أدي إلى مقتل كثير من عناصره بعد سيطرتها على غزة، وقد أسس هذا التنظيم ممتاز دغمش، وقد لعب جيش الإسلام الدور الأكبر في نشر الفكر السلفي الجهادي في سيناء، ورغم ما ينشر عن وجود خلافات عميقة وعداء قوى بين تنظيم جيش الإسلام وحركة حماس، إلا أنه في الحقيقة يعتبر حليف قوي لحركة حماس ويتلقى منها دعماً كبيراً. الا أن نشاط تنظيم “جيش الإسلام” قد تراجع بشكل كبير من سيناء، بعد هدم أكثر من 85% من الأنفاق التي كانت تربط قطاع غزة بسيناء ، من قبل الجيش المصري في سيناء.
  6. الرايات السوداء : هي جماعة تبنت أفكارا قائمة على تكفير الحاكم الذي لا يطبق شرع الله، ونشطت هذه الجماعات في عقد التسعينيات وتتشابه أفكار الجماعات التكفيرية المختلفة، ويطلق عليها اسم “التكفير والهجرة”. وتنتشر هذه الجماعات بالمنطقة الحدودية ووسط سيناء، بل في بعض المناطق بمدينة العريش، وتقوم أفكارها على “تكفير جنود وضباط الشرطة والجيش بشكل واضح، باعتبارهم جنود المرتدين، وأدواته لتوطيد حكمه المخالف للدين والشريعة”، وانضمت إلى التنظيم الأم انصار بيت المقدس.

وهناك عدد من التنظيمات الارهابية الصغيرة الاخرى في سيناء من أهمها  ( تنظيم الفرقان ، جيش الجلجلة ، شباب الأرض ، جماعة الناجون من النار).

البيعة والاندماج بتنظيم داعش الارهابي

تراجع دور بعض التنظيمات الجهادية في سيناء والتي كانت تتمتع بشهرة وتواجد قوى في الماضي، حيث يبدو أن هذه التنظيمات اندمجت مع تنظيم أنصار بيت المقدس، أو على الأقل بدأت تعمل تحت لوائه على الأقل. لذلك يمكننا القول أن اندماج أنصار بيت المقدس مع تنظيم داعش الارهابي هو نموذج عملي في كيفية تفاعل تنظيم داعش مع الجماعات الجهادية المحلية في البلدان أخرى، ومثل الشركات الدولية، كان تنظيم داعش يوفر الموارد ويحصل على قيمة ترويجية في المقابل.

لقد استفادت جماعة أنصار بيت المقدس، وهي جماعة مكّونة من 1000-2،000 مقاتل فقط، من اندماجها بتنظيم داعش الارهابي لجهة كسب المزيد من المتعاطفين والانصار الى صفوفها فضلا” عن تأمين الحواضن والمضافات لعناصرها في سيناء .

ولابد من الاشارة ايضا” أن مبايعة تنظيم بيت المقدس لزعيم داعش ابو بكر البغدادي سهل له إقامة شبكة علاقات مع عدد من التنظيمات السلفية الجهادية في المنطقة، مثل تنظيم “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” والتنظيمات الجهادية في سوريا والعراق، وكذلك مع الجماعة الإسلامية في ليبيا وخاصة في مناطق الحدود، مما جعل مصر محاصرة بالتنظيمات الجهادية من الشرق والغرب، وهو ما مثَل خطراً حقيقاً على الأمن القومي المصري.

استراتيجية تنظيم داعش في سيناء

منذ بزوغ تنظيم داعش في ساحة الاقتتال المسلح بالشرق الأوسط قبل ثلاثة أعوام، اعتمد التنظيم الإرهابي على شعار “التمدد والبقاء”، و وجد تنظيم داعش الارهابي من خلال تمركزه في سيناء أهم ركائز تمدده وبقاءه، من خلال إنتاج أنماط جديدة من الضغوط على الدولة المصرية، باستهداف الطوائف والأقليات الدينية ، وانتهاج العنف المسلح، والإرهاب الطائفي ، بهدف ادخال المجتمع المصري في حلقة مفرغة من العنف الطائفي .

ان تصاعد العمليات الارهابية  في سيناء من الناحية النوعية  تطرح دلالات عدة منها أن تنظيم داعش الارهابي في سيناء لديه الإمكانية للتحرك على جبهات مختلفة كتنظيم قوى وقواعد منتسبيه ومواليه مدربة بدرجة عالية، ولديه جهاز معلوماته الخاص، كما أن تمويله لعمليات كبيرة و بنوعيه الأسلحة المستخدمة فيها ، مؤشر آخر على أن الجهاز المالي لهذا التنظيم ضخم.

ربما كان أحد روافده عملية بيع النفط من المناطق التي كان يسيطر عليها في العراق وسوريا . ومن الجدير بالذكر ان الطبيعة الجغرافية والاجتماعية في سيناء  كمنقطة “بدو” تتراجع فيها ثقافة استيعاب فكرة “الدولة”، فضلا” عن حصاد السياسيات الأمنية من عهد مبارك، وحسابات التحولات الجديدة التي واكبت سقوطه، من استفحال ظاهرة التكفير المقترنة بتنامي “السلفية الجهادية”، وانتعاشها في ظل حكم “الإخوان المسلمين” وتكوينها شبكة تحالفات ضمت عديد من التيارات الأصولية والسلفية الجهادية ، تشكلت حاضنة مثالية لأفكار التطرف، راجت معها تجارة السوق السوداء التي يحكمها طبقة من مشايخ القبائل الجدد أثرياء الأنفاق وأثرياء التهريب وأثرياء الجهاد، وهي فئات بعضها ينمو طبيعيا على حدود الدول، إلا أن غياب الضوابط والنظام في سيناء وعلى الجانب الآخر الفلسطيني غذّى هذه الأنماط بشكل كبير .

 ولاية سيناء وتهديد الامن القومي المصري

شهدت سيناء عمليات كبيرة للجيش المصري ضد تنظيم داعش الارهابي تمحورت عملياتيًا حول شلّ قدرات التنظيم على إطلاق العمليات الارهابية المنسقة واسعة النطاق ، بالاعتماد على تكثيف طلعات الطائرات بدون طيار لمهام الاستطلاع والقصف الدقيق، واستخدام قوات تدخل سريع مرنة وسريعة الحركة ، وأحكم الجيش المصري سيطرته بالكمائن الثابتة على الطرق الحاكمة، ما قطع خطوط الإمداد والتموين للعناصر الإرهابية بين ثلاث نقاط (رفح – العريش – الشيخ زويد).

فكانت المحصلة، معايشة الإرهابيين لوضع بائس، أفقدهم المبادرة . ولذلك انخفضت وتيرة العمليات الإرهابية في سيناء، ولجأ التنظيم للعبوات الناسفة وعمليات القنص، في البؤر الإرهابية جنوب غرب الشيخ زويد في جيوب عسكرية ضيقة. ولكن بعد الهزائم الكبير لتنظيم داعش الارهابي في الساحات العراقية والسورية فان من المتوقع ان اعداد كبيرة من عناصر داعش سيشدون الرحال الى الولايات الداعشية المتبقية ومنها ولاية سيناء ، الأمر الذي سيشكل تهديدا” كبيرا” للأمن القومي المصري من جهة ويعكس حقيقة الترابط الوثيق بين الأمن القومي المصري والأمن الإقليمي .

ان استمرار النشاط الارهابي لتنظيم داعش في سيناء قد يهدد أمن واستقرار بل وبقاء الدولة المصرية بأكملها ، الأمر الذي يقتضي اعادة النظر بأساليب واستراتيجيات التعاطي مع الاوضاع الأمنية في سيناء ومعالجة السلبيات والاخفاقات على كل مستوياتها الثقافية والاقتصادية والمجتمعية والصحية والتعليمية .. إلخ. وضرورة اجتثاث الفكر الإرهابي ليس في سيناء فقط وانما في عموم الساحة المصرية .

*حقوق النشر محفوظة الى المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

اللواء البحري الركن المتقاعد ،الدكتور عماد علو

اخر المقالات