هل يمكن #للمتشدد أن يصبح #وسطيا؟

هل يمكن #للمتشدد  أن يصبح #وسطيا؟

هل يمكن للمتشدد السابق أن يصبح معتدلاً؟

تقابلتُ مع ماجد نواز بعد ظهيرة أحد الأيام الممطرة في شهر مارس (آذار)، حيث كان يجلس في زاوية أحد المطاعم المعروفة في وسط لندن، ذلك المكان الذي يستخدمه كمكتب إعلامي خاص به. كان يغمس قطعة صغيرة من الدجاج في صلصة المسطردة الصفراء التي أمامه، ثم توقف عن ذلك لبرهة من الوقت إذ كان يُحمّل مقطع فيديو على هاتفه الخاص الموضوع على الطاولة. وكان الفيديو يُظهر هايدي بيربتش وهي تتحدث في جامعة ديوك عنه شخصياً، حيث قالت: «دعوني أقدِّم لكم مثالاً بماجد نواز – ومشكلتنا معه تتلخص في اعتقاده أنه يجب وضع كل المساجد تحت المراقبة. وبعبارة أخرى، أن رأيه يدور حول أن كل المسلمين هم إرهابيون محتملون».

أصبح ماجد نواز، وهو مسلم، يشعر بإحباط شديد من هذه الادعاءات. وفي واقع الأمر فإنه في طريقه لرفع دعوى ضد المراقبة الأمنية الجماعية.صنع نواز، المتطرف الإسلاموي السابق، خلال السنوات التسع الماضية، اسما لنفسه باعتباره ناشطا ومناهضا لا يعرف الكلل ضد التطرف والمتطرفين. وفي هذه الأيام، أصبح يمتزج بسلاسة كبيرة وسط تلك الدوائر العالمية التي يهاجمها المتطرفون، في ناديه الخاص، حيث يرتدي سترة من اللون الأخضر الزيتوني، حتى إنه يمكنك أن تظنه أحد كبار مديري التسويق التنفيذيين أو مخرجاً للأفلام الموسيقية الشهيرة. يبلغ نواز من العمر 39 عاما، وهو رجل وسيم، يحمل وجهه قدرا من الغموض، وشعره يميل إلى اللون الرمادي اللامع، مع شخصية قوية وابتسامة ترتسم على وجه كثير من السياسيين. وفي كل مرة أتقابل معه، كان يقابلني بعناق أخوي حار، ولكل من هم في مثل سنه يبدو وكأنه مراهق من سن متأخرة غارق في أخلاق الهيب – هوب.

وبالنسبة لمنتقدي نواز، وهناك كثيرون منهم، فإنها تلك الصفة المتلونة، التي تمكن صاحبها من تقلُّد مختلف الأدوار وشغل مختلف المساحات، تلك التي أُلحِقَت بسمعته كنوع من الدجالين، حيث يتأنق كشخصية نفعية تستغل وتستفيد من المصاعب الشديدة عن طريق التحيز المجتمعي العميق المناهض للمسلمين. وهذا السرد غير المتساهل قد ألحقه بالظل منذ البداية، وعلى الرغم من ذلك فإن رؤيته ووجهة نظرة الشخصية لم تزدد أهمية إلا في أعقاب الأحداث العنيفة لعام 2016، الذي شهد تفجيرات انتحارية منسقة في كل من بروكسل وإسطنبول، وحادثة إطلاق النار الجماعية في سان برناردينو وأورلاندو، وكمين إطلاق النار على ضابط الشرطة وشريكه بالقرب من باريس، ومذبحة يوم الباستيل في مدينة نيس، والهجمات الانتحارية في بافاريا، وحادثة مقتل الأب الكاثوليكي في كنيسة نورماندي، وقنابل أوعية الطهي في مانهاتن ونيوجيرسي، ومذبحة أعياد الميلاد في برلين. وفي 22 مارس من العام الحالي في لندن، دهس رَجُلٌ المارَّة بسيارته بالقرب من مبنى البرلمان البريطاني، قبل أن يتوقف ويطعن أحد رجال الشرطة غير المسلحين حتى الموت.

ومع كل هجوم جديد وكبير، الذي يحمل شبح سوريا وتنظيم داعش يحوم في الأفق، لا تجد أصوات الكراهية وردود الفعل العنيفة في الولايات المتحدة الأميركية وفي جميع أنحاء بريطانيا وأوروبا آذاناً متعاطفة فحسب، ولكن الأيادي المستعدة أيضاً لفعل المزيد داخل أكشاك التصويت الانتخابية.وطوال فترات الاضطراب والاستجابات العنيفة، حافظ نواز على حضوره الدائم في مختلف وسائل الإعلام: في برنامج «الوقت الحقيقي مع بيل ماهر»، محاولاً التمييز بين الدين والمبادئ السياسية، وفي كتابه الذي يحمل عنوان «الإسلام ومستقبل التسامح» (الذي ألَّفَه بمشاركة بارزة من الملحد الجديد المعروف سام هاريس)، حيث يصر على أن التطرف الإسلاموي له علاقة بالدين الإسلامي، وأن تنظيم داعش في حقيقة الأمر يحمل تفسيراً معقولاً، وإن كان غير مهذب بصورة كبيرة، للقرآن. ولكن بصرف النظر عن الدور الذي يلعبه نواز كشخصية عامة مثقفة فهو لا يمكن فصله أبداً عن واقعه الذاتي كأصولي ومتطرف سابق. فإن عمله يعكس قصته، وقصته تدور حول شهرته. وفي محاولته لعرض قضيته ضد التطرف، فهو يجد نفسه في موقف لا يحسد تماماً من الترويج الذاتي الذي لا ينتهي.

وعلى هذه الجبهة، فهو منشغل تماماً حتى أذنيه. فهو يعمل على الانتهاء من فيلم وثائقي يستند إلى كتابه مع سام هاريس، ولكن الشغل الشاغل لنواز في هذه الأيام من عام 2017 هو افتتاح الفرع الجديد من مؤسسته المناهضة للتطرف، مؤسسة كويليام، في الولايات المتحدة الأميركية. وهو يقول عن ذلك: «إن كثيراً من المسلمين في الولايات المتحدة هم من الليبراليين في الأساس، ولكن إن لم يكن لديك وجود حقيقي مناهض للتطرف، فإن المؤيدين لترمب في هذا العالم سوف ينتصرون، من خلال اللعب الماهر بالخوف والتضليل المستمر للحقائق. وإن وجودنا ضروري في الولايات المتحدة للتأكيد على ذلك التيار الرئيسي، في حين أن وجودنا لا يزال ضروريا في أوروبا لمجابهة التطرف».

وعلى الرغم من هذه التأكيدات والمؤهلات، فإن هناك نوعاً من الارتباك القائم حول موضع تعاطف نواز في الواقع. وفقاً لشبكة «فايس نيوز» الإخبارية، لقد حصل على تصنيف «الإرهاب» على قاعدة بيانات «تومسون رويترز» العالمية للتحقق من المخاطر. (ولم تؤكد «تومسون رويترز» ذلك). ولكن، في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، فإن مركز ساوثرن بافرتي القانوني اتخذ خطوة استثنائية لضم نواز إلى «الدليل الميداني للمتعصبين المناهضين للمسلمين»، الذي يقومون بنشره بالتعاون مع ثلاثة مراكز بحثية أخرى. وهذا الدليل يدرج 15 اسما لـ15 شخصية عامة، وكان نواز هو المسلم الوحيد بينهم (وهذا هو السبب في ذكر السيدة هايدي بيربتش لاسمه في خطابها أمام جامعة ديوك). ولقد كان غاضباً بشكل واضح كلما يُثار هذا الموضوع، وأخبرني أنه يخطط للحصول على تمويل جماعي لرفع دعوى قضائية مضادة.

وعلى الرغم من أنه هو وحلفاؤه، وحتى بعض من خصومه، قد تقدموا بشكوى إلى مركز ساوثرن بافرتي القانوني – وهناك التماس مقدم إلى موقع «change.org» لإزالة اسمه و«اسم الملحدة صومالية المولد أيان هيرسي علي»، ولقد حاز الالتماس على 12 ألف توقيع، إلا أن المركز لم يتنازل عن موقفه، ولقد كانت تكاليف هذا الأمر حقيقية بالنسبة لمؤسسة كويليام. وزعم نواز أن القائمة قد ألحقت الأضرار بجهود التمويل للمؤسسة خاصته. وقال وهو يحرك رأسه: «إنني أعتبر نفسي ليبرالياً، وأرغب في العمل مع الليبراليين».

وفي الواقع، فإن آراءه حول التطرف الإسلاموي هي أكثر تعقيداً مما تعكسه هذه التسميات، التي هي، كما يمكن القول، أحد الأسباب الأكثر إلحاحاً الدافعة للاستماع إليه بشأن الموضوع. وفي مذكرات نواز التي نُشِرَت في عام 2012 بعنوان «المتطرف: رحلتي خارج التطرف الإسلاموي»، هناك مشهد مثير للدهشة والذهول. يقول الراوي إن هناك طفلاً، غير متدين، ومن عشاق فريق N.W.A»» الغنائي، قد نزع إلى حمل سكين مخبأة تحت ملابسه خشية من عصابات حليقي الرؤوس الذين كانوا يجوبون شوارع مقاطعة إسكس في ساوثيند. كان يبلغ من العمر 15 عاماً، وبعد ظهيرة أحد الأيام، كان يسير في الشارع برفقة شقيقه الأكبر كاشف (الذي جاء ذكره في الكتاب باسم مستعار)، وأحد الأصدقاء من الذين اعتنقوا الإسلام حديثاً. حاول العنصريون في الحي مطاردة الفتيان الثلاثة بمضارب البيسبول ثم ألحقوهم بإحدى زوايا الشارع وكانوا يفوقونهم عددا. ثم تقدم زعيم العصابة وطلب الحديث، فأشار إليه كاشف للتنحي إلى أحد جوانب الشارع، حيث دخل هو وزعيم العصابة في مناقشة خافتة يشوبها كثير من التوتر. وعندما عاد الاثنان، بدأ أفراد العصابة في التراجع. وبفضول شديد، طلب ماجد من شقيقه أن يعرف ما الذي حدث وما الذي قاله لزعيم العصابة. فقال له كاشف أنه أخبره قائلا: «نحن مسلمون، ولا نخشى الموت» – وعلاوة على ذلك، فإن هناك قنبلة يحملها في حقيبة ظهره.

تلك الحكاية، التي تظهر وبشكل متكرر في مذكرات نواز وتضخمت في نهاية المطاف إلى أبعاد توحي بأنها أسطورة مختلقة، تعتبر هي الجوهر الأساسي لدى نواز. فمن ناحية، تُعتَبَر خلاصة مشروعه السردي الكبير، حيث تتمحور حول التركيبة المرتبكة والمؤلمة للتجربة الإسلامية المعاصرة التي يمكن أن تنتهي بصاحبها إلى تبني التطرف الإسلاموي: من عدم الإلمام الأولي بأساسيات وتعاليم الدين، والمظالم المحلية التي تعكس قدراً من المظالم العالمية، والروابط العشائرية مع المسلمين الآخرين لما وراء التصنيف العرقي والإثني، وأوهام التمكين من خلال التهديد بالعنف.

ومن ناحية أخرى، فلقد أصبح رمزاً من رموز المشاكسة والعدوانية، والسرد الشخصي للغاية الذي يتشبث الإنسان فيه بذاته، لعدد من الأسباب، فإن الكثير من نقاده قد زعموا أن هذه الحكاية هي من قبيل التلفيق الصرف.

الشرق ألاوسط

اخر المقالات