هل مازالت الصين متخوفة من وصول «داعش» إلى أراضيها؟

هل مازالت الصين متخوفة من وصول «داعش» إلى أراضيها؟

المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات

إعداد : صفوان داؤد، باحث مختص بالشأن السوري

بعد حوالي 48 ساعة من الفيتو السادس للصين مع روسيا حول سوريا في ديسمبر كانون أول الماضي وجّه «تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش) من غرب العراق تهديدا غير مسبوق إلى الصين بحسب ما جاء في شريط فيديو، تحت اسم (أولئك هم الصادقون) تناقلته مواقع قريبة للتنظيم. ويظهر التسجيل بحسب ما ذكر تلفزيون روسيا اليوم مسلحاً من أقلية الأويغور يشهر سكينا ويذبح رجلاً (في حضور طفل) مدعياً أنه (مخبر)، ثم يقول: “أيها الصينيون الذين لا يفهمون بالكلام نحن جنود الخلافة وسنأتيكم لنوضح لكم بلغة السلاح ونسفك الدماء لتجري كالأنهار ثأرا للمسلمين”. وكان قد نشر التنظيم سابقا أنشودة باللغة الصينية مدتها 4 دقائق تشجع الصينيين المسلمين على (الجهاد)، وهي تحرض بمضمونها (الإخوة المسلمين في الصين للاستيقاظ وحمل السلاح) ولا توجد (قوة ستوقف تقدمنا).

تبدو الصين ظاهرياً هدفاً غريباً للتنظيم، خاصة أنها لا تمتلك أي قواعد عسكرية الشرق الأوسط، ولم تنضم للتحالف الدولي لضرب داعش بقيادة الولايات المتحدة في سوريا والعراق, لكن من المؤكد ومنذ نجاح الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقبل استلامه الحكم من الرئيس السابق باراك اوباما -ونعتقد أن هذا ليس في محض الصدفة- زاد التنظيم من هجومه الإعلامي ومحاولاته توطين نفسه ليس فقط في الصين بل وبلدان أخرى تقع غالبيتها جنوب شرقي آسيا مثل الفلبين واندونيسيا والهند وماليزيا. وفي مقاربة تاريخية قال بريجيزنسكي، مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق في حوار صحفي لـ”نوفل أوبسارفاتور” قال: أن الرئيس كارتر قد تبنى عملية تدريب (مجاهدي) طالبان، ليس بعد الغزو السوفياتي لأفغانستان، بل قبله، لـ”جرّ الروس نحو المصيدة الأفغانية”. ولما سئل إثناء الحوار عما إذا كان قد أسف على ذلك، أجاب: “ما الذي كان أكثر أهمية لتاريخ العالم؟ طالبان أم سقوط الإمبراطورية السوفييتية (1), فهل يكرر التاريخ نفسه لكن هذه المرة بين «تنظيم الدولة» والصين؟.

أما عن أسباب محاولة «تنظيم الدولة» الدخول والانتشار داخل هذه البلدان فهي متعددة منها خسارته المتزايدة للجغرافيا التي كان يحتلها في الشرق الأوسط في كل سوريا والعراق آخرها ريف البادية السورية في مدينة تدمر الأثرية ومحيطها من قبل الجيش السوري, وفي ريف الرقة الشمالي من قبل القوات الكردية, وفي مدينة الموصل من قبل الجيش العراقي. وأيضا بسبب قابليته التنظيم العالية للتكيف مع الهزائم التي يتعرض لها والتنقل في الجغرافيات التي تسمح الظروف الموضوعية لتواجده إن يستوطن فيها, واهم هذه الظروف كما بات معروفاً حضور قاعدة اجتماعية خصبة يمكن أن تؤيد النزعات الفاشية لهذا التنظيم, وللتذكير كانت مجموعة أبو سياف المتطرفة المعروفة في الفلبين من أولى المجموعات التي أعلنت ولاءها لأبو بكر البغدادي زعيم «تنظيم الدولة». وفي الصين قامت مجموعات متطرفة بتنفيذ عدة عمليات إرهابية في شينجيانغ وهي مقاطعة تسكنها غالبية اويغورية مسلمة ناطقة باللغة التركية يقدر تعدادها بنحو 20 مليون. وقدرت وزارة الداخلية الصينية أن أكثر من 100 من الأويغور توجهوا فقط في العام 2015، إلى تركيا ومنها إلى سوريا أو العراق للانضمام إلى الجماعات المسلحة هناك, وهذا العدد هو من بين حوالي 25 إلى 30 ألف مقاتل أجنبي في كل من سوريا والعراق، وفق تقرير «موسوعة الإرهاب العالمية: رؤية إنسانية» الصادر عن معهد دراسات الاقتصاد والسلام في نيويورك في تشرين الثاني (نوفمبر) 2015.

ويذكر أن المتحدث باسم وزارة الخارجية التركية السابق “تانجو بيلجيج”، كان قد صرح سابقاً: أن تركيا مستعدة لاستقبال 60 شخصاً من أتراك الأويجور، الذين تم ترحيلهم من تايلاند إلى الصين آنذاك، مما اعتبرته الصين تدخلا سافرا في شؤونه. بالقابل ذكرت صحيفة الحياة اللندنية (2) أن «تنظيم الدولة» في إقليم خراسان بدأ يستقطب مقاتلين من 25 ولاية أفغانية من أصل 34 ولاية. مع العلم أن التنظيم يسيطر على عدد من المديريات في ولاية ننجرهار، وزرع جيوباً في جنوب أفغانستان.

في مواجهة نشاطات (داعش) تبدو بكين على يقظة واستعداد دائم لأي إخطار محتملة إذ أعلنت وزارة الدفاع الصينية في اذار مارس الماضي عن زيادة موازنتها العسكرية “بحوالي 7%” مقارنة بالعام الماضي, حيث ارتفعت الميزانية العسكرية الصينية العام 2016 إلى ما يعادل 132 مليار يورو بمعدل زيادة سنوية تقدر بنحو عشرة أضعاف خلال 15 عام. وتفوق نفقات الصين العسكرية بكثير نفقات روسيا وبريطانيا وفرنسا. وإذ كان هذا طبيعي لدولة متجهة نحو المشاركة في زعامة العالم, ودور متزايد على الساحة الدولية كان قد ظهر بشكل واضح في المسألة السورية واستخدامها حق الفيتو ستة مرات للحفاظ على النظام السوري بشكل أو بآخر.

يصور الإعلام الغربي أن القيادات الأمنية في الصين تنظر إلى الأويغور، على أنهم انفصاليون، وتُعاملهم على أنهم إرهابيون، وهذه مناف للحقيقة تماماً, مع الأخذ بعين الاعتبار أن هناك فعلا مجموعة انفصالية تقاتل الصين لإقامة دولة إسلامية مستقلة يطلقون عليها اسم «تركستان الشرقية». وعلى اثر الأحداث الأمنية المتكررة بين الاويغور المتطرف ورد فعل السلطات الأمنية الصينية المعروفة بقسوتها عملت كل من تركيا والسعودية بكل السبل على اجتذاب هذه العناصر، وإرسالها إلى سوريا والعراق, وانضم فعلاً عدد كبير منهم إلى «تنظيم الدولة», حيث قام هذا الأخير بتوفير التدريبات والسلاح لهم, وشارك العديد منهم في تنفيذ عمليات انتحارية, وأصبح لتركيا نتيجة علاقتها الوثيقة مع كل من الولايات المتحدة والمجموعات الإسلامية المسلحة في الشرق الأوسط إمكانية إعادة نشرهم، في إي منطقة خارج سوريا والعراق بما فيها الصين.

 

(1): أنظر مقابلة صحفية زيبينغو بريجنسكي
Nouvel Observateur, Zbigniew Brzezinski, Réseau Voltaire, 15 January 1998
(2): صحيفة الحياة «القاعدة» و«طالبان» و«داعش» على باب الصين, الأربعاء، ٩ نوفمبر/ تشرين الثاني 2016
 .

safwandawod@yahoo.com

الباحث صفوان داؤد

اخر المقالات