هل تستعيد السعودية الهويات الوطنية التي أنهكتها الحرب

هل تستعيد السعودية الهويات الوطنية التي أنهكتها الحرب
baba picبقلم ـ  د.عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب،أستاذ بجامعة أم القرى بمكة
عارضت الولايات المتحدة الاتفاقية السرية بين بريطانيا وفرنسا التي بموجبها وضعت خطة لتقسيم الامبراطورية العثمانية عقب الحرب العالمية الأولى (اتفاقية سايكس بيكو 1916) وطالبت بدلا من ذلك تطبيق مبدأ حق تقرير المصير.
هذه الاتفاقية بدأت تنهار منذ غزو الولايات المتحدة العراق وسلمته لإيران على طبق من ذهب، واليوم بعد الثورات العربية دخلت المنطقة حروب طاحنة في سوريا والعراق أسفرت عن تقسيم تلك البلدان بحكم أمر الواقع ،مما فتح الباب أمام إعادة رسم الخطوط ،بل الأخطر من ذلك بدأت تساؤلات تظهر للعلن هل تترك المنطقة تتحول إلى كانتونات أصغر مثل نظام التقسيم الإداري المتماسك عرقيا ما يسمى بنظام يتس أيام زمن العهد العثماني؟.
لكن هناك نموذجا آخر يمكن أن يحتذى، فقد كان لبنان مقسم فعليا أثناء الحرب الأهلية التي واجهتها والتي دامت لمدة 15 عاما ، ولكن الهوية الوطنية اللبنانية أثبتت تماسكها وقوتها أمام أي تقسيم محتمل واستطاعت برعاية السعودية أن تستعيد الهوية الوطنية اللبنانية في اتفاق الطائف عام 1989.
فهل تتمكن السعودية من رعاية الهوية العراقية والسورية وإنقاذهما من الثعلب الإيراني المتربص بالمنطقة العربية، كما ترعي مصر هي الأخرى استعادة  الهوية الليبية من الانهيار والتقسيم بعد 4100 طلعة نفذها الناتو لصالح الشعب الليبي ضد القذافي؟.

يبدو أن العراق باختيار العبادي حدث ضمن اتفاق أمريكي سعودي وضغط شعبي عراقي بجميع المكونات وخصوصا من قبل المرجعية الشيعية العراقية فرض على إيران أعاد للعراق تماسكه بعدما اتجه نحو التقسيم والتفتيت تحت الرعاية الإيرانية ولا يزال يصارع العودة نحو استعادة الهوية الوطنية.
باعتراف أوباما أمام وسائل الإعلام العالمية قال بأن إيران كانت السبب في انهيار العراق وسوريا ،بالطبع لم تكن الولايات المتحدة بريئة من تلك التهمة وهي التي سلمت العراق لإيران ،وتركت سوريا ساحة حرب بالوكالة، حتى أصبحت الساحة السورية حاضنة نشأت فيها الدولة الإسلامية ( داعش) قد تكون جميع الدول ساهمت بشكل أو بآخر في نشأة الجماعات المتطرفة، بعدما امتنعت الولايات المتحدة عن دعم المعارضة السورية المعتدلة قد يكون الحق للولايات المتحدة بعدما وجدت الأسلحة تذهب لجبهة النصرة.
يبدو أن تركيا تشترط مشاركتها في الجبهة العالمية لمحاربة داعش وهي ترى أن الأولوية يجب أن تكون في إسقاط نظام الأسد، وهي تسعى في إنشاء منطقة انتقالية تحميها منطقة حظر جوي لحماية اللاجئين بعيدا عن الأراضي التركية ،بينما الأكراد يشكون في النوايا التركية ويعتقدون أن تلك المنطقة تحرمهم من تقرير المصير، بينما تركيا قلقة من تسليح الأكراد مما يشجعهم على الاستقلال مما يهدد وحدة الأراضي السورية ،لذلك تنوي هي التدخل المباشر لمحاربة داعش لتفويت الفرصة على الولايات المتحدة من تقسيم سوريا.
ومشاركة السعودية ودولة الإمارات والأردن وقطر والبحرين في الطلعات الجوية في العراق وفي سوريا المقدر عدد تلك الطلعات قبل بداية أكتوبر 2014 بنحو 5300 طلعة منها 400 طلعة للسعودية وبقية الدول العربية المشاركة معها تكلفة تلك الطلعات قدر نحو مليار دولار بخلاف تكلفة المستشارين العسكريين في العراق يعني ذلك أن السعودية تشارك في رسم خريطة الشرق الأوسط المستقبلية وهي تشارك تركيا في الحفاظ على الهوية الوطنية لسوريا كما للعراق.
وبدأت الولايات المتحدة تؤمن بأن الضربات الجوية بمفردها لن تقود إلى نهاية داعش، فأرسلت قوة تدخل سريع مكونة من 2300 فرد مقرها في الكويت، وبدأت تدعم البشمركة بقوات أمريكية على الأرض لمجابهة داعش ومحاصرتهم.
صياغة الشرق الأوسط الجديد ما بين الديمقراطية الدينية وهي ديمقراطية عابرة للحدود السياسية تخطى حراكها الجمعي التوافق الفكري سواء كانت جماعة الولي الفقيه أو جماعة الإخوان المسلمين التي أزيحت في مصر غير مرغوبة في المنطقة.
إيران تتحرك على أساس أن تكون لها كلمة الفصل في السياسات الإقليمية في إطار تأمين المصالح الوطنية والخطوط التي رسمها مرشد الثورة ، وما نحتاج إليه في مجال السياسة قدر أقل من الديمقراطية وليس أكثر لأن وجود ديمقراطية بغير تقدم اقتصادي يفضي إلى موت الديمقراطية ولا يعني ذلك فسح المجال أمام الطغاة والفاسدين.
تطبيق الديمقراطية في مجتمعات منقسمة يثير النعرات القومية والنزاع العرقي والحروب ذاتها ، والكثير لا يعرف أن هناك صنفان من الديمقراطية أحدهما ليبرالي والآخر غير ليبرالي ، ثمة خلط كبير بينهما ،رغم أنهما نشأ منفصلين عن بعضهما عبر قرون طويلة ،حيث الحرية والاستقرار أولا ثم الديمقراطية ،ولا ينكر أحد أن ميزة الديمقراطية التخلص من المعارضين عبر الشعب بالانتخابات بدلا من التخلص منهم بالأسلوب الأمني.
أيضا الديمقراطية ليست مرادفا للحكم الرشيد وكذلك للحكومة الجيدة، وقد يتم ترجيح القانون على الديمقراطية لأن الديمقراطية تستدعي من الشعوب المزيد من الوعي العالمي، يبقى الحفاظ على الهوية الوطنية مطلبا والاعتماد عليها لعودة الاستقرار إلى العراق وسوريا وليبيا واليمن.
السعودية معنية بصناعة الدولة ونقلها من غريزة الصراع إلى ثقافة السلم والتفويض، وقد أكد الفيلسوف توماس هوبز مؤسس الفلسفة السياسية الحديثة في القرن السابع عشر الميلادي على عدم تفتيت السلطة والعمل بجهد من طرف أفراد المجتمع على تجميعها، وأكد على تلك النظرة الفلاسفة الذين أتوا من بعده مثل جون لوك وجان جاك روسو، لأن فكرة التعاقد الاجتماعي يجب أن تؤكد على ترميم السلطة وتعديلها.
نشأت ملامح فكرة أن السياسة صناعة ليست جاهزة بل تبنى وتشيد من قبل الإنسان، نقضت الفكر القديم الذي يصور الإنسان بأنه كائن اجتماعي بالطبع يتصور الدولة على أساس التفاوض والتعاقد بين أفراد الشعب.
لدى السعودية سياسة متبصرة طويلة الأمد وهي التي تحقق عوائد ضخمة لمنطقة الشرق الأوسط حتى لا تستمر في المنطقة في الانزلاق نحو الركود والفوضى على عكس السياسات قصيرة الأمد التي تنطوي على تكاليف باهظة الثمن.

             Dr_mahboob1@hotmail.com

اخر المقالات