هكذا يتم توظيف وتسريب المعلومات داخل اجهزة الاستخبارات

هكذا يتم توظيف وتسريب المعلومات داخل اجهزة الاستخبارات

كتب : بشير الوندي، باحث في العلوم الاستخبارية

المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

مباحث في الاستخبارات (67)
مدخل
في مبحث (18) ذكرنا ان الاستخبارات تنتج معلومات موثقة لتوزعها بشكل علمي الى عدة جهات هي :
1- توزيع راسي او قيادي: الى القائد العام او الوزير المختص .
2- توزيع قضائي : الى اجهزة المكافحة والقضاء.
3- توزيع معالج او ميداني :ونعني بها معلومات عن اهداف يجب ان تعالج وتضرب سريعاً.
4- توزيع مرجعي : توزع حسب الجهة القطاعية او مرجعية  الموضوع والاختصاص.
5- توزيع دوري : لبعض المؤسسات والمسؤولين للاطلاع العام كنشرة دورية سرية .
6- توزيع تبادلي: وهي معلومات للدول المتحالفة والصديقة.
7- توزيع اعلامي , للاطلاع العام .
8- توزيع عسكري : للوحدات العسكرية والجيش
9-توزيع خاص اومحلي او مقطعي: لجهة معينة او حكومة محليه او حزب سياسي او موسسة اقتصادية ولمره واحدة .
فالعمل الاستخباري اذن هو جمع المعلومات من مصادر متنوعة,وغربلة تلك المعلومات للوصول الى الصورة الموثوقة للمعلومات لتصل خلاصتها للجهات ذات العلاقة واهمها القيادة كي تبني مواقفها وفقها .
الا ان العمل الاستخباري المعلوماتي لايقف عند حد انتاج المعلومات الموثقة للقيادة , وانما لديه فئات اخرى يستهدفها ويرسل لها نتاجات معلوماتية اخرى يعتمد فيها التزييف والاخفاء والغموض , وتلك المعلومات لها طرق انتاجها وتوزيعها وهو موضوع مقالنا .

معلومات للعدو: صناعة الزيف

ان ماتنتجه الدوائر الاستخبارية من معلومات للعدو يقع على اربعة  اشكال هي :

1- معلومات ايهامية : وهي اما تكون ايهامية كاذبة تماماً تنتجها وتسوقها بطرق تجعلها تبدو ككنز من المعلومات , او ان تكون ايهامية صادقة لكنها تتيح في حبكتها ان يستنتج منها العدو استنتاجات زائفة .
فالكاذبة منها  تحتاج الى حنكة وبراعة متناهيتين لتجعل العدو يعتقد انه هو من اكتشف تلك المعلومات بجهوده عن طريق رصده وجواسيسه وانصاته  , لأن استخبارات العدو ليست بالسذاجة التي تصدق كل مايلقى في طريقها من معلومات , ومن هنا فإن براعة طريقة ايصال هذا النوع من المعلومات الزائفة هي الفيصل في النجاح بخداع العدو.
فالعدو قد يشك كثيراً في مصداقية ماينشر بصحفنا او بما يصله من مخبرين مأجورين , ولكن لو تمكنت استخباراته من سرقة وثائق من خزانة قائد عسكري فانها ستصدق كل مافيها لانها هي التي حصلت عليها بوسائلها ولم تلق اليها المعلومات لتلتقطها .

ولكن لو برعت الاجهزة الاستخبارية في توقع تحرك العدو على خزنة القائد العسكري وسارعت بوضع خطط عسكرية مزيفة, فحينها سيتم خداع العدو بمعلومات لاصحة لها مما يقلب احيانا موازين حروب باكملها , ومن هنا نجد ان من ابتكارات الاجهزة الاستخبارية ان تترك عامدة وثائق مزيفة في مواضع قادة عسكريين قبيل انسحاب القطعات كي يلتقطها العدو ويبني تصوراته وفقها .
اما عن المعلومات الايهامية الصادقة ,  فنعني بها ان تنشر الاستخبارات معلومات تبدو بريئة في مظهرها وحقيقية , لكنها تعلم تماماً ان العدو سيستنتج منها بالتحليل اشياء مهمة وخطيرة لاصحة لها , ومثال ذلك مانشرته صحيفة الاهرام المصرية في خبر صغير في صفحاتها الداخلية (في ظل تحضيرات الجيش المصري لحرب 73 التي صادفت في رمضان ) ومفاد الخبر (البريء شكلا) ان قرعة الحج والعمرة للضباط العسكريين قد تمت المصادقة عليها , وبالفعل توجه العديد منهم (للتمويه) للتسجيل لغرض عمرة رمضان والحج , فمن الطبيعي ان تستنتج الاستخبارات الاسرائيلية ان هذا دليل على ارتخاء القوات المصرية وان موعد الحرب ليس في رمضان .
ان المعلومات الايهامية تساعد في ارباك العدو بحجم المعلومات المفبركة والمغلوطة والمضخمة مما يربك عقل مركز جهاز العدو وقدراته التحليلية وتتضخم موارده الخبرية بالغث والسمين وتجعله في دوامة.
وكلما زادت الجرعات زاد الارباك , لان تحصيل المعلومات الخطأ يضعف القدرة على التفريق والاستنتاج والتدقيق , ويشرع العدو بفقدان الثقة باذرعه او يقوم باتخاذ تدابير دفاعية بعد حين من اغراقه بالمعلومات الايهامية المتنوعة.
وخلاصة الامر ان الغرض من المعلومات التمويهية بشقيها انها تستخدم لاشغال العدو عن رؤية الحقيقة او عن اكتشاف مخطط ما .
2- معلومات استدراجية : وهي معلومات كاذبة تبثها الاجهزة الاستخبارية  في الاعلام لغرض استدراج واستفزاز العدو كي يرد , فقد تفقد الاستخبارات اثر قائد ارهابي مختف عن الانظار , فتبث خبر مقتله بقصة مختلقة عبر جهات اعلامية غير رسمية (كي لاتتحصل نتائج التكذيب وفقدان المصداقية ) لتربك بها اتباعه وليجبر تنظيمه على اصدار تكذيب وتصوير حديث للارهابي , وهو امر كثيراً مااستخدمته الCIA مع بن لادن وغيره من القادة .
3- معلومات مسيطر عليها (مقننة) : وهي معلومات بعضها صحيح وبعضها مزيف , وتلك المعلومات هي مايتم تزويد العميل المزدوج بها كي يكسب ثقة العدو , فحين يجند العدو شخصاً ما كجاسوس بعلم مسبق من استخبارات بلده , يسعى العدو الى اختبار المعلومات التي يجلبها ويسعى للتدقيق من صحتها , لذا تعمد الاستخبارات الى تزويده بمعلومات صحيحة نسبيا كي يكسب ثقة العدو.
ونعني بالصحيحة نسبياً هنا , ان المعلومات تكون صحيحة شكلاً كأن يبلغ الجاسوس المفترض العدو عن اماكن قواعد صواريخ متطورة مضادة للطائرات ويستطلع العدو ليجدها صحيحة ويقصفها , ولكن العدو لايعلم انها هياكل لقواعد صواريخ لااكثر , ولحبك الموضوع يعترف الاعلام العسكري بان العدو قد دمر قواعد للصواريخ.
4- معلومات اختبارية : وهي معلومات تبثها الاستخبارات على نطاق ضيق ومحاط بالسرية على عدد محدد من كادرها لغرض التأكد من خيانة شخص ما .
فحين تشك الاجهزة الاستخبارية بان احد ما يسرب معلومات سرية , تعمد الى ان تنتج معلومة وترصد عدد محدود للاطلاع على تلك المعلومة وتعطيها صفة عالية من السرية , ثم ترصد من خلال جواسيسها هل ان تلك المعلومة قد وصلت للعدو , حينها سيسهل عليها تحديد الخائن .

قصة ذات مغزى

في عملية تجسس كبرى لفقتها الاستخبارات البريطانية خلال الحرب العالمية الثانية لتضليل الالمان تحت اسم “مينسميت” (اللحم المفروم) تفاصيل مثيرة بدأ تنفيذها في العام 1943 غيرت مجرى الحرب.
ففي 30 نيسان (ابريل) 1943 القيت جثة غليندوير مايكل، الذي اخفيت هويته تحت اسم الميجور وليام مارتن، في بحر هويلفا على الساحل الاسباني وكان في حقيبته رسائل زورها بعناية فائقة ضباط استخبارات بريطانيون كي يعطوا انطباعاً بان الحلفاء يعتزمون مهاجمة اليونان وليس صقلية , وما هي الا ساعات قليلة حتى اخذت السلطات الاسبانية الحقيبة ودفنت جثمان مايكل تحت اسمه المزور, ومرر الاسبان الوثائق الى الالمان ليأكل الالمان الطعم؟”.

ولحبك القصة الملفقة ,نشرت صحيفة “ذي تايمز” البريطانية في صباح يوم الجمعة الرابع من حزيران (يونيو) 1943نبأ مقتل الميجر ويليام مارتن خلال عملية قتالية , وكان غوبلز شغوفا بقراءة “ذي تايمز”  , وكانت تلك هي المرة الاولى في تاريخ هذه الصحيفة التي يعلن فيها رسميا نبأ وفاة شخص وهو لا يزال حيا.
ولم يأخذ وصول الوثائق المزورة طريقه الى الالمان الا تسعة ايام فقط ,وقضى الالمان 48 ساعة في دراستها ثم حولت الاستخبارات العسكرية الالمانية الوثائق الى القيادة الالمانية العليا حيث اوكلت مهمة التحقق من صحتها الى فرع الاستخبارات في القيادة.
وهناك كتب رئيس الاستخبارات اللفتانت كولونيل اليكسس بارون فون روين يوم 11 ايار (مايو) ان “ظروف الاكتشاف، وكذلك شكل الرسائل ومحتواها، هي برهان مقنع بصورة مطلقة على امكان الاعتماد على الرسائل”.
بعدها التقط الراصدون البريطانيون رسالة لاسلكية بعث بها رئيس اركان هيئة العمليات الالمانية يقول فيها ان”من المتوقع حصول انزال للعدو على نطاق واسع في المستقبل القريب على اليونان” حسب ما هو موصوف في الرسائل المزورة التي القي بها مع جثة الضابط البريطاني المزعوم, لقد ابتلع الالمان الطعم , ثم اخذت كذبة “مينسميت” تتعاظم في المانيا وتكتسب اهمية , وبعد ثلاثة اسابيع وصلت رسائل العملية “مينسميت” الى هتلر
وبحلول يوم 12 ايار (مايو) لقد اصدر الفوهرر توجيها عسكريا عاما قال فيه: “من المتوقع ان الانكليز والاميركيين سيحاولون مواصلة عملياتهم في البحر المتوسط وان (اتخاذ) اجراءات في ما يتعلق بسردينيا وبيلوبونيز(اليونان) يأخذ الاولوية على أي شيء آخر”, وحتى عندما قال الزعيم الايطالي موسوليني ان صقلية هي هدف ارجح عارضه ادولف هتلر مباشرةً .
وفيما كانت قوات الحلفاء تتجمع للهجوم على صقليه في اوائل تموز (يوليو)، بدأت خدعة “اللحم المفروم” تؤتي أكلها , فكان تخوف هتلر على اليونان ودول البلقان يسيطر على كل خطواته الاستراتيجية.
فوضعت كتيبتان مدرعتان على أهبة الاستعداد للتوجه نحو دول البلقان , وصدرت الاوامر الى قوارب التوربيدو الالمانية لمغادرة صقليه نحو بحر ايجه , واتخذت مدفعية الشاطئ اماكنها في اليونان، وزرعت ثلاثة حقول الغام جديدة على امتداد سواحلها. فيما ارتفع عدد الكتائب الالمانية في دول البلقان ما بين اذار (مارس) وتموز (يوليو) 1943 من 8 الى 18، كما ازدادت القوات المدافعة عن اليونان من كتيبة واحدة الى 8 كتائب.
وعندما تبين بوضوح ان صقليه كانت الهدف الحقيقي ، كان قطار الزمن قد فات, ففي نهاية اليوم، وصل اكثر 100 ألف من قوات الحلفاء الى الشاطئ ومعهم 10 آلاف عربة , واستسلم المدافعون الايطاليون باعداد كبيرة، وكانوا ينزعون ستراتهم العسكرية ويبتعدون او يركضون بعيدا عن الموقع, وكان في حساب الحلفاء ان يستغرق الاستيلاء على صقليه 90 يوما على الاقل , الا انه اكتمل في 38 يوما.

المعلومات في خدمة المواطن

بالاضافة الى ماذكرناه من انتاج للمعلومات الاستخبارية الموجهة للعدو , فان الاستخبارات تقوم ببث معلومات لمواطنيها على اربعة انواع :
1- معلومات نفسية : الغرض منها صد الشائعات المغرضة ورفع الروح المعنوية للمواطنين , ومن تلك المعلومات ماهو دفاعي لدحض اشاعات العدو , ومنها ماهو ايجابي لغرض التأكيد على منعة البلاد وقوتها كنشر الانتصارات والبطولات.
2- معلومات تحريضية : والغرض منها تشديد كراهية المواطنين للعدو وتبيان وحشيته من خلال نشر اعترافات تبين وحشية عناصره وارهابهم ونشر كل مامن شأنه استعداء المواطنين للعدو .
3- معلومات واخبار تحذيرية : الغرض منها بيان حبائل العدو وخططه للايقاع بالبسطاء , ومثال ذلك التوعية في ان الارهاب لاعلاقة له بالدين وان صبغة التدين لدى الارهابيين مزيفة , ويستعان بالافلام والنتاجات الابداعية  التي تبين مخاطر تصديق ادعاءآت العدو وبيان حيله في الايقاع بالمواطنين .
4- معلومات مموهة : وهي اخبار كاذبة الغرض منها الحفاظ على السرية , مثال ذلك ان يجري تطويق منطقة لغرض تفتيشها بعنوان الحجر الصحي او البحث عن قاتل , او اعلان حظر تجوال لمنطقة بحجة الامن للتغطية على زيارة مسؤول بشكل سري .

خلاصة

انتاج المعلومة الاستخبارية الموجهة , هو انتاج لمعلومات صادقة او مضخمة او مخلوطة او كاذبة يتم توجيهها الى احد طرفين , فاما توجه للعدو لارباكه والتدليس عليه وايهامه , او ان توجه للمواطن من اجل تحصينه او للحفاظ على السرية .
وكلا النوعين مهم وخطير ويحتاج الى عقول استخبارية مبدعة تتمتع بخيال واسع ومعرفة بعلم النفس , وهي عقول محترفة نفتقر لها في اجهزتنا الاستخبارية للاسف الشديد , والله الموفق.

اخر المقالات