مواجهة #التطرف #والإرهاب بإشاعة #المنهج_الوسطي الإسلامي

مواجهة #التطرف #والإرهاب بإشاعة #المنهج_الوسطي الإسلامي

كتب الدكتور  عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب، أستاذ بجامعة أم القرى بمكة
المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

(منهج وسطي ليس خاليا المضمون ولا بالمبهم بل هو منهج واضح وحل عملي لكثير من مشكلاتنا المعاصرة)

نحن نمر في عصر استعدت علينا الأمم مما نحن فيه من تبديد للطاقات والجهود واستجلبت لنا النقم واكتوينا بدائها وأصبحنا في فوضى نكيل التهم لبعضنا البعض وننساق إلى ما يريده أعداؤنا أو نتكلم بألسنتهم وعقولهم دون أن ندرك دمرنا بعضنا دون أن يخسر العالم أي جهد في محاربتنا بل اكتفت في محاربة الإرهاب الذي خرج من بلادنا ولم يتوجه ضد العالم بل توجه ضد المنطقة وأصبحت الدول الفاشلة تستنجد الولايات المتحدة والمجتمع الدولي التدخل ضد داعش في العراق وسوريا، وتتوسل ليبيا واليمن التدخل لإنقاذها مما هي فيه من تفتيت وصراع بين المليشيات على أساس مذهبي وطائفي وقبلي.

ما أحوجنا اليوم إلى تقديم الحكمة والبصيرة والتبصر بدلا من الانغلاق وغلق الأبواب كلما فتحت، أو نقدم الحساب على العفو، و الإساءة على الإحسان، و الرفض على القبول، و سوء الظن على حسنه، و التجريح على النقد.

منهج الوسطية واضح وضوح الشمس لا لبس فيه بينما يلتبس على من لا يعرفه أو على من ضل واتبع هواه، أو غرر به لجهله أو لصغر سنه.
الوسطية هي صيرورة أمة وهي أمة الإسلام، كما وصفها الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) البقرة :، 143وقد أوضح لنا الرسول صلى الله عليه وسلم المنهج الوسطي حينما خط خطا وحوله خطوطا ذات اليمين وذات الشمال وقال صلى الله عليه وسلم عن الخط المستقيم الذي خطه لنا وقال: إن هذا هو سبيلي ثم تلا قول الله تعالى (قل هذه سبيلي ادعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين ) يوسف :،108 وقال صلى الله عليه وسلم أما بقية السبل فإن على كل سبيل منها شيطان، فكل من ادعى الوسطية وهو ليس كذلك فينطبق عليه قول الله سبحانه وتعالى (الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا) الكهف :104 .
منهج الوسطية قائم على الدعوة بالبصيرة، والحجة الواضحة بالبرهان العقلي والشرعي، المنهج الوسطي لا يقبل تفجيرات ولا عمليات انتحارية ولا قتال من لم يقاتل، وأن تعاطف معها بعض المسلمين نتيجة ما يرونه من الممارسات الإسرائيلية والسياسات الأمريكية أو الممارسات الطائفية المذهبية وغيرها من صراعات.
المنهج الإسلامي الوسطي يرفض الاعتداء أو ظلم الآخرين الأبرياء بلا جريرة اقترفتها أيديهم كأن يكونوا مستأمنون, ولا يقبل الإسلام قتل الرهائن بجريرة سياسات دولهم، بل يحض على رعاية الأسير الحربي وإكرامه وينهى عن المساس بالمستأمنين.

نحن بحاجة إلى أن ندعم رواد منهج الوسطية بدلا من التشكيك فيهم أو تهميشهم واستبعادهم لان المنهج الوسطي منهج أمة بكاملها , فالشطط الفكري والثقافي والديني غلو يغذي كل منها الآخر وسبب له.
المنهج الوسطي ليس خاليا المضمون ولا هو بالمبهم بل هو منهج إسلامي واضح، وحلا عمليا لكثير من مشكلاتنا المعاصرة، والمنهج الوسطي منهجا في كافة حياة المسلمين حتى في الإنفاق وفي بقية حياة المسلم  (ولا تجعل يدك مغلولة ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا) فذم الله سبحانه وتعالى الشطط عن الوسط سواء أكان تقتيرا أو تبذيرا، وعلى منوال هذه الآية يسير المنهج الوسطي في جميع أمور الحياة الدينية والدنيوية وخصوصا فيما يتعلق بالدماء، فالشطط عن خط الوسط سواء أكان يمينيا أو يساريا فهما نقيصتين ينبذهما الإسلام .
الوسطية مبنية على إقرار تعدد الاجتهادات في المسائل الظنية، وقد اختلف الصحابة والتابعين في مسائل ظنيه كثيرة، وتعددت فيها أقوالهم واجتهاداتهم، ولم يصادر احد منهم حق الاجتهاد من الطرف الآخر  (وكلا آتينا حكما وعلما) الأنبياء :79 (ولكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) المائدة :48 .
لكن الاختلاف في اليقينيات يعد عذابا ومحنة (ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك) هود :119 وحذرنا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من الاختلاف في اليقينيات أيضا عندما قال صلى الله عليه وسلم (إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب ) رواه مسلم واحمد

وعند الاختلاف في الكتاب وجهنا الله سبحانه وتعالى في قوله ( فإن تنازعتم في شي ء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ) النساء :59.
حتى لا نضل نهانا الله أن نتبع الهوى فتعمى بصائرنا، ونكون في مؤخرة الأمم (أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا) الفرقان :43(ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون ) النمل :13 (قل الله أذن لكم أم على الله تفترون ) يونس :59.
أهم ميزة يتميز بها المنهج الوسطي هو اليسر فعن محجن بن الأدرع رضي الله عنه عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال ( إن الله تعالى رضي لهذه الأمة اليسر وكره لها العسر ) رواه ابن حبان ، وقال صلى الله عليه وسلم ( إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين ) رواه الترمذي
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال ( إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي عليه مالا يعطي على العنف) رواه ابن ماجه وابن حبان .
هذه الوسطية تأمر بالعدل وعدم ظلم الآخرين حتى وإن كنا نبغضهم لظلمهم لنا (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا اهو اقرب للتقوى ) المائدة:8.
تتصف الوسطية كذلك بالعالمية وقبول الآخر (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) وهم ليسوا سواء حتى ينظر إليهم نظرة واحدة.
المنهج الوسطي يقبل عذر الأمة في وقت الأزمات والفتن وعند اختلاف القلوب فامرؤ ونفسه ( يا أيها الذين امنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون ) المائدة 105

من وسطية هذه الأمة أنها شاهدة على الناس وهذه الشهادة لابد أن تكون شهادة عدل واعتدال، والمعتدل هو من لا يملك الحقيقة المطلقة، ويقبل بنسبية الحقيقة الاجتماعية، وغير آحادي التفكير ويقبل بالتعددية ، ولا يرى ما يطرحه من أفكار ورؤى بأنها مقدسة، ويحترم آراء الآخرين ومن ثم فهو لا يملك الوصاية عليهم  وليس قاضيا يحكم عليهم.
وعلى أساس هذا المنهج نقيم أنفسنا به، لا عليه، والرموز الإسلامية والجماعات والتيارات ليست كلها معصومة من الخطأ ، وليست هي مصادر تشريعية نستقي منها شريعتنا، فهي مجتهدة فإن أصابت فلها اجرين وإن أخطأت فلها أجر، ونلتمس لهم العذر لاختلاف ظروفهم المحيطة بهم عن ظروفنا، ويمكن أن نحاورهم ونتفق معهم أو نختلف ضمن دائرة الإجلال والتقدير والاحترام، لما قدموه للأمة من إرث نضيف إليه بما يتناسب وظروفنا الحالية، كما أضافوا هم دون النيل منهم أو التجريح بهم.
من الخطأ المنهجي والمنطقي محاكمة أي قيمة فكرية بالممارسات التي تنسب إليها، وإذا كان هناك من أساء إلى الرؤية الوسطية أو ابتذلها، يجب محاكمته بمعايير الوسطية وليس محاسبة الوسطية ذاتها، فالقاعدة أن القيمة تحاكم الفعل وليس العكس لأن المنهج الإسلامي الوسطي بريء من كل الممارسات التي تمارس باسمه  فهو منهج إسلامي وسطي مستقل معتدل في التفكير وفي العمل والسلوك الفردي والجماعي .
فلتكن غايتنا الإصلاح والعودة بالأمة الإسلامية إلى الطريق الصحيح , وأن الطريق صعب وطويل ولتكن العزة بالحق وبقوة الدين من أجل نجعل كل من انخرط في داعش أو في التنظيمات والجماعات الجهادية تراجع نفسها وفق منظور منهج الإسلام الوسطي بدلا من استمرار التغرير بهم من قبل جماعات مشبوهة أو متطرفة.

Dr_mahboob1@hotmail.com

 

 

 

اخر المقالات