مقدمات تأسيس “داعش” في لبنان

مقدمات تأسيس “داعش” في لبنان

571101Me pentagonمقدمات تأسيس “داعش” في لبنان
بقلم: د. هيثم مزاحم، مدير مركز بيروت
يوحي مشهد الرايات السود الجهادية في بعض مدن لبنان بأن التنظيمات «الجهادية» لا تتردد بالإعلان عن نفسها في لبنان، وأن لديها بيئة حاضنة وثقة بالنفس.
إلا أن بداية الظهور العلني لتنظيم القاعدة في لبنان بدأت قبل الأزمة السورية العام 2011، وذلك العام 2007 مع صعود نشاط تنظيم «فتح الإسلام» و«كتائب عبدالله عزام» و«سرايا زياد الجراح». وذكرت بعض التقارير الإعلامية أن تنظيم «الدولة الإسلامية» قد أصبح له وجود في طرابلس ومدن لبنانية أخرى.
كذلك في بعض مخيمات اللاجئين الفلسطينيين وخصوصاً في مخيم عين الحلوة قرب صيدا، حيث تتدلى الأعلام السوداء المرتبطة بتنظيم القاعدة من

الشرفات وفي الشوارع في بعض أحياء طرابلس. لكن وجود الأعلام السوداء التي تمثل تنظيمي القاعدة وداعش هو تعبير عن تأييد وتعاطف أكثر مما هو انتماء وارتباط تنظيمي.
مقدمات لداعش
لقد أفادت التنظيمات «الجهادية» في سوريا من بلدة عرسال البقاعية عند الحدود السورية كبوابة لدخول السيارات المفخخة من منطقة يبرود – القلمون إلى لبنان، كي يتم تفجيرها في الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق لبنانية أخرى. لكن بعض المحللين والباحثين يرى أن تنظيم «الدولة الإسلامية» لا يزال ضعيفاً في لبنان وهو في طور الانشاء، وأن هنالك تسرعاً بالإعلان عنه بعد حال الاستقطاب التي حصل عليها التنظيم في العراق وسوريا.
لعل وجود مقاتلين من لبنان داخل «الدولة الإسلامية» يقاتلون في سوريا والعراق يرجح تشكيل شبكة تنظيمية داخل لبنان بعد عودتهم أو من خلال اتصالاتهم. فقد نشرت وسائل الإعلام خبراً عن تنفيذ المدعو أبي حفص اللبناني عملية انتحارية يوم 6 يوليو (تموز) العام 2014 في منطقة الوشاش وسط العاصمة العراقية بغداد لصالح «الدولة الإسلامية».
كانت جبهة النصرة في بلاد الشام، التابعة لتنظيم القاعدة الأكثر شعبية بين «الجهاديين» في لبنان، وتعتبر «كتائب عبدالله عزام» العاملة في لبنان أكثر قرباً للنصرة من «داعش». لكن أبو بكر البغدادي قد استطاع كسب بعض خصومه في «جبهة النصرة» حيث أعلنت بعض الفصائل التابعة للنصرة في دير الزور مبايعة البغدادي ليفرض قبضته على أحد أبرز مصادر النفط والطاقة في المحافظة، بعد أن سيطر على آبار النفط في مدينة الموصل، وغيرها من الآبار والمصافي.
يشار إلى أن السلطات اللبنانية قد أعلنت في الثاني من يناير (كانون الثاني) العام 2014 القبض على السعودي ماجد الماجد، زعيم «كتائب عبدالله عزام» المسؤولة عن التفجير الانتحاري الذي استهدف السفارة الإيرانية في بيروت في نوفمبر( تشرين الثاني) العام 2013 وكان الماجد مطلوباً للسلطات اللبنانية منذ اشتراكه في مواجهات مخيم النهر البارد العام 2007، وفي مخيم عين الحلوة العام 2009. وقد وضعت الولايات المتحدة الأمريكية «كتائب عبدالله عزام» على لائحة المنظمات الإرهابية في 24 مايو (أيار) العام 2012.
يوحي مشهد الرايات السود «الجهادية» في بعض مدن لبنان بأن التنظيمات «الجهادية» لا تتردد بالإعلان عن نفسها في لبنان، وأن لديها بيئة حاضنة وثقة بالنفس. وكشفت التقارير أن أهم المجموعات «الجهادية» التي تنشط الآن في لبنان تنظيمياً هي مجموعة «أبو ثائر» وهو لبناني ويدعى خضر خويلد، وهي موجودة في منطقة وادي خالد ومشتى أكروم، وتضم جنسيات مختلفة، ومجموعات أخرى في أحياء طرابلس، كباب التبانة والبداوي وباب الرمل. وهذه المجموعات كانت تقود داخل طرابلس جولات العنف المتكررة مع جبل محسن، وهو الحي المقطون بأغلبية علوية.
فرع لبنان
يظهر إعلان «الدولة الإسلامية» عن تشكيل فرع له في لبنان، أن هنالك تطوراً في قدرة التنظيم الذي يقوم عمله على اختراق أجهزة الأمن من خلال العمل الاستخباري والرشوة والفساد، حيث يعتمد التنظيم على الاستخبارات والخلايا النائمة أكثر من الجهد العسكري الذي تميّز به تنظيم القاعدة وزعيمه أيمن الظواهري. وهذا يعني أن «داعش» بات يستهدف اختراق المؤسسات الأمنية من الداخل، أو بشكل مباشر من خلال عمليات الاغتيالات أو التهديد لضباط التحقيق والقضاة.
تمتلك أجهزة الأمن اللبنانية، سواء أكانت مخابرات الجيش اللبناني أم شعبة المعلومات التابعة لقوى الأمن الداخلي أو الأمن العام، الكثير من البيانات وقاعدة المعلومات عن المجموعات «السلفية الجهادية» المتطرفة في لبنان، وهو ما مكّنها من إلقاء القبض على ماجد الماجد أواخر العام 2013 وعلى مسؤولين آخرين عن هذه المجموعات كانوا مرتبطين بالتفجيرات الانتحارية منذ صيف العام 2013 كما استطاعت هذه الأجهزة أن تحصر الملاذات والحواضن «الجهادية» على الرغم من أنها تلتجئ إلى الأحياء السكنية الشعبية السنية في المدن اللبنانية والمخيمات الفلسطينية.
معركة عرسال
اعتقل الجيش اللبناني يوم الثاني من أغسطس (آب) العام 2014 قيادياً في «الدولة الإسلامية» يدعى عماد أحمد جمعة، كان سابقاً من كوادر «جبهة النصرة»، لكنه أعلن بيعته لـ «الدولة الإسلامية» في أعقاب إعلان البغدادي خلافته في 10 يونيو (حزيران) العام 2014 وجمعة هو من مدينة القصير السورية، ويعتبر من القادة الميدانيين في القلمون، وتزعم «لواء الفجر» قبل إعلان انضمامه لخلافة البغدادي.
ويقال إن عماد أحمد جمعة كان في بداية العام 2012 من بين المجموعة الأولى التي حملت السلاح في القصير لقتال النظام السوري، ويُتهم بالمشاركة بعملية اغتيال الرئيس السابق لفرع المخابرات العسكرية في القصير العقيد سليم عطية في سبتمبر (أيلول) العام 2012 وقد عمل في صفوف كتيبة الفاروق، ومن ثم استلم مسؤولية فصيل في جبهة النصرة، وانسحب ضمن الدفعة الأولى التي غادرت القصير إلى جبال النعيمات، ليسكن بعدها في عرسال وفي مخيم النور للنازحين السوريين الذي نصب في جوارها. وقد تولى جمعة مسؤولية جديدة بتزعم الفصائل المسلحة في القلمون مع بدايات معركة يبرود، ومكّن زعامته على الفصائل في القلمون بعد معركة خاضها مع أنصار أحمد أبو السوس، وحصل بعدها على البيعة لتنظيم «داعش» وزعيمه أبي بكر البغدادي، وحصلت البيعة في وادي الميرة.
وفي أعقاب اعتقاله، اندلعت الاشتباكات في هذه المنطقة الحدوديّة بين لبنان وسوريا، بعدها هاجم مقاتلو «الدولة الإسلامية» و«جبهة النصرة» حواجز ومواقع الجيش اللبناني في عرسال، فسقط أكثر من عشرين شهيداً من القوى المسلّحة اللبنانيّة، فضلاً عن تمكّن المسلّحين من أسر 42 عسكريّاً لبنانيّاً، 22 من الجيش و 20 من قوى الأمن الداخليّ. بعدها، بدأت المعارك العسكريّة بين الطرفين.
كما بدأ التفاوض بين الحكومة وقيادة الجيش من جهة، وبين المسلّحين من جهة ثانية، عبر مجموعة من المشايخ السلفيّين. وليل 7 أغسطس (آب)، أقرّت التسوية التي قضت بانسحاب المسلّحين من عرسال إلى جرودها، الواقعة ضمن الأراضي اللبنانيّة، مع السماح لهم بنقل العسكريّين اللبنانيين الأسرى التسعة والثلاثين، بعدما كانوا قد أطلقوا ثلاثة منهم أثناء التفاوض.
وجود حزب الله
جاءت هذه التطورات بعد مقتل العشرات من تنظيم «الدولة الإسلامية» ومجموعات «جهادية» أخرى في القلمون على أيدي حزب الله وسيطرته على «تلة موسى» عند الحدود اللبنانية، والتي تفصل جرود فليطة عن جرود بلدة عرسال، والتي تعتبر موقعاً استراتيجياً إذ إن السيطرة عليها تعني السيطرة على جرود عرسال. وقدرت أعداد «الجهاديين» السوريين والأجانب في هذه الجرود بين خمسة آلاف و12 ألفاً، حيث انضم مزيد من المسلحين في جبهة النصرة وغيرها من التنظيمات إلى تنظيم «الدولة الإسلامية» مؤخراً.
*خلاصة من دراسة هيثم مزاحم، ‘تبلور الداعشية في لبنان’، المنشور ضمن الكتاب 92 (أغسطس 2014) ‘داعش: الأفكار التموين الإخوان’ الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي

مركز بيروت.

اخر المقالات