مقاربة أمنية مخابراتية في مورفولوجيا الخليةالإرهابية داعش والقاعدة كمثال

مقاربة أمنية مخابراتية في مورفولوجيا الخليةالإرهابية داعش والقاعدة كمثال

اعداد: حلمي مليان، خبير شؤون الأمن والمخابرات

المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

لنتفق أولا على أن الإختلاف بين الخلية الإرهابية الداعشية والخلية الإرهابية القاعدية هو إختلاف في الزمان والمكان وساحة المعركة والتقنيات والعقيدة ونقاط الضعف والقوة .تلك هي جملة الإختلافات الموضوعية والعلمية المؤسسة لدراسة كلا الظاهرتين من منضور أمني أو عسكري يتقاطع فيه النفسي بالإجتماعي بالعقائدي وحتى الجيوسياسي .

هيمنت القاعدة على مسرح الأحداث الأمنية والإرهابية في العالم منذ حادثة ضرب الأبراج في 2001 ولعشرية كاملة إلى موفى 2011 وكان مسرح الحرب الرئيسي العراق وأفغانستان بدرجة أولى إلا أن التنظيم إنتشر عالميا في كافة القارات وإستقر في شكل خلايا نائمة في عقر العمق الحضري الأوروبي.وواجه تنظيم القاعدة قوات الناتو مواجهات تقليدية  في جبال أفغانستان وفي الميدان الحضري ونصف الحضري بالعراق كما واجهها بطرق غير تقليدية  في كلا البلدين عن طريق عمليات القنص وزرع العبوات الناسفة التي أرهقت وإستنزفت بشريا وتقنيا قوات التحالف في العراق. الخلية القاعدية لها مورفولوجية معينة من حيث التصميم والهيكل والضعف والقوة في مرحلة الكمون أو النوم وكذلك أثناء العمل العسكري مع العدووكذلك الشأن بالنسبة للخلية الداعشية ونسخها المتعددة والمختلفة من سوريا والعراق إلى تونس وليبيا وصولا إلى الحواضر الأوروبية .

* عامل الاستقطاب الإيديولوجي والأجندة السياسية

تقريبا نفسه بين الإثنين ،مراجعة التراث الإسلامي الأكثر تشددا وتطرفا أمثال إبن تيمية بالنسبة لداعش مع إلتزام أكثر بخط الزعامة وأدبياتها وأعلى هرمها (بن لادن)
بالنسبة للقاعدة .ويشترك الإثنين في إستغلال الفضاء الديني والفضاء الإفتراضي الإلكتروني إلا أن داعش إستفادت أكثر من إزدهار شبكات التواصل الإجتماعي من كثرة وتنوع وإختلاف وجودة خدمات وكأسلوب حياة مشترك بين الشعوب بالإضافة إلى تقنيات التشفير وأساليب الإتصالات المشفرة  لتأمين الإتصالات وكذلك إعلان البيعة ومبايعة أمير التنظيم البغدادي علنا في فيديوات قصيرة تنشر في وقت قياسي وتنال إعجاب مرشحين جدد للإلتحاق بالتنظيم .ويبقى الهدف من مشروع  الإثنين واحدا مع إختلافات لا تمس جوهر الموضوع بين مشروع خلافة عالمية كونية عند القاعدة وخلافة على منهاج النبوة عند داعش…بين الجهاد كأسلوب عمل  بالنسبة للقاعدة وجهاد أكثر دموية ووحشية وتدميرا بالنسبة لداعش أعتبر شخصيا أبومصعب الزرقاوي أبا روحيا له وأبا روحيا لمشروع قيام الدولة الإسلامية في العراق والشام داعش في سنوات 2006/07 بالعراق .حيث إختلف وأستهجن كل من زعامات القاعدة بن لادن والظواهري أفعال وجرائم الزرقاوي أنذاك ضد العراقيين, حيث أستلهمت أدبيات الزرقاوي وطرق عمله الدموي في بدايات قيام داعش 2011/12.

* التنميط أو التشخيص Profiling :

تبدو الخلية القاعدية وللوهلة الأولى من ناحية العمروالجنسية والعرق والإثنية ذو صبغة أكثرعالمية وواسعة الإمتداد ويلاحظ نوع من الود والإنسجام والإحترام المتبادل بين لأفراد مع مراعاة عوامل الأقدمية والإنضباط وتسلسل القيادة.وعلى العكس من ذلك تماما الخلية الداعشية أكثر إنغلاقا عندما تكون بالميدان الحضري حيث تغلب الإعتبارات المناطقية والقبلية والجهوية واللغوية أولا في نسج الثقة بين العناصر وبناء بروتوكولات الود والتفاهم وصولا إلى التفاني والتضحية في القيام بالمهمة الجهادية.وتعطى أهمية بالغة لهذه الإعتبارات خاصة عند الخلايا التونسية العاملة بأوروبا وشبكاتها اللوجستيةوخلايا الدعم و كذلك عند المجموعات  الليبية المقاتلة في سوريا حيث يعتمد هذين النموذجين في أساليب التواصل على مصطلحات وتعابيرومفردات قبلية وإثنية يصعب فكها وترجمتها لمن لا ينتمي لنفس البيئة والخلفية الثقافية وهو ما يعتبر كحاجز ثقافي يؤمن عدم التجسس والإندساس الإستعلامي والمخابراتي داخل الخلية.

*الميزانية والموارد الموازية :

تتمتع الخلية الداعشية بسيولة أكثر من العملة المحلية والعملات الأجنبية تتجاوز سقف 10.000 دولار أمريكي للفرد الواحد في الشهر سواء كان عنصرا محاربا أو عنصر لوجستيك أو عنصر خلية نائمة .مع تعزيز القدرة النقدية بروافد أخرى  مثل الذهب والحلي  من خلال تجريد النساء منه في سوريا أو مداهمة محلات الصاغة وإختطاف صانعي المصوغ في ليبيا كما يعزز تنظيم داعش موارده عن طريق التهريب والإتجار في تهريب البشر والتجارة الموازية كما هو الحال في تونس وليبيا.وتختلف الخلية القاعدية في إدارة الشأن المالي إذ إعتمدت في العشرية التي تلت 2001 على تبييض الأموال والشركات الوهمية والشركات الواجهة وإستعمال التحويلات والنقد الإلكتروني والتلاعب ببطاقات الإئتمان البنكية التي يحصل عليها من خلال المعاملات مع شبكات الإجرام الدولي والمافيات العالمية .وينزل السقف إلى ماتحت 10.000دولارا أمريكيا كسيولة متاحة للعنصر القاعدي وهو لا ينفق بسخاء على مظهره وأسلوب حياته مثل العنصر الداعشي .

* استخدام العقاقير المخدرة والأمفيتامينات للاستهلاك الشخصي ولكسب المال:

تاريخيا عرف مقاتلو طالبان بإستهلاك الأفيون والهرووين كجزء من الثقافة الأفغانية إلا أنه عرف عن الدواعش إستهلاك الحشيش كثيرا وكذلك ما عرف بحبوب الهلوسة في ليبيا وسوريا .أما في داخل الخلية القاعدية فيحجر إستعمال المخدرات إلا أنه يمكن الإتجار فيها لكسب المال ومغالطة الأجهزة الأمنية فينزل تصنيف المشتبه به من درجة الإرهاب إلى درجة المنحرف والمجرم العادي ويصبح محل نظر عون بوليس عديم الخبرة بعد أن كان في منظار رجال المخابرات المتمرسين.

*الإتصال والتواصل ،الانضباط والتسلسل الهرمي:

الخلية القاعدية في غالبيتها مع بعض الإستثناءات تتبع نظاما عسكريا واضح المعالم في بنيتها وتركيبتها كتيبة أو سرية صغيرة الضابط أو المسؤول الأول والثاني في الرتبة والمساعدون إلخ…وقائد الخلية القاعدية له سيطرة تامة على منتسبيها رجالا ونساءا وهو محل طاعة وإحترام وبإمكانه فرضهما بالقوة وصولا إلى قتل وتصفية عنصر منتسب للخلية إذا تصرف تصرفا يضر بأمن وسرية الخلية بعد الرجوع إلى قيادات عليا وإلى كوادر الإستقطاب والدعوة وأخذ الفتوة منها.

على العكس من هذا تماما تسير الأمور داخل الخلية الداعشية ,إذ يغيب مفهوم الصرامة والإنضباط وتشهد بعض الخلايا نوعا من الفوضى يعجل بوقوعها في قبضة المخابرات ,إذ يغيب التواصل الجيد بين أفرادها وينعدم الإحترام ويقع تبادل للعنف اللفضي الذي سرعان ما يتطور إلى إشتباك بالأيدي ثم السكاكين وأخيرا إشتباك خفيف بالأسلحة الفردية في سوريا وليبيا مثلا على خلفية عدم إحترام نساء الأمير.وتنحدر العلاقة بين أفراد الخلية إلى درجة الجفاء والكره المتبادل والبحث عن التموقع داخل خلية أخرى تكون الأقرب أنتروبووجيا وثقافيا للعنصر حسب ما أسلفت الذكر في مقدمة الموضوع.وبإمكان قائد الخلية الداعشية قتل وإعدام أي عنصر بدون الرجوع إلى قيادات عليا أو أخذ الفتوى ويحدث أيضا أن يقتل على يد عنصر من خليته أيضا وهذه الفوضى التنظيمية لدى داعش ترجع أولا إلى وفرة المخزون البشري الشبابي وإستحالة تأطيره والسيطرة عليه كليا.كما أنا شخص أبو مصعب الزرقاوي وسيرته يحيلاني إلى صورة الزعيم الداعشي الدموي والفوضوي وعديم الحيلة والقرار في إدارة شؤون مقاتليه.
*تصميم الخلية بنيتها وهيكلها :

في مجملها إن لم نقل كلها موجودة،متوفرة،واضحة ومميزه على مستوى الخلية القاعدية والعكس هو السائد بالنسبة للخلية الداعشية حيث لا تتضح المعالم ويسود نوع من الفوضى الهيكلية والبنيوية  خاصة بالمدن الأوروبية حيث أن بعض الخلايا أشبه بعصابات الجريمة ومنحرفي الشوارع  إذ لا يمكن دراستها تنضيميا لامن منظور عنقودي ولا دائري ولا هيكلي ولاحتى هرمي…أما فيما يخص ظاهرة الذئاب المنفردة فأنا أختلف كليا مع نظرائي من خبراء شؤون الأمن والإرهاب والمخابرت .فهجومات الذئاب المنفردة ليست بموضة داعشية بل هي ممارسة وأسلوب دعى إليه منظرو القاعدة وواضعي إستراتيجيتها الجهادية منذ 2004
*  الميزة الجديدة التي تتيحها الشبكات الاجتماعية : ظاهرة البيعة على الهواء مباشرة لأمير داعش من خلال بضع دقائق لاحسب هي بمثابة التشويق والفرجة ومادة إعلامية دسمة للمكلفين بالإستقطاب والتأثير في المترشحين للإلتحاق بصفوف التنظيم وكذلك تقنيات التصوير ثلاثي الأبعاد لعمليات القتل والذبح لم تكن متاحة للقاعدة قبل .إلا أن الشبكات الإجتماعية أيضا مكنت رجل المخابرات من الحصول على كنز من المعلومات الرقمية وعن محيط الإرهابي وحياته اليومية.

* الحس الأمني والمحافظة على السرية والتفطن إلى أساليب المراقبة المخابراتية:

تتفوق الخلية القاعدية بإمتياز في الحس الأمني وفي المحافظة على سرية الوجود  والعمل وهي الأذكى والأدهى والأصعب في مراقبتها والتعامل معها والأصعب من ناحية إختراقها تلك هي خلاصة 10 سنوات من العمل الميداني مع 200 خلية قاعدية نائمة في لندن والعشرات الأخرى في الحواضر الأوروبية .فعناصر القاعدة ذو قدرات محترمة في التفطن إلى المراقبة اللصيقة والمتابعة البوليسية ويختفون من شاشات الرادار المخابراتي اليوم في لندن أو باريس أو هامبورغ ليضهرو بعد يومين في أسواق مراكش أو هونغ كونغ ثم يعودون من جديد في اليوم الموالي ويفتعل أحدهم خصومة في الشارع لينام ليلته في مخفر قيد الإيقاف ليوهم مراقبيه بأنه لا يزال حبيس شاشتهم.كما تفشل الخلية الداعشية في البقاء في حالة كمون ونوم لفترات أطول بسبب قلة الإنضباط كما أسلفت ولعدم القدرة على التأقلم مع محيطها الإجتماعي والعملياتي فعوض الإنغماس فيه والذوبان والإنصهار  مثل ماتفعل الخلية القاعدية تتحول إلى الخروج عنه  والإنكشاف تماما …إذ يتمتع العنصر القاعدي بقدرة وملكة على تقبل الإستفزاز النفسي والإختبار المخابراتي في حين يستجيب العنصر الداعشي بعنف وعدوانية كبيرين.
Intelligence jargon :blending in- standing out from the corwd –blowing his cover
* التسلل والإختراق البوليسي والمخابراتي Undercover operation /infiltration

الخلية الداعشية أضعف بنيويا وتنظيميا وأقل حرفية ويسهل إختراقها وتوجيهها عن بعد وتحييد مسار هدفها نحو هدف مستحدث وحتى وهمي وقد إتضح هذا خلال عمليات الجيش المصري بسيناء وعمليات الطائرات بدون طيار في ليبيا والعمليات الخاصة الروسية في سوريا وبعض الإيقافات في صفوف داعش في تونس.

الكاتب،حلمي مليان

 

اخر المقالات