مفهوم الوسطية بين الالتباس وأوهام الاعتدال في أطروحات الجماعات التنظيمية السياسية

 

baba picمفهوم الوسطية بين الالتباس وأوهام الاعتدال في أطروحات الجماعات التنظيمية السياسية

  بقلم ـ  د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب
أستاذ بجامعة أم القرى بمكة
الوسطية منهج وليست مجرد فكرة أو مجرد شعار يرفع ، واقترن مفهوم الاعتدال بالوسطية ، ولكن عندما أعيد إنتاجهما أعيدا من دون بلورتهما ومن دون تحديد مضمونهما ، خصوصا حينما يتحول إلى خطاب لدى كثير من الجماعات التنظيمية وأتباعهم من المفكرين والمثقفين .
لذلك ظلت الوسطية والاعتدال لدى كثير من الجماعات التنظيمية السياسية ، وحتى لدى شريحة كبيرة من المجتمعات هي أقرب إلى شعار عام الجميع يردده من دون مضمون ومن دون تحديد ، والأخطر من هذا حينما تربط الوسطية والاعتدال بأشخاص.
انتاب فكرة الوسطية والاعتدال خصوصا لدى الجماعات التنظيمية غموضا والتباسا  في خطابها العمومي من أجل أن تحل تلك

التنظيمات والجماعات بديلا عن الجماعات الجهادية التي تريد التغيير بالعنف ، وترى تلك الجماعات التنظيمية التي ترى في نفسها بأنها معتدلة يجب أن تحل محل الأنظمة خصوصا بعدما تبنت في فكرها الديمقراطية كطريق للوصول إلى السلطة ، وهناك أمثلة حية مثل المالكي والبشير اللذين يرفضان التخلي عن السلطة لصالح التداول السلمي الذي أتى بهما إلى السلطة .

دعم تلك التنظيمات بحث الولايات المتحدة عن إسلام سياسي معتدل ، فوجدت بغيتها في تلك التنظيمات ، وراهنت عليها ، وقبلها راهن عليها جمال عبد الناصر ووصل في ثورة يوليو 1952 عبر تعاونه مع قيادات جماعة الإخوان ثم تخلى عنهم بعد تثبيت سلطته ، وهو ما تحاشاه الجيش المصري في ثورة يناير 2011 في مصر .
ووصلت جماعة الإخوان المسلمين إلى السلطة ، ولكن الجماعة فشلت في الحكم ولم تنجح في تحقيق المشاركة وحاولت أن تستأثر بالسلطة ، ولم تنجح في التحالف مع الجيش ، مثلما نجح جمال عبد الناصر في الوصول إلى السلطة على أكتاف قادة الإخوان .
فوجد الجيش فرصته حينما حدثت انتفاضة شعبية ضد الإخوان ، فاستلم الجيش الحكم مرة أخرى بدعم سعودي إماراتي ، وتشكيل تحالف جديد يقف في وجه تلك التنظيمات التي أثبتت فشلها ، ووقف الجيش في وجه الولايات المتحدة بعدما وجدت بغيتها في تلك التنظيمات وراهنت عليها بحجة مواجهة الإرهاب بعد أن اكتشفت أن الحكومات الاستبدادية غير قادرة على اجتثاث الإرهاب ، ولكن يمكن أن تكتشف الحقيقية بأن الوضع بعد الثورات التي أزاحت نظم الحكم الشمولية في ليبيا وفي اليمن وفي العراق توسع الإرهاب وتحولت تلك الدول إلى دول فاشلة تعاني من الانقسام  .
واكتشف المجتمع المصري أخيرا أن تلك الجماعات التنظيمية جماعات دعوية أكثر منها سياسية ، فلم يعد الرهان كما كان على إسلام سياسي صالحا بأن يتبوء السلطة ، كما كانت تطمح له الولايات المتحدة ، قد يحتج البعض بنجاح النموذج التركي ، ولكنه نموذج مختلف استطاع أن يتحالف مع العلمانية ، وهو ما ترفضه النسخة العربية ، بل ورفضته حينما زار أردوغان مصر زمن الرئيس مرسي وعرض عليهم النموذج التركي للخروج من مأزقهم ، ولكن رفضته الجماعة .
البديل عن تلك التنظيمات وعن تلك الجماعات اللجوء إلى تعزيز المؤسسات الدينية والثقافية ومؤسسات المجتمع المدني ، كمؤسسة الأزهر الشريف ، وتعزيز دورها الريادي حتى تعبر عن الوسطية والاعتدال ، لكن بشرط أن تصبح مثل تلك المؤسسات وغيرها بعيدة عن مؤسسة الرئاسة وسلطة الدولة حتى لا تضعف مصداقيتها .
فالرهان على التنظيمات التي ترفع شعار الاعتدال والوسطية ، لا يختلف عن الرهان كذلك على الجماعات الجهادية المتطرفة مثل القاعدة وداعش والتي تستخدمها الدول في تنفيذ مخططاتها ، مثلما استخدمت الولايات المتحدة القاعدة في دحر الاتحاد السوفيتي في أفغانستان وفرضت على دول الخليج مساندتهم ، والاستعانة اليوم بالجماعات الجهادية ضد بشار الأسد والاستعانة بداعش ضد المالكي ، فستنقلب تلك الجماعات ضد بلدانها بسبب أنها تتبني أفكار متطرفة ، أو بسبب أنها ترفع شعارات الوسطية والاعتدال ، وقد تكون غير قادرة على ممارسة الحكم ، وإن كان هناك نموذج أثبت نجاحه مثل نموذج الحكم في تونس عندما أخذ الغنوشي العبرة من فشل إخوان مصر واتجه إلى إقامة تحالف ومشاركة مع بقية الكيانات السياسية الأخرى في تونس ، بدلا من إقصائها مثلما مارسته جماعة الإخوان المسلمين في مصر ، والمالكي في العراق .
هناك كثير من المفكرين ممن راهنوا على التنظيمات والجماعات السياسية، وطالبوا بدمجهم في الحيز السياسي العام ،وإتاحة الفرصة لهم للتفاعل والاحتكاك بما يؤديان إلى تطور فكري وتنظيمي في صفوفهم سعيا إلى محاصرة العنف ، وشهدت كثير من العلاقات في مصر بين جماعة الإخوان وقوى المعارضة مزيجا من الصراع والتعاون ولكن يبدو أن مثل تلك المراهنة انخفضت وتلاشت خصوصا بعد فشل جماعة الإخوان المسلمين النجاح في التجربة في أكبر بلد عربي .
فالتباس مفهومي الوسطية والاعتدال الذي يتحول إلى أوهام ، خصوصا فيما يتعلق بالمفاهيم السياسية والاستراتيجية التي تختلف من وقت لآخر ، ضمن متغيرات دولية وإقليمية متسارعة الذي يصعب معه تحديد مستوى هذا الاعتدال أو حتى تعريفه بدقة .
فما هي الوسطية إذا ؟ فكما جاء بها القران الكريم ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) فالكل يستمد شرعيته من هذه الآية الكريمة.
ولكن تظل هذه الشرعية التي استمدوها من هذه الآية مفهوم ما بين عام مبالغ في العمومية وغائم يفتقد للوضوح ، والوسطية يجب أن تكون فكريا وفقهيا ، ولكن ما هي حدود هذه الوسطية ؟ ، فالبعض يوضح بأن الوسطية هي جامعة دون أن يوضح ما الذي تجمعه على وجه التحديد ، والوسطية لا تعني فقط التخلي عن العنف ونقد العنف.
مشكلة الجماعات والتنظيمات السياسية تهتم بالتنظيم السياسي بشكل أكبر من الفكري والفقهي بل وإن اهتمت به فهي توظفه للتنظيم وليس للدعوة ، حتى يعتقد البعض أنها تصادر الدين لصالح التنظيم من أجل تسهيل نموها تحت ستار الدعوة الدينية وهو غموض مقصود من أجل جذب أكبر عدد ممكن من الشعوب ليس فقط المصري بل والعربي والمسلم والعالمي حتى توظفهم وقتما تشاء، وعدم اهتمامها بالمسألة الوطنية هو الذي أخاف دول الخليج عند وصول جماعة الإخوان المسلمين في مصر خوفا من التحالف مع إيران ضد دولهم .
فأصبحت مثل تلك الجماعات والتنظيمات ليست إلا تنظيمات سياسية ، تسعى فقط للسلطة ،لأن كثيرا منهم يرى أن فكرة الدولة الوطنية فكرة وافدة ارتبطت بالغزو الاستعماري للبلاد العربية التي ارتبطت بعهد ما بعد الرحب العلامية الأولى باتفاقية سميت بسايكس بيكو التي يجب مواجهتها ، لذلك كثير منهم يؤمن بتحقيق دولة الخلافة على أنقاض الدولة الوطنية القائمة على مبدأ سيادة الشعب .
فالوسطية والاعتدال هما منهج وفطرة ونمط حياة تختلف بحسب التوجهات والمفاهيم ، وسطية فكرية وفقهية تكسب فضائل التسامح والحوار والتوافق والتفاعل البناء ، وليس توجها سياسيا أو أيديولوجيا مثلما تتبناه كثير من التنظيمات والجماعات السياسية.
يجب أن نعترف بأن ظاهرة العنف في المجتمعات العربية والإسلامية جزءا من معضلة أوسع ترتبط بمحدودية المشاركة السياسية ، ومع غياب الحوار بين مكونات الدولة استثمرتها التدخلات الخارجية استطاعت أن تهدد الأمن الوطني والعربي .
 
                Dr_mahboob1@hotmail.com

اخر المقالات