مفهوم التكفير والعنف في الدين الاسلامي الحنيف

مفهوم التكفير والعنف في الدين الاسلامي الحنيف

المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

إعداد: فضيلة الشيخ منصور الرفاعي عبيد، داعية إسلامي

مفهوم التكفير

الكفر في اللغة – الستر – والعرب يسمون الليل كافرًا لأنه يستر بظلامه كل شيء – وفي الشرع – هو عدم تصديق النبي – أي نبي في زمان بعثته – وفي زماننا هذا من لم يصدق بسيدنا محمد . أو أنكر رسالته – أو أنكر القرآن الكريم أو أنكر أي معلوم من الدين بالضرورة. فمن أنكر رسالة نبي من الأنبياء المذكورين في القرآن أو أنكر بعض الكتب السماوية فقد كفر – بقول الله سبحانه آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير(1) ، فالكافر محجوب عن النور– غطاه الظلام وطمس على قلبه وصدق فيهم قول الله سبحانه وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ(2) .

أنواع الكفر

الكفر ينقسم إلى أقسام أهمها:

1- كفر يتعلق بالعقيدة: وهو الكفر الأكبر أو الحقيقي – أو الأصلي وهذا الكفر يخرج عن ملة الإسلام. وأحيانًا يعبر عنه بالظلم – لقول الله سبحانه إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ(3) وهذا الكفر يؤدي إلى الخلود في النار وغضب الله سبحانه لأن الله – أرسل رسله هداة مرشدين. وأنزل عليهم الكتب بين الله فيها الحلال من الحرام ونهانا عن الكفر والظلم والفسوق والعصيان. وهذا الكفر لم يسبقه إيمان. وواجبنا أن ندعوهم إلى الإسلام. ونبين لهم أن هذا الكون لم يخلق عبثًا ولا لعبًا. وأننا نحن البشر لنا رسالة – أهمها – أن نعرف الله – ونعبده. ونؤمن به وبما أرسل من الرسل. وأنزل من الكتب. ونؤدي ما فرض الله علينا ونعترف باليوم الآخر وبالأنبياء والملائكة. إن الإيمان بالله – وعدم الكفر به. يجلب السعادة للإنسانية لأن الله مالك الملك. ومدبر الأمر وهو على كل شيء قدير. ولكي نعرفه أرسل إلينا الرسل ليعالجوا الخلل الاجتماعي في العقيدة وعلاقة الإنسان بأخيه الإنسان.

عَلاَمَ يُبْنى هذا الكفر

يبنى كفر العقيدة على:

1) الجهل- الذي يؤدي إلى التكذيب – فالكافر على بصره غشاوة فلم يبصر النور الإلهي. ولم يبصر الحق ولجهله فهو يُكذّب كل الحقائق التي تتعلق بالدين – وقد أشار القرآن إلى ذلك في قول الله سبحانه بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ(4) وقوله سبحانهالَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ(5). وهؤلاء لو استعملوا عقولهم لهدوا إلى الحق.

وآمنوا بما بعث الله به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم خاتم رسله. وبمعجزته الدائمة الخاتمة لكتب السماء وهو القرآن الكريم . ثم إن رسالته عالمية لا تحددها حدود لأنها للعالم أجمع.

2) كفر التكبر وعدم الانصياع إلى الحق رغم وضوحه – فمثلا عندما أمر الله الملائكة أن تسجد لآدم – سجدوا إلا إبليس – تكبر ورفض الأمر الموجه الى الجميع وهو منهم من الله – بل قالقَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ(6) يقول الحق سبحانهوَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ(7) وهذه ركيزة – التكبر وعدم الانصياع إلى الحق يؤدي ذلك إلى الكفر – لذلك علينا أن لا نتكبر لأن الكبرياء لله وحده. ثم إن من تواضع لله رفعه – وعلينا أن نتمسك بالحق وننصاع إليه. ولا نجادل – الجدل العقيم الذي لا فائدة من ورائه. وإنما ندعوا إلى الحوار الهادف بهدوء وعدم تعصب لباطل لأن من ترك الجدال وهو محق بني الله له بيتًا في ربض الجنة. كما جاء عن سيدنا محمد  في الحديث الشريف.

3) كفر المنافقين. والمنافق هو من يقول بلسانه ما ليس في قلبه فهو ينقاد ظاهرًا مرائيًا للناس. لكن في حقيقة الأمر يعلن عصيانه لله ولرسوله يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ(8) والمنافق أخطر من الكافر- لأن الكافر معروف – أما المنافق فهو مخادع مراوغ يعيش على أنه من المسلمين وهو ليس منهم ويلتحم بالسفهاء أمثاله ويقول أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ(9).

4) كفر سبقه إيمان – وصاحبه يسمى مرتدًا وإلى هذا أشار الحق سبحانه وتعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ (10).

كفر أصغر لا يخرج عن الملة

ما قدمناه كفر يخرج عن الملة – ومن يمارسه يخلد في النار في الآخرة – وإذا مات لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين. يأتي بعد ذلك كفر أصغر – ويسمى كفر مجازي ويقال لمن يرتكب بعض الأعمال السيئة – ويأتي بأشياء تضعف إيمانه من ارتكابه المعاصي. يحاسب عليها أمام الله ويناله نصيب من العذاب إلا إن تاب وقبل الله توبته وغفر له. وهذا مثل ما قاله الرسول  ” لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن. ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن – ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن”(11) وكقوله عليه الصلاة والسلام ” يا معشر النساء تصدقن وأكثرن الاستغفار فإني رأيتكن أكثر أهل النار – فقالت امرأة منهن جزلة – وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار – فقال  تكثرن اللعن.

وتكفرن العشير”(12) وفي حديث آخر. يقول رسول الله  “ورأيت النار فلم أر كاليوم منظرًا قط ورأيت أكثر أهلها النساء – قالوا يا رسول الله بم؟ قال بكفرهن – قيل أيكفرن بالله؟ قال – يكفرن العشير. ويكفرن الإحسان. ولو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئًا. قالت ما رأيت منك خيرًا قط”(13) وإلى هذا أشار الحق سبحانهمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ(14) والله سبحانه وتعالى فتح بابه للتائبين – النادمين على ما فعلوا من معاصي فهو سبحانه القائلإِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً(15) لهذا فإن على المسلم أن يطهر لسانه ويحفظ عينيه ويعلم أن الله رقيب عليه. مطلع عليه. شاهد لكل أعماله. عليم بما في قلبه.

ولذلك حذرنا رسول الله  من بعض الأمور مثل “سباب المسلم فسوق. وقتاله كفر” (16) فهذا محمول على الكفر الأصغر. لهذا علينا أن نتنبه لذلك من هنا وجب علينا أن نحافظ على كلامنا وأن نعلم أن أكثر ما يكب الناس على وجوههم في جهنم حصائد ألسنتهم.ويقول رسول الله  ” ليس منا ذو حسد. ولا نميمة. ولا كهانة. ولا أنا منه. ثم تلا رسول الله  وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً(17).

ويقول عليه الصلاة والسلام ” كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه”(18) ويقول عليه الصلاة والسلام لرجل سأله فقال – يا رسول الله – ” كل ما نتكلم به يكتب علينا؟ قال. ثكلتك أمك. وهل يكب الناس على مناخيرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم. إنك لن تزال سالمًا ما سكت. فإذا تكلمت كتب لك أو عليك “(19) إن العاقل هو الذي يملك لسانه. ولا يسب أي إنسان ولا يرمي غيره بكفر ولا يسب الدين. ولهذا يقول رسول الله  “عليك بحسن الخلق. وطول الصمت. فو الذي نفسي بيده ما عمل الخلائق بمثلهما”(20) ويقول عليه الصلاة والسلام “إن العبد يتكلم بالكلمة ما يتبين ما فيها يزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب”(21) فأحفظ لسانك. وابك على خطيئتك حتى تسعد في الدنيا وتفوز في الآخرة برضوان الله الذي لا يضيع أجر من أحسن عملاً…

ماذا لو قلت لصاحبك أو لآخر يا كافر؟

إن من يحكم على أي مسلم بالكفر. أو قال –يا فاسق– أو سب الدين– أو قال – يا مجرم – وهذا الشخص الذي قيل له ذلك ليس فيه أي شيء من ذلك – فقد وقع القائل تحت وعد شديد – وَرُدَّت عليه الكلمة وأصبح هو كما قال – فقد دلت التوجيهات الإلهية والأحاديث النبوية على ذلك – والأدلة على ذلك من القرآن الكريم.

1) بقول الله سبحانه وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ(22) وتأمل هذا النهي من رب العالمين – لا تلعن من يعبد غير الله – لأنك إن لعنته. تطاول على الذات الإلهية فأنت تبوء بهذا الذنب العظيم – لأنك أنت السبب ويقول سبحانهوَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً(23).

2) ومن السنة النبوية – فقد قال رسول الله  “إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما. فإن كان كما قال وإلا رجعت عليه”( 24) وفي رواية أخرى “ومن رمى مؤمنًا بكفر فهو كقتله”(25) وفي رواية أخرى “ومن قذف مؤمنًا بكفر فهو كقتاله”(26) تكفير المسلم أمر خطير. لأنه يترتب على ذلك ما يأتي:

1- حل دمه وماله بأمر الحاكم بحيث يرفع الأمر إليه – أما الجمهور فلا سلطان لأحد عليه -حفاظًا على الروابط الاجتماعية. والعلاقات الإنسانية.

2- التفريق بينه وبين زوجته- بأمر القاضي الذي يفوضه الحاكم.

3- قطع ما بينه وبين المسلمين من علاقات فليس له وصاية على أولاده- فلا يرث، ولا يُورث من مسلم قريبه ولا يكون وليًا على أولاده المسلمين.

4- إذا مات لا يغسل. ولا يكفن – ولا يصلى عليه. ولا يدفن في مقابر المسلمين. فإذا ثبت الحكم وهو غير صحيح من القائل.

فالأضرار والمفاسد التي ستقع على الشخص المظلوم خطيرة جدًا. علاوة على تمزيق أواصر المجتمع الإسلامي. وغرس بذور الشقاق بين الناس. ويترتب على ذلك فتح الباب لإحداث الفوضى وشيوع الفساد ولقد حدد لنا رسول الله  بعض المفاهيم في تكفير الغير حتى نكون على بصيرة بعد أن وضح لنا الأمر لنكون على بينه ففي الحديث عن رسول الله  “من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذباً متعمدًا فهو كما قال. ومن قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة – وليس على رجل نذر فيما لا يملك – ولعن المؤمن كقتله. ومن رمى مؤمنًا بكفر فهو كقتله. ومن ذبح نفسه بشيء عُذّب به يوم القيامة”(27) ويقول عليه الصلاة والسلام “سباب المسلم فسوق. وقتاله كفر”(28) ويقول عليه الصلاة والسلام “إن اللعنة إذا وجهت إلى من وجهت إليه. فإن أصابت عليه سبيلاً. أو وجدت عليه مسلكًا وإلا قالت. يا رب وجهت إلى فلان. فلم أجد فيه مسلكًا ولم أجد عليه سبيلاً فقال لها. أرجعي من حيث جئت”(29) والخلاصة أن من رمى غيره بالكفر أو الفسق أو الإجرام فإن كان كذلك وإلا فإن من قال الكلمة تعود عليه هو فيكون كما قال يعنى هو الكافر. لذلك علينا أن نرتب الكلام قبل أن ننطق به. وأن علينا أن نؤدب أولادنا وبناتنا حتى لا ينطقوا بهذه الكلمة. ولو بالهزار أو اللعب أو الفضفضة ولنعلم أن الأدب. واحترام الغير فضلوه على العلم وقد قيل وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هموا ذهبوا أخلاقهم ذهبوا.

قائمة المصادر والمراجع

(1) سورة البقرة 285.

(2) سورة الأعراف 179.

(3) سورة لقمان 13.

(4 ) سورة يونس 39.

( 5) سورة غافر 70.

( 6) سورة الأعراف 12.

( 7) سورة البقرة 34.

( 8) سورة البقرة 9.

( 9) سورة البقرة 13.

(10) سورة المائدة 54.

(11) حديث متفق عليه .

(12) رواه مسلم.

(13) رواه مسلم.

(14) سورة فصلت 46.

(15) سورة النساء 48.

(16) رواه البخاري.

(17) رواه الطبراني.

(18) حديث متفق عليه.

(19) رواه الطبراني.

(20) رواه الطبراني.

(20) رواه البخاري.

(21) سورة الأنعام 108.

(22) سورة النساء 94.

(23) رواه البخاري.

(24) رواه البخاري.

(25) رواه البخاري.

(26) رواه البخاري.

(27) رواه مسلم.

(28) رواه البخاري.

(29) رواه أحمد.

فضيلة الشيخ منصور الرفاعي عبيد

اخر المقالات