مع الإرهاب في أوربا عودة لفهم التاريخ. بقلم بكر ابو بكر

مع الإرهاب في أوربا عودة لفهم التاريخ. بقلم بكر ابو بكر

مع الإرهاب في أوربا عودة لفهم التاريخ.

كتب، بكر أبو بكر، كاتب ومفكر عربي معني بالفكر وبشؤون الجماعات الاسلاموية.
المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات
  

لم يكن الإرهاب الذي ضرب المانيا لاحقا على “غزوة نيس” في فرنسا إلا استمرارا لمسلسل جديد من الارهاب ضرب فرنسا وبلجيكا تحديدا، ودول أخرى كما ضرب السعودية ومصر بعد أن استقر ب”دولته” وجماعاته المتعددة في سوريا والعراق ، ولكن الأشكال التي بدأت تتطور في طرق التعبير عن الارهاب تعطي دلالات جديدة وأبعادا تختلف عما سبقها ، فهي في بلاد العرب والمسلمين تأخذ شكلا وحشيا مرتبطا بالقتال المباشر والاشتباك والتفجير والفظائع، والانتحار، وتتخذ في البلاد الغربية أشكالا مولّدة تأخذ بالحسبان بث مستوى عالي من الخوف والرهبة وإيقاع أكبر قدر من الاصابات، مع الاستعراض الاعلامي القاسي الوطأة على الجمهور والحُكم معا.

الاستهانة بالآخر

لا يقوم بمثل هذه الأعمال البشعة إلا من درّب نفسه ووطنها على الاستهانة بالآخر، وإعدام الانسانية في قلبه والسخط على العالم الدنيوي في خرافة أنه إمام الحق والطائفة المنصورة الذي يحقق لذاته ولطائفته (حزبه) الخلود أو الجنان بالعالم الأخروي في ذات الوقت الذي يتخلص فيه من معاناة لها جذور اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية أو نفسية … يغذيها في هذا العصر قوة استخدام الاعلام الاجتماعي والفضاءات المفتوحة.
جال الفكر الإرهابي المتطرف عبر الجغرافيا والتاريخ منذ القِدم متنقلا بين مختلف الأديان والأيديولوجيات وحوادث الدهر والنفوس الفاسدة فاستمد مما سبق إرثا ضخما، وجعل من الجغرافيا البعيدة “قاعدة” ، وفي حالتنا الراهنة  اقترب أو ابتعد عن دين المسلمين بحسب أهداف كل تنظيم.

تواريخ فاصلة

في كل الأحوال لا يمكننا القفز “حديثا” عن تواريخ ثلاثة – هذا اذا تركنا التاريخ البعيد جانبا على أهميته – وهذه التواريخ تبدأ في العام 1979 عندما أصبح التحالف الغربي والعربي مع الاسلامويين حقيقة واقعة عبرت عن ذاتها عبر تعاون مشترك تم تعميده لدحر الدخول الروسي (السوفيتي) الى افغانستان، وما أن تم الأمر حتى تقاتل “المجاهدون” على تقاسم النفوذ والسلطة، وتقلبت الأفكار لدى (خدمات المجاهدين) بزعامة د.عبدالله عزام وجَنين “القاعدة” ما بين التوجه نحو حرب (العدو البعيد) (أي الغرب الكافر) ما كان فكرة أسامة بن لادن أو (العدو القريب) أي في أمة المسلمين وهي فكرة د.أسامة الظواهري، واختارت (قاعدة الجهاد) منذ العام 1996 بقيادة بن لادن أن تحارب الامريكان في انقلاب الحلفاء وانكشاف العورات وتعميق المصالح.

ومنذ الفتوى الشهيرة التي أصدرتها (الجبهة الإسلامية العالمية لقتال اليهود والصليبيين) التي قررت ((إن حكم قتل الأمريكيين وحلفائهم مدنيين وعسكريين، فرض عين على كل مسلم في كل بلد متى تيسر له ذلك، حتى يتحرر المسجد الأقصى والمسجد الحرام من قبضتهم. وحتى تخرج جيوشهم من كل أرض الإسلام، مسلولة الحد كسيرة الجناح. عاجزة عن تهديد أي مسلم وذلك وفقا لقول الله، ((وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً))، وقوله ((وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ))

منذاك أصبح التدخل الغربي الاستعماري (الكافر أو الصليبي حسب أدبيات الجماعات ، والاستكباري حسب أدبيات النظام في ايران) مدخلا للتحشيد والتعبئة ضد الغرب عامة وعلى رأسه أمريكا، وأضاف الزيت على النار وجود قواعده في الأراضي المقدسة (السعودية) أثناء أو ما تلى حرب استرداد الكويت، وتواصل ذلك منذ العام 2003 أي منذ الاحتلال الأمريكي للعراق.
لم يحتج العراقيون لسبب لكي يقاوموا الاحتلال ، فالوجه التدميري للقوات الامريكية المتحالفة مع قوى اقليمية انكشف بسرعة إذ لعبت على التناقضات العراقية الداخلية فأججتها وجعلت من العراق قِطعا ومِزقا يتناهبه الطغاة من اليمين واليسار ليصبح واقع الحال المزري عاملا أساسيا لقيام تحالفات ميدانية بين أعداء الأمس فيتم التأسيس بشكل مباشر أو غير مباشر لشكل جديد من التطرف والإرهاب.

التاريخ الثالث في العراق

التاريخ الثالث الذي شكل تطورا لدى هذه الجماعات في الفكر والممارسة، ارتبط باحتلال (تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام)”داعش” للموصل في العام 2014 بعد إعداد كبير أثر اقامتها سابقا ل”دولة العراق الاسلامية” عام 2006 ، هذا الاحتلال للموصل الذي أظهر ما أصبح “دولة الخلافة” (الدولة الاسلامية) التي تحفل بضرورة قيامها وطاعتها أدبيات هذه الجماعات (بل والجماعات المعتدلة سواء الاخوانية او السلفية التي تنادي بها) شكل صدمة للعالم قبل ان يشكل صدمة للحكام العرب وأمة المسلمين التي لم تتهيأ لمثل هذا النوع المستحدث من التطرف والإرهاب، رغم جذور عميقة كامنة وسياق كان من الممكن التنبه له والحذر منه.

لقد كان الغرب يبحث بعد انتهاء الحرب الباردة عن عدو فتفتق الذهن الاستعماري عن اختراع (الاسلام) عدوا، كما أشير في ذلك للرئيس “جورج بوش” الأب، وما أن أسهم بدعمه وتضخيمه إلا وارتد عليه فكرا لا يمت بصِلة للدين فلقد خرج المارد من القمقم وجاء متنكرا للوعي الجمعي الحضاري الذي مثل حقيقة الفهم المستنير للدين وليدخل في حرب مستعِرة سعى لها العقل الغربي الاستعماري دون أن يدرك حجم الارتدادات وخطورتها عليه.

الحرب ضد “الغرب الكافر”

في العلامة الفارقة الاولى عام (1979 – 1989) كان عنوان الحرب عندهم تحالف غربي (مسيحي) مع الاسلامي لدحر الكفار الشيوعيين (النفوذ السوفيتي حسب الفهم الامريكي) وسرعان ما انتقلت المعركة من الطرف الاسلاموي المتطرف لتصبح ضد “الغرب الصليبي” بعد أن انتهت المصلحة وزالت الموانع وافترق الحلفاء وكان ذلك منذ أصبحت (القاعدة) واقعا في حياة (المجاهدين) في افغانستان امتدادا للعالم منذ نشأتها في العام 1989.

في الحرب على العراق التي أدت إلى احتلاله عام 2003 لم تكن هذه التيارات الاسلاموية المتطرفة لتحتاج كثير مبرر لتنتقل معها ساحة المعركة مع أبو مصعب الزرقاوي من أفغانستان الى العراق (حيث يقبع العدو القريب مع البعيد)عام 2003 والذي مارس حربة ضد (الصليبيين) وضد المخالفين بالمذهب (المتطرفون من السلفيين الماضويين يدعون الشيعة بالرافضة في مقابل من يسميهم غلاة الشيعة النواصب قاصدين السنة) وبشكل لم تمارسه (القاعدة) من قبله، في تطور لافت ودخول صاعق للفكر الماضوي السلفي (القتالي) على المنطق الجهادي العام ضد الغرب، حتى قامت “داعش” بقوة المصالح المتجمعة من البؤر المتعددة التي لقيت الأذى الكثير من الاحتلال الامريكي والقاعدة السلطوية الحاكمة والمتحالفة مع المليشيات الاقليمية المغالية.

تشكل تحالف من بعض العشائر والبعثيين المطرودين الناقمين وجماعات أخرى ومخلّفات الزرقاوي والقاعدة وجند “الخلافة” القادمة الذين تربوا في حضن السجون الامريكية في العراق، ونهل الاسلامويون فيهم من البئر الآسنة التي مُلِئت بالفكر الماضوي السلفي القتالي المتطرف وبدعم من بعض دول الجوار أو تيارات فيها ، هذا التحالف الذي جمع بين القدرات الأمنية والعسكرية واللوجستية لطرف مع القدرات الاسلاموية الاعلامية-التعبوية والتحريضية لطرف أصبح (داعش) منذ احتلاله الموصل عام 2014 رقما صعبا وكانت هذه الانعطافة الثالثة والتطور اللافت في المستحدث من الارهاب.

تمرين “الربيع العربي”، واستِعار التطرف

ان تمرين (بروفة) الربيع العرب الذي استمد قوته من فساد وظلم وسلبية وإرهاب الانظمة لم ينجح إلا في دولة واحدة أو اثنتين، وفشل في غيرها من الدول حين تقاطعت المصالح الاستعمارية الغربية مع مصالح دول الاقليم غير العربية وعلى رأسها (اسرائيل) لهدف تجزئة وتفتيت المنطقة وإشغالها بحروب دينية وطائفية ما احتاجت منها إلا عود ثقاب لتشعله في القش اليابس فتحرق أمة العرب فتسقط كل من سوريا والعراق وليبيا واليمن وسيناء في الحد الأدنى في دوامة الحرب والطغيان ممزوجا بسخام الارهاب الذي كان كالمارد المنطلق من القمقم.

بلا شك ان عوامل نشوء الارهاب والتطرف والتعصب كامن في كل فكرة أو فكرانية (أيديولوجية) ، ولم تقتصر بالتاريخ بتاتا على فكرة أو دين محدد وإنما كانت خاضعة لعوامل ثلاثة رئيسة هي ]1-الفهم العقلاني للنصوص والتأويل ، 2-والتاريخ أو أحداث التاريخ (الماضي)، وطريقة النظر لها واستخدامها، 3-والسلطة بمعنى الاستغلال السياسي للأيديولوجية أو للدين[ ما يقطع أن المكونات العنيفة ليست في ذات الدين، أي دين، وإنما في الأسباب الثلاثة الآنفة.

في اطلالة سريعة على “الفهم” المستنير لا كما يؤوّل المتطرفون للآية الكريمة «لا ‬إكراه ‬في ‬الدين ‬قد ‬تبين ‬الرشد ‬من ‬الغي»‭ )‬البقرة: 256)‬ يذكر ابن ‬كثير ‬في «‬تفسيره» ‬أن ‬حكم ‬الآية ‬عامٌّ. ‬وهو موافق ‬لقاعدة ‬العبرة ‬بعموم ‬اللفظ، ‬لا ‬بخصوص ‬السبب‬ أنها محدودة بحادثة تاريخية عرضية مضت كما يقول المتطرفين. وبالتالي ‬فلا ‬يصح ‬إكراه ‬أحد ‬على ‬الدخول ‬في ‬الإسلام قطعيا.

من “القاعدة” الى “داعش”

انتقلنا سريعا من الحرب ضد الشيوعيين الكفار إلى الحرب ضد “الغرب الصليبي” وعدنا للحرب ضد “المنافقين والمجتمعات الجاهلية” (هي المجتمعات الإسلامية عامة المخالفة لمنهج هذه الجماعات كما تعتقد) لنعود للدمج بين حرب الأعداء (القريب والبعيد معا)، وما كان التطور الأخير واللافت إلا من صنع الصراع المحتدم بين (تنظيم الدولة الإسلامية=داعش) وبين (تنظيم القاعدة) بينهما في “أرض الخلافة”، وبين التنظيميين على الساحة العربية وفي الساحة الدولية، أي على امتداد التوسع الجغرافي واستجلاب النفوذ الداخلي والخارجي وفي صراع الأفكار والتعبئة والاستقطاب للعناصر مقرونة بقدسية وطهارة الفكر والإمام والتنظيم ، وقدسية حربها ضد (الغرب الصليبي الكافر) في عقر دار الإسلام، وفي “دار الكفر” حسب مصطلحاتهم.

تصارعت “القاعدة” و”جبهة النصرة” التابعة للقاعدة في سوريا من جهة مع تنظيم “الدولة الاسلامية” على كل الجبهات : في الجغرافيا وفي التاريخ وفي الاعلام وفي الزعامة والنفوذ (الخلافة والبيعة والطاعة…) وفي الفكر، وخاضوا في ذلك جدالا (شرعيا) طويلا وحروبا دامية في جميع الأحوال كانت وبالا على الأمة العربية والإسلامية بشكل رئيس وعلى النظرة للدين الاسلامي ثم على العالم الذي اكتوى بنار التطرف بنكهة اسلاموية مؤخرا ، وكان يظن كل الظن أن دفعه الآخرين للاحتراب أو ابتعاده أو سعيه للتجزئة أو الحفاظ على مصالحه لن يكون بثمن يدفعه فكانت الطامة على الفكر الاستعماري المصلحي من بوابة تدمير الانسانية.

 

 

إرهاب “نيس” و”الانغماسيين”

بعد هذه المقدمة العجلى وفي ظل الارهاب المتدفق كالسيل بين جنبات أوروبا وأمريكا، بل والعالم تصبح عملية نيس الاجرامية في 14/7/2016 شرا مستطيرا ألقى بشرره في كل مكان واستتباعا لما حدث قبل شهور في باريس وفي أمريكا وفي بلجيكا (بل وفي مصر والسعودية ايضا، وافريقيا)، ومع ذلك فلقد كان الشكل الذي اتخذته هذه العملية مستحدثا حيث حاول رئيس الوزراء الاسرائيلي “نتنياهو” كما حاول وزراؤه ربطه بالكفاح الفلسطيني تماما كما فعلوا بحادثة (شارلي ايبدو) و(غزوة باريس) وخاب فعلهم فالفرق شاسع والمقارنة واهية.

إن أسلوب القتل والدهس الذي مارسه الارهابي في مدينة نيس (ثم اللاحق عليه من قتل بالفأس والسكين في ألمانيا، ثم مقتل القسيس في فرنسا أيضا) هو أسلوب جديد، ولكننا نجده مسطورا في مجلة القاعدة المسماة إلهام (Inspire) بالانجليزية وهي المنهل الذي يستمد منه (ومن أمثاله) المستهدفون فكرهم وأفعالهم حيث كتب فيها أنور العولقي عام 2010 ما اسماه وزميله (الجهاد ذو المصادر المفتوحة)، وحمل أحد تلك المقالات -كما يذكر الكاتب “مارك ثييسين” في صحيفة الاتحاد الاماراتية- اسم المدرّب ((العسكري الإرهابي يحيى إبراهيم، الذي كتب في عنوان تفوح منه رائحة الوحشية والقسوة هو: «الآلة العظمى لحصد الأرواح»، ما فسر بدقة لا نظير لها ما حدث في مدينة نيس.

وقد ورد في ذلك المقال المقطع التالي: «نعرض فيما يلي لفكرة بسيطة واحدة تشرح كيف يمكن لمسلم منفرد أن ينال ثواب الجهاد! الفكرة بسيطة ولا تتطلب مشاركة عدد كبير من الناس في التحضير لها، وتتلخص في استخدام شاحنة ثقيلة كآلة للقتل الجماعي، ولكن ليس لتقطيع الأعشاب، بل لحصد أرواح أعداء الله»!

ولا ينسى المقال أن يضيف رشّة من «النصائح» حيث يقول: «إن المكان المفضل هو الذي يحتشد فيه أكبر عدد من المارّة وأقل عدد من السيارات والعربات. وفي الحقيقة، لو تمكنت من الوصول إلى شارع مخصص للمشاة فقط، ويوجد عادة في مركز المدينة، فسيكون هذا رائعاً! وانتبه إلى أن هناك بعض الأماكن والساحات التي يتم إغلاقها أمام حركة السيارات بسبب ازدحامها الكبير بجحافل البشر».
ويتابع المقال: «وإذا كان في وسعك أن تمتلك أسلحة نارية، فاحملها معك لأنك قد تحتاجها من أجل استكمال مهمتك لو تم إيقاف شاحنتك أثناء الهجوم». ولا تفوت كاتبي المقال الإشارة إلى البلدان المفضلة التي يمكن تنفيذ هذه العملية فيها حيث جاء فيه: «يمكن لهذه الفكرة أن تكون مناسبة لبلدان مثل إسرائيل والولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وأستراليا وفرنسا»))، ويعلق على ذلك الكاتب “مارك ثييسين” قائلا: ((أليس هذا هو بالضبط ما حدث في نيس مساء الخميس الماضي؟

في منطق التغيّر في المفاهيم وفي الأسلوب لعمل هذه الجماعات المتطرفة رجوعا لأصولها من الجماعات الاسلاموية الموصوفة بالمعتدلة وإباحة ما كانوا يرفضونه يقرر المفكر الإسلامي د.عبدالحميد الأنصاري أن:(الكذب والتلفيق وتزوير الحقائق والانتهازية والمناورة والخداع، أمور مشروعة في أدبيات جماعات «الإسلام السياسي» فهي تعتبر نفسها في حرب مع الأنظمة العربية «التي لا تحكم بشرع الله تعالى»، بحسب زعمهم، ولذلك يسوغون لأنفسهم كل هذه الدعايات الكاذبة، لأن الحرب خدعة! ومن هنا نفهم، أيضاً، كيف يبيحون لأنفسهم التلون في المسلكيات التي تصل إلى حد التناقض مع الثوابت القطعية التي كانت تنادي بها هذه الجماعات منذ زمن النشأة!)

الانغماسيون

يقول الصحفي “جوزيف كرواتورو” في موقع قنطرة الألماني مستعرضا الفكر الانغماسي والانغماسيين ومفرقا بينهم وبين “الاستشهاديين الكلاسيكيين” : (يبدو أنَّه من غير المحتمل ألاَّ يكون منفِّذ هجوم مدينة نيس الفرنسية -الإرهابي محمد لحويج بوهلال المنحدر من تونس- من هذا النوع الجديد من الأبطال الجهاديين؛ خاصة وأنَّه يتمتَّع حاليًا في شبكة الإنترنت العربية بشعبية واسعة. وفي حالة “الانغماسي” يكون من الأسهل للإسلاميين استحضار بطولات شجاعة من زمن النبي بهدف إضفاء طابع الشرعية على عملياتهم الإرهابية وكذلك لاستخدام تلك البطولات كمصدر إلهام، مما عليه الحال في مفهوم الانتحاري المألوف بالفعل، والذي يعتبر من إنتاج العصر التقاني الحديث. ففي فجر الإسلام كان “المقاتلون الخارقون” المُبجَّلون يتميَّزون بكونهم ينقضُّون على عدد كبير من الأعداء ويسحقونهم.)

إن هذا الجيل الجديد وهو ما أطلق عليه الخبير الأمني هشام الهاشمي لقب الجيل الرابع تطرق وعيه الضحل فكريا وعقديا وثقافيا الدعاية الاعلامية على الشابكة (الانترنت) فيعلم أن البيعة ليكون انغماسيا (بطلا) تعني (ألا نولّي الدُّبُر وأن ننغمس في أعداء الله) وتعني التأثر العميق ب(فيا قوم قوموا لقرع السيوف/وما العيش الا في ظل الحتوف=الموت) وتعني الاستجابة للآية (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله) في تفسير معوج واستناد لتاريخ ماضوي منحرف، وفي “الانغماسية” تجويز لقتل النفس (لمصلحة إظهار الدين وإن غلب على ظنه أنهم يقتلونه-كما يقول شريط اعلام “ولاية البركة” لداعش الذي نشره عام 2015  بعنوان “الانغماسيون فخر الأمة”.)
إن الاغماسي يختلف عن “الاستشهادي العادي” بأنه حسب تعريف الشريط (إنغماس شخص أو اكثر في عدو أكثر منهم عدد وعدة بغرض النكاية فيه وتكون على الأهداف المحصنة).

صراع في ساحة الفكر والجغرافيا والتاريخ

ما أردت قوله أن افق الصراع الاسلاموي المتطرف على امتداد جغرافيا التنظيمات حيث تحكم أو تتحكم او تؤثر قد رافقه صراع ايديولوجي دعائي ، فلا يغيب عن البال أن صراع ابراهيم بن عواد البوبدري السامرائي (أبو بكر البغدادي) مع د. أيمن الظواهري على الزعامة والإمارة والبيعة قد انقلب حقدا وعداء منذ الرسائل المتبادلة بينهما التي سبقت ثم أدت للانفصال نتيجة رفض أسامة العيسى الواحدي (أبومحمد الجولاني) زعيم “جبهة النصرة” مبايعة البغدادي مكتفيا بالبيعة للظاهري، فما كان من الثاني إلا اعلان امارته (دولته) لتجتاح سوريا والعراق فيتقلص النفوذ والسطوة للأول (الظواهري) صاحب الأسبقية فتكون (شارلي ايبدو) في شهر 1/2015 من انتاج “القاعدة”، و (غزوة باريس) من اخراج “داعش” وما تلاها في تظاهرة كونية ومضاهاة ل”غزوة نيويورك” في العام 2001 التي صنعت رُهاب القاعدة عالميا. (فكّت “النصرة” ارتباطها مؤخرا ب”القاعدة” في عملية نراها التفافية)

أوضح رئيس الوزراء الفرنسي أن منفذ هجوم “نيس” الارهابي تعرّض لعملية تحول للتطرف أصابته، فيما أكدت عائلته اختلاله النفسي وعدم تدينه أصلا ، وهذه المعادلة تصح فارتباط الاضطراب النفسي بالبحث عن مخرج والتعبئة الحادة لنفس هائمة منعزلة قد تؤدي فعلا لتنفيذ مالا يتوقع.

ضحالة الثقافة والوعي

إن الأسباب التي من الممكن أن نرجعها لنمو ظاهرة التطرف الى وصلت الى درجة التوحش لها عوامل عديدة ومن الممكن أن نشير بأصبع الاتهام للمجتمعات الغربية والسياسيات وتلك العربية أو الاسلامية غير الوازنة، وأن اردنا أن نكون أكثر تحديدا فيمكننا الاجمال للأسباب بالقول :
1.    الاسباب الاقتصادية المرتبطة بالبطالة وفروق المعيشة أو النظرة للأشخاص لمستوى معيشتهم بالمقارنات، وسوء الأحوال الاقتصادية.
2.    الأسباب الاجتماعية من الفقر والعزلة النفسية والمكانية حيث البيئة الحاضنة (في غيتوات كما الحال في بلجيكا مثلا).
3.    الأسباب الثقافية متمثلة بقلة الوعي التعليمي والتخلف الثقافي الذي يعظّم حجم الفجوة بين الواقع الممارس والتعبئة المخالفة ، ولا بأس أن نعرِض للاضطرابات النفسية (مثل الشعور بالنقص أو الذنب والتقصير، أو العزلة واضطراب الهوية وقلة الانتماء للمحيط،والرغبة في الانتقام) إضافة الى الاضطرابات الحادة في الهوية كسبب هام.
4.    الأسباب الدينية المرتبطة بالفكرالسلفي الماضوي (حيث انعقد تحالف الفكر الاخواني الشق المتطرف فيه، وذاك السلفي القتالي) الذي يمثل جذر المشكلة الاتباعية (الاقتدائية) ويحط من قدر العقل والتبصر والتبيّن ما دعى له القرآن الكريم.
5- الفضاءات الجديدة حيث دور الاعلام والإعلام الاجتماعي والقدرة التعبوية-الفنية : لا نستطيع أن نقفز عن هذا الدور مطلقا لما له من عملية تأصيل للفكرة ونشرها، والاستغلال للظروف والاصطياد للحالات المستهدفة، ولا سيما أن التنظيمات الاسلاموية المتطرفة اثبتت قدرة عجيبة على اختراق العقول واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي.

يقول د.أسعد عبدالرحمان أنه (بسبب الارتكاز إلى معتقد «ديني إلهي»، كان أكثر من مارس عملية «رفض» الرأي الآخر هي الحركات الإسلاموية (ولا نقول: الإسلامية) عبر إعطاء «صكوك» التبريرات الشرعية والأخلاقية والسياسية لترسيخ قوتها كمعارض بديل أوحد للأنظمة مستندة إلى ما هو «حقيقة مطلقة». بل إن «ثقافة» رفض الآخر داخل هذه الحركات وصلت إلى وقوع «الرفض» بين التيارات الإسلامية نفسها وصولًا إلى «التخوين» أو «التكفير» تمهيداً للإقصاء والإصرار على الاستئثار أو احتكار «الحق» والحقيقة. )

إن الجذر الفكراني (الايديولوجي) ذو أصالة وأهمية وهو ما أرغب أن أركز عليه هنا، إنه الجذر المرتبط بالعوامل الثلاثة الأخيرة من الخمسة المذكورة أي الثقافي والديني والإعلامي فماذا يفعلون بالفئات المستهدفة ؟ إنهم يستغلون المستهدَفين من الفئات المهمشة اجتماعيا أوالمضطربة ذهنيا أو دينيا بين الواقع والتربية الماضوية ، وأيضا تلك الميسورة والمتعلمة ولكنها الجاهلة ثقافيا (ودينيا/شرعيا)، وبخاصة الشباب لما يتميز به هؤلاء من قوة وعنفوان واسطورية وخيال ورغبة في المغامرة أو اثبات الذات. (يتعجب د.عمار علي حسن من تجنيد المتطرفين لطلبة الكليات خاصة في الطب والهندسة)

“حراس العقيدة” والمشروع السياسي

ان فكرة البطولة عبر “حراس العقيدة” وإشعالها في النفوس، فأنتم حراس العقيدة ، وأنتم الأبطال الأماجد، والفكرة السياسية في استغلال الفكر الماضوي السلفي المستقر في طبيعة التربية الاستتباعية (إذ لا بد من إمام يُبايع أو خليفة يُطاع أو امير لا يُخالف، والتربية على يد شيخ أومرجع، وقدسية الموروث دون تنخيل…).

وفكرة “الوهم المقدس” حيث تسقط القداسة من الأعلى الى الأسفل أي من النص (القرآن والسنة الصحيحة) فالفكرة المستنبة منهما أو “الفهم” القاصر لتتلبس صاحب الفكرة والحزب فتصبح قداسة الأمير والحزب وما يقولون أو يفعلون بقداسة النص الأصلي في وهم يتم استنباته أن في ذلك خدمة لله و”الخلافة” التي تعني ضرورة التضحية بالنفس مقابل الجنة، تحت شعار لطالما رددته مواقع داعش والقاعدة يقول (نحن لا نموت بل نحيا بالجهاد والاستشهاد) ولا شك أن لهذا الشعار جذور في الفكر الاخواني-السلفي المتطرف. (أنظر كتابنا أوعية الفكر الاسلاموي محاولة للفهم)

يقول د.عمارعلي حسن (( يبدو تحويل الإسلام إلى «مشروع سياسي» هو المسار الذي يحكم أفكار الجماعات الدينية الساعية إلى تحصيل الحكم بوجه عام المنهل الذي يغرف منه أتباعها، أو يقتبسون ويقتطفون بإفراط)) مضيفا أنه ((يقوم بالأساس على استبدال «تاريخ المسلمين» بالدين الإسلامي، ليصبح التاريخ السياسي والاجتماعي، الذي يقوم على تفاعل الإدارة والفقه مع معطيات الواقع القديم، هو المرجعيةالدينية في نظر هؤلاء. والثاني هو الغاية التي تعني حيازة السلطة السياسية، وسط أدلجة للإسلام )) مضيف أن ذلك يكون حتى وإن اختلفت التنظيمات حول ثلاثة أمور:

أ‌-    التفاصيل التي يتم حشدها بآراء فقهية وتفسيرات وتأويلات للنص المؤسس للإسلام وهو «القرآن الكريم» ثم «الأحاديث النبوية».
ب‌-    الوسيلة، وما إذا كانت بالتغلغل داخل المجتمع وأسلمته على هوى الجماعات ومنافعها.
ت‌-    الزمن، فهناك من يؤمن بالتدرج في تحقيق غاية تحصيل السلطة وهناك من يؤمن بالعمل «الانقلابي».

لماذا تستهدف الفئات المهمشة (أو التي تشعر بذلك أو يتم اشعارها بذلك) وناقصي الوعي أو الثقافة لأن هذه الفئات من السهل التأثير عليها من واقع أنها في ظل الواقع المزري الذي تعيشه أو تحسه على الأقل هي  بالحقيقة في واقع منعزل عن الواقع المُعاش المرفوض ، واقع افتراضي حالم مأمول (المسيح المنتظر أو الخلافة الواعدة أو الشهادة أو النصر، او خدمة الإمام أو الدين…الخ) ، لا سيما وان التربية الماضوية وطبيعة الاستعلائية الدينية على الآخرين تجعل من العزلة الشعورية مترابطة مع العزلة المكانية كل منها تتخذ سبيلا للأخرى، وعليه يتم تعميق الشعور بالمظالم أو الشعور بالتقصير والنقص أمام الواجبات الدينية، وأمام الغرب عمليا، فيوضع أمامه منطق التكفير عن الذنوب والغفران بالقضاء على الكفار فيدخل الجنة بلا حساب!

شعور النبذ والعزلة والاعلام (التكفير والهجرة)

إن شعور النبذ أو الانعزال عن المجتمع أكان سببا حقيقيا أو شعوريا غير حقيقي هو سبب هام ومرتبط باضطراب الهوية وهو شعور يتم استغلاله ببشاعة من خلال الفضاء الافتراضي المفتوح الذي يجد فيه المنعزِل شعوريا أو اجتماعيا أوذهنيا مساحة تلاقي تخاطب هواجسه (وهو المقصّر) وتعيد إحساسه بذاته ودوره وواجبه وقوته وبطوليته.

يقول المفكر العربي السيد يسين (الهوية الإسلامية تحولت … من مرحلة «الهوية المتخيلة» التي لا تقنع بمجرد الحلم بمجموعة من الأفكار المجردة والأماني المتخيلة إلى «هوية أصولية» تعمل على تأسيس حركاتإسلامية نضالية كان أبرزها تأسيس الشيخ «حسن البنا» جماعة الإخوان المسلمين في مصر عام 1928، والتي انبثقت منها- من بعد- حركات أصولية متعددة.)
إن الاعلام الاسلاموي المتطرف اعلام قوي بلا شك إذ يستغل كل وسائل التواصل الاجتماعي من “يوتيوب وتويتر وفيسبوك…” عدا عن المواقع المتنوعة والإذاعات والوكالات ويستهدف كل فئة بخطاب يناسبها ، بل ويخاطب بلغات غير عربية، كمال الحال مع مجلة إلهام (إنسباير) التابعة للقاعدة أو مجلة دابق التابعة (لداعش) وكما الحال مع وكالة أعماق الداعشية أيضا التي أعلنت مسؤوليتها عن عملية “نيس” وغيرها.
إن الاعلام المتطرف يستخدم وسيلتين رئيسيتين هما التخويف الموجه للغرب خاصة ، ووسيلة الجذب بإظهار محاسن (دار الاسلام) أو (دار الخلافة) مع ما يترابط مع ذلك من اثارة واستعراض وإظهار قوة ، وتأصيل (شرعي) لكل فعل.

لا نلقي بالتبعية لكل هذه الفعال خاصة في العراق على المنتمين فقط للفكر السلفي الماضوي (الجهادي) وإنما قطعا هم وكما أشرنا سابقا مرتبطين بفئات أخرى مثل البعثيين المطرودين والمتضررين من النظام، وهم كما تقول معظم الأخبار الموثقة يمثلون القادة العسكريين الميدانيين الذين استبدلوا السلطوية العلمانية السابقة بالسلطوية الاسلاموية … وكل ما كان مطلوب منهم لحية طويلة ودشداشة وحفظ بعض الأحاديث، وإن كان الكثير من اتباع (داعش) كما تقول فيهم (النصرة) لا يفرقون بين آيات القرآن الكريم وبين أشعار عمر الخيام.

إن الآلية المتبعة في الاستقطاب والجذب للفئات المستهدفة ترتبط بخطوات أربعة هي الجذب ثم تعزيز الشعور بالنقص أو التقصير، فالتعبئة ثم التشغيل.
إن عملية الجذب المتبعة من قبل التنظيمات الاسلاموية المتطرفة تكون بالترويع حيث   يتكامل لديهم حجم الشناعة مع التهويل ما يشعل غريزة الانتقام بالنفوس فيصبح المقتول بأي شكل كان غير مأسوف عليه فهو حتما في النار، وما يُصنع به تعبير عن ايمان قوي وطاعة لولي الأمر وبطولة يؤجر عليها عند الله فقتل الكافر والمرتد والمنافق (أي المخالف) مُباح بلا جدال.

أنت مقصر! والحل لدينا

إن جذب المستهدفين عبر مشاهد الترويع ووهم الخلافة والجنة للقتلة مع التبرير السلفي المنحرف يرتبط بتعميق أوتعزيز شعور الشخص المقصود (الموجود بالبعيد) أنه مقصّر ومن واجبه دعم الخلافة ونُصرة الدين ، إذ كلما تم تعميق شعوره بالتقصير سهُلت عملية جذبه وهي عملية متناسقة تبدأ بالمسح الذهني لتنتهي بالإحلال ، حيث يتم مسح ما علق في ذهنه من (بدع أو ضلالات أو انحرافات أو شكوك…) بالطبع كما يراها المتطرفون ، ثم يقوم المتطرفون بتأسيس منظومة جديدة مستندين للإرث الماضوي السلفي الذي يعلي من قيمة التلقين والنقل وطاعة (الشيوخ) وأولي الأمر فيتحول الشخص الى عجينة بين أيديهم طالما هو أصلا لا يستخدم عقله. (بدأت فكرة الانعزال عن المجتمع الجاهلي وضرورة مقاومته حديثا مع سيد قطب وأشعلها تنظيم الجماعة الاسلامية “التكفير والهجرة” ثم الجهاد الاسلامي المصري مع د.ايمن الظاهري في السبعينات)

للأسباب التي ذكرناها يتم الاختيار للمستهدف باستغلال المُثُل الدينية والثقافية التي ترتبط بالإرث حسب الفهم الفاسد والجهالة مع استغلال موسّع للوضع الاقتصادي للشخص المستهدف أو للفجوة النفسية بينه وأسرته أو محيطه أو باستغلال أي ثغرة أخرى.

إن عملية المسح (للبدع أو الانحرافات) يقابلها عملية (إحلال) تدريجي للمفاهيم المتطرفة والتي إن وجدت صعوبة في ادخالها يتم اللجوء للإرث الماضوي ، أو للصورة المشرقة “للخلافة الراشدة”، وبإيحاء أنهم يمثلونها أو يسعون لها، أو بالتأثير الخرافي السينمائي الذي كثيرا ما يصور (القتل المبرر) كبطولة وعظمة، وشهادة لمن قتل فيهم.

إذن يمر المستهدف أكان في المحيط القريب من مقر التنظيمات المتطرفة، أو كان في البعيد جغرافيا (القريب اتصاليا) بعمليات ترويع بالصورة وإيهام بالخيال حيث الجنة المنتظرة،ويتم تعزيز الشعور بالخطيئة أو النقص والتقصير حال عدم نُصرة دار الاسلام ومن ثم تبدأ عملية الضخ الممنهج والتعبئة عبر المسح للقديم ان كان غير مناسب وتعزيزه ان كان مناسبا ليتم احلال الجديد ولا يتبقى أمام المرسِل إلا المرحلة الرابعة وهي مرحلة التشغيل الذي وفق حالته اما يكون جندي احتياط او جندي تحت الطلب (قد يكون استشهادي او منغمس) او مقاتل من “الأسود” الملتحقين بالجبهة.
ت

قول د.سهاد زهران المتخصصة بعلم النفس في لقاء معنا إضافة لما سبق (حاله التعود في السلوك البشري على اراقة الدماء او مشاهدتها وسماع انين الضحايا والزهو بالنفس عند قتل الغير(العدو) أو المضاد تجعل من هؤلاء الشخوص باحثين عن بدائل لممارسه ذاك السلوك الذي كان يشبع لديهم الشعور بالقوه والوجود …فيتحول بعضهم الى باحثين عن بدائل لتفريغ حاله تأصل الارهاب أو الدمويه لديهم ..من هنا بسهوله يمكن استقطابهم وادماجهم في مجموعات ارهابيه بعد انتهاء الحرب تحول جزء كبير منهم الى قاتلين او عدوانيين او اصابتهم بمشاكل نفسيه واجتماعيه تصل لحد العنف المبالغ فيه بحق الابناء ..الزوجات ..المحيطين ..المجتمع)

جندي احتياط للخلافة وفكر “التترس” و”الانغماس”

إن الجندي احتياط هو المطلوب منه خدمة الاسلام والخلافة أو خدمة الشريعة أو الفكرة المتطرفة أي كان المبرر المستخدم لتسويقها بتكليفه بدور اعلامي أو سياسي أو ديني دعوي أواستقطابي للآخرين وهؤلاء ممن يظهر لقادة التنظيم أن الاستفادة منهم أكبر من استخدامهم في الميدان.
أما الجندي تحت الطلب سواء “الاستشهادي” أو “الانغماسي” (أو من يظلق عليهم في الغرب الذئاب المنفردة) فهم الخلايا النائمة التي يتم استخدامها حين الطلب ، ووفق الاستطاعة، وحسب الظرف تحقيقا لهدف ما ومن هؤلاء يظهر الانتحاريون.

المقاتل أو الجندي هو من يتم الاستعانة به في القتال الداخلي مباشرة او ممن يتم تدريبهم ليُعاد قذفهم في مجتمعاتهم ليصبحوا إما جنودا احتياط أو ذئاب منفردة ، والمقاتل قد يأتي هو ذاته لأسباب عديدة ويعلن انضمامه وفي جميع الأحوال فإن المقاتلين هم مستخدمين لمصلحة الأمير (القائد العسكري والقائد الشرعي) إذ ليس له إلا الطاعة وتنفيذ الأوامر أي كانت.

إن الطور الجديد من الارهاب الذي ظهر مؤخرا باعتقادي يمثل طورا مستحدثا ويؤسس بقوة لفكر باطني بل، ومستقبلا لمذهب أو طائفة تجعل من فكرة أو وسيلة (الانغماس)، وفكرة (التترس) أي قتل حتى المسلم واستخدامه كترس (درع) دفاعا عن الفكرة أو المشروع جائز شرعا ما يعني العودة الكلية لجذر الخوارج الذين لم يختلفوا في قتل مخالفيهم بقدر ما اختلفوا في السن التي يباح لهم القتل عندها.
ان فكر “التترس” و”الانغماس” هو فكر التوحش بكل أشكاله، فإن كانت التنظيمات المتطرفة قد بدأت حربها بمناهضة الفكر الاستعماري الغربي (بمسمى الغرب الكافر) فإنها سرعان ما اتخذت المفاضلة بين الكفر والإيمان وفسطاط الحق وفسطاط الباطل شعارا في أمة المسلمين ذاتها، وهي نفس العقلية أو الشعارات (خاصة مدرسة الفسطاطين) التي تحملها التنظيمات الاسلاموية عامة أكانت متطرفة أم تلك التي تسمي نفسها معتدلة لأن منطق الولاء والبراء والاستعلاء على الآخرين هي ثلاثية تقدس الذات وتقصي الآخر فلا يكون له مكان أبدا.

فكر “التترس” الذي ارتبط ب”الجهاد” في أفغانستان أصبح يقابله اليوم (ربما منذ وجود أبومصعب الزرقاوي في العراق) فكرة “الانغماس” التي عبرت عنها “داعش” أواخترعتها عام 2015 وهي فكرة لا يختلف تنظيم “الدولة الإسلامية” الإرهابي في أي شيء فيها كما يقول الصحفي جوزيف كرواتورو(عن منافسته “جبهة النصرة”، وهو يفتخر أيضًا بأفراده “الانغماسيين”، الذين كثيرًا ما يتمكَّنون في مجموعات صغيرة من التسلل إلى عمق أراضي العدو والاشتباك مع العدو أولاً في معارك ومناوشات وثم إلحاق خسائر فادحة بالعدو من خلال تفجير القنابل التي يحملونها معهم. وعلى العكس من رحلات الموت التي يقودها الانتحاريون ويتم تصويرها بانتظام من مسافة أبعد من قبل التنظيمات الإرهابية، فإنَّ مثل هذه العمليات لا يمكن تصويرها تقريبًا.)

يقول د.عبدالحق العزوزي متسائلا عن منابع التطرف والارهاب ((من أي مراجع دينية يرتوون؟ ومن أي علم يبني هؤلاء أفكارهم؟ استشهدت مع الدكتور جمال السويدي بالعديد من الآيات القرآنية مع ذكر أسباب نزولها، فلم نجد ما يمكن أن يفسر ما حدث في «نيس» وما يقوم به الدواعش، فالمشكل لا يتعلق بالنصوص الشرعية ولا بالأطر المرجعية، ولكنه مرتبط بالجهل وبنوع القراءة )) ولخص الأسباب مستندا لكتاب «الغلو في الدين:

المظاهر والأسباب» لأبو زيد الإدريسي في أربعة عناصر:

-القراءة السطحية للنصوص: في غير إدراك لمقاصدها وسياقها
-حضور النقل وغياب الاستدلال، ودون أخذ المسلك الحجاجي والمنهج الاستنباطي.
-الغياب الكامل لعلمي أصول الفقه ومقاصد الشريعة.
-الغياب الكلي لفقه الواقع.

إن الدين لا يحتوي المكونات العنيفة ضد الآخرين في داخله و إلا لما كان يشتمل على رسالة والرسالة تقتضي التبشير والدعوة الموجهة للأخر فإن كان افناء المختلف هو الهدف فما هي الرسالة وما هي الدعوة وما هو التبشير؟

يرى العزوزي كما نرى معه إن الحل يكمن في إحداث التغيير في الأسباب ذاتها فهي مفتاح الحل أي في الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والدينية والثقافية والتربوية …، وفي الاطار الديني – الثقافي فإن المستهدف هو العقل والتاريخ والسلطة فمدرسة العقل هو النقيض للاتباعية والطاعة العمياء وتنقية ما علق بأحداث التاريخ من استخدامات السياسة والدين واجب كما هو دور السلطة حديثا بإلغاء الرابط بين السلطة و”الفهم” الديني الاحادي، وفي اعلاء شأن العقل، وإحداث التغيير للمستقبل وتنقية إرث الماضي المستقر بالأذهان ماضيا مقدسا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

الشيخ السلفي الشهير محمد ناصر الدين الألباني الذي نقد ورفض كليا الحركات “الجهادية”، والحركات الإسلاموية التي تسعى للوصول للحكم، رأى بأن المنهج الصحيح لإقامة المجتمع الإسلامي يقوم على «التصفية والتربية»، بمعنى تزكية النفوس، وإصلاح العقائد والسلوك، وتربية الناس على القيم الإسلامية.

إن الدين لا يحوي مكونات عنيفة ضد الآخر، أو مكونات ارهابية اعتدائية وإنما يحتوي ذلك كل من “الفهم  الانساني والتأويل للنصوص” وتحويه أحداث التاريخ الحُبلى، كما تستغله السلطة سواء السياسية أو الدينية-الكهنوتية على مر العصور ، وليس ببعيد مقتل الملايين في أوربا قربانا للكنيسة ومحاكم التفتيش، أو مقتل الملايين في حروب عبر العالم اتخذت الدين غطاء لها أو استخدمته بشكل أو آخر في دنيانا من شرقها الى غربها.

اخر المقالات