مشكلة “الجهاديين” العائدين من سوريا والعراق الى اوربا

مشكلة “الجهاديين” العائدين من سوريا والعراق الى اوربا

017066706 30300مشكلة “الجهاديين” العائدين من سوريا والعراق الى اوربا

إستنفار اجهزة استخبارات دول اوربا

بقلم ــ جاسم محمد ـ باحث في قضايا الإرهاب والإستخبار

تقف اجهزة استخبارات دول اوربا حائرة امام مشكلة “الجهاديين” العائدين من سوريا والعراق وسوح قاعدية اخرى ومترددة بين سياسة الشدة وتنفيذ اعتقالات ومابين اعادة تأهيلهم، اذ اختار معظمها نهج الحزم بينما  اختار البعض سياسة اعادة التأهيل والمناصحة الفكرية. ووفقا الى تقرير صحيفة الاندبيندنت البريطانية من الخطر مساعدة المتطرفين العائدين بريطانيا والتعامل معهم بنوايا حسنة. غير أن بعض السياسيين البريطانيين قالوا إن هذه “النوايا الحسنة” ربما تنجح. لأنه لا توجد هنالك اختيارات جيدة. والمعاملة الحسنة ربما تكون الأفضل اختيارا

من مجموعة الاختيارات السيئة، على نقيض الساسة السابقة التي تقوم على الغاء جوازات السفر وعدم استقبل هذه الجماعات. إن مواقف أجهزة الاستخبارة في أعقاب حادثة شارلي إبيدوـ باريس، وجدت نفسها امام فجوة كبيرة، مابين قدرتها وتحدي هذه الجماعات “الجهادية” على اراضيها، بعد ان كانت هي من تقدم النصح والنظريات الى دول المنطقة.
إلحكومات الاوربية وأجهزة إستخباراتها تتحمل مسؤولية  تدفق وإستقطاب الارهاب في المنطقة وتتحمل ايضا ازدواجية المواقف في مكافحة الارهاب. اليوم إسستخبارات دول اوربى والغرب هي من تسعى وراء دول المنطقة للتعاون الاستخباري والمعلوماتي والبيانات الخاصة في “الجهاديين” الاجانب وهذا يمثل ايضا ثغرة في التحالف الدولي، كون دول اوربا تهتم في تهديد المقاتليين العائدين اكثر من مكافحة الارهاب في المنطقة، وهذا نفس الشيء ينطبق على السياسة الاميركية، التي لم تظهر جدية لحد الان في مكافحة الارهاب في المنطقة، وهذا مايرجح انها مازالت تراهن على الحصول على تمويل عملياتها  من دول مجلس مجلس التعاون الخليجي. هذه السياسات يتطلب ايضا من دول منطقة الشرق الاوسط اعادة سياساتها وعلاقاتها الاستخبارية مع اجهزة استخبارات دول اوربا والغرب، على ان تكون هنالك مصلحة ومنفعة مشتركة بالتعاون، وان تعتمد سياسات  ومشاريع محلية واقليمية اكثر من التحالفات الدولية.

حملة مداهمات واسعة

قال مصدر قضائي  فرنسي يوم 16 يناير 2015 اليوم  إن السلطات الفرنسية اعتقلت  قبل يوم 12 شخصا من عدة ضواح بباريس للاشتباه في علاقتهم باعتداءات  شارلي ايبدو ـ باريس 7 يناير 2015. وذكرت وكالت رويترز نقلا عن المصدر بأن المعتقلين وهم تسعة رجال وثلاث نساء، يخضعون للاستجواب بشأن احتمال تقديمهم دعما لوجستيا لمنفذي الهجمات في شكل أسلحة وسيارات على وجه الخصوص.
وأعلن وزير الخارجية البلجيكي “ديدييه ريندرز”  يوم 16 يناير 2015، أن عمليات مكافحة الإرهاب التي قامت بها الشرطة  قبل يوم  في بلجيكا انتهت وأضاف بان السلطات نقوم بتقييم المعطيات، وسيرى من جانب الشرطة والسلطات القضائية إن كانت هناك خطوات أخرى يتحتم القيام بها.  وتابع قائلا أن عددا كبيرا من المداهمات جرت في مجمل أنحاء البلاد، وفي مدينة “فيرفييه” قام الأشخاص الثلاثة العائدون من سوريا بإطلاق النار على قوات الأمن التي ردت ما أدى إلى وقوع معارك عنيفة. وأكد أن التهديد بتنفيذ اعتداءات كان موجها إلى قوات الشرطة وقال إنه ليس هناك “أي رابط مؤكد مع الاعتداءات التي وقعت في فرنسا مشيرا إلى “تبادل معلومات كان مفيدا جدا. ورفعت السلطات البلجيكية من درجة التأهب الأمني إلى المستوى الثالث في ضوء الحادثة، حيث فرضت أطواقا أمنية حول مراكز الشرطة ومنشآت حساسة .  بشار ان بلجيكيا من اول الدول التي حذرت من مخاطر عودة “الجهاديين”.
وتزامنا مع الاعتقالات في المنطقة الباريسية، حصلت مداهمات وعملية اعتقال ضد مطلوبين”جهاديين” في برلين يوم 16 يناير2015، كما أعلنت الشرطة الالمانية. وقام أكثر من مئتي عنصر من الشرطة الألمانية في وقت مبكر بعمليات مداهمة لمواقع في برلين وضواحيها يشتبه بأنها خلايا إسلاموية، ما أسفر عن توقيف زعيم مجموعة كانت تخطط لشن هجوم في سوريا، حسبما أفادت الشرطة. واعلنت الشرطة في بيان أن الموقوف رجل من أصل تركي عمره 41 عاما ويشتبه بأنه يتزعم مجموعة”جهادية” تضم أتراكا وروس من الشيشان وداغستان، مؤكدة أنه ليس هناك مؤشر بأن المجموعة كانت تخطط لاعتداءات في ألمانيا.

الجهاديون” الاجانب العائدون الى اوربا

قال”وينرايت”رئيس جهاز الشرطة الأوروبية” يوروبول” في 16 يناير2014، إن نحو 5000من مواطني الاتحاد الأوروبي انضموا إلى صفوف الحركات “الجهادية”. وقال أمام لجنة الشؤون الداخلية في مجلس العموم البريطاني، ردا على سؤال حول عدد المقاتلين الأجانب، الذي غادروا أوروبا للالتحاق بالجهاديين قال هناك نحو 3000 إلى 5000 مواطن من الاتحاد الأوروبي. وقال وزير الداخلية الألماني” توماس دي ميزير” في اعقاب حادثى شارلي ابيدو 7 يناير 2015 بإن أعداد “الجهاديين” الذين يسافرون من أوروبا إلى العراق وسوريا في تزايد مستمر بالرغم من ازدياد درجة وحشية أعمال تنظيم “الدولة الإسلامية”. وقبل اجتماع وزراء داخلية الاتحاد الأوروبي في اعقاب ذلك في بروكسل، قال “دي ميزير” إن عدد الجهاديين الذين سافروا من ألمانيا وصل إلى نحو 550 حالة معروفة للسلطات، فيما قال الوزير إن إجمالي عدد هذه الحالات على مستوى أوروبا ربما يكون ثلاثة آلاف . وأضاف الوزيرثمة عملية تجنيد متشعبة، تثير قلقنا معولا في الوقت نفسه على التعاون بين دول الاتحاد الأوروبي في مكافحة سفر “الجهاديين” من أوروبا. وقال الوزيريتعين العمل على الحيلولة دون سفر هؤلاء الاشخاص. وأعلنت وحدة مكافحة التجسس في بلجيكا في ديسمبر 2015  ان نحو 200 “جهادي” من أصحاب الجوازات السفر البلجيكية يقاتلون في سوريا بجانب الإسلامويين، كما قتل منهم 20 في المعارك الطاحنة ضد الأسد، وأكدت الوحدة بأن الأجهزة الأمنية تمتلك معلومات حول خطط الجهاديين لتجنيد آخرين. وفي هذه الأثناء أكد مسؤول استخباراتي غربي  أن ما لا يقل عن 20 خلية نائمة تابعة لجماعات وتنظيمات إرهابية تضم ما بين 120 و 180 متطرفاً مستعدة بالفعل لشن هجمات في عدد من الدول الأوروبية. وقال المصدر لموقع شبكة “سي ان ان” إن أجهزة الاستخبارات في الاتحاد الأوروبي ونظيرتها في منطقة الشرق الأوسط توصلت إلى أن هناك تهديدات بهجمات وشيكة في عدد من الدول الأوروبية من بينها بلجيكا وربما في هولندا.

درجة تهديد”الجهاديين” داخل اوربا ممكن ان يكن كما يلي:

فئة “الجهاديين” العائدين من سوح القتال، وهم على قائمة الاستخبارات للدول الاوربية، ومعروفين، ويتم تصنيفهم حسب خطورتهم، فهنالك من عاد محبطا من القتال، لكن لايمكن ان يترك، وهناك مازال مصرا على انه كان على صواب الى الالتحاق في القتال، وكانت المانيا قد شهدت في سبتمبر 2014 اول محاكمة “لجهادي” عائد بعد قرارها بحظر التنظيم، ورغم محاولات الادعاء العام، بمساعدته في حالة الاعتراف بان ماقام به من فعل كان خطأ، لكن اجابة المتهم باصراره بأنه على صواب وممكن ان يكرر ذلك صدم الجميع، وهذا يعني هنالك جماعات بالفعل عاشت ظروف الحرب والمواجهة ومارست الكثير من العمليات الارهابية من قتل وذبح وانتهاكات تجعل منه شخصية اخرى. وتفاصيل القضية عندما بدأت يوم 15 سبتمبر 2014 جلسات أول قضية جنائية تُرفع أمام محكمة ألمانية ضد متهم يدعى” كريشنيك بي” بالانتماء لتنظيمدولة داعش ” بعد أيام من قرار الحكومة الألمانية بتجريم جميع أنشطة الدعم لهذا التنظيم، حيث أعلنت الحكومة على لسان وزير الداخلية الألماني توماس “دي ميزيير” أنها صنفت” الدولة الإسلامية” تنظيما ارهابيا، واعتبرت أي أنشطة دعم وتأييد وترويج له مخالفة للقانون، والحظر يشمل المشاركة في هذا التنظيم والتجنيد له وأي دعم له بما في ذلك المظاهرات المؤيدة.

•    الفئة الاخرى هي من انصار “التنظيمات الجهادية” والتي لا يمكن حصرها ابدا، كون عدم وجود اي تركيب او هيكلية تنظيمية او اتصالات او قيادة معروفة، بسبب التشظي وثقافة الارهاب التي اكتسبتها بواسطة الانترنيت وسائل التواصل الاجتماعي والدعاية “الجهادية” وهو بات الاخطر،  وتحول الى تحدي كبير امام الاستخبارات، والتي اعترفت بان مثل هذه الاعمال لايمكن ايقافها ابدا وهذا يعني ان اوربا ممكن ان تشهد اعمالا مماثلة الى حادثة باريس “شارلي ابيدو”.

التطورات الاخيرة وفي اعقاب التحالف الدولي لمواجة تنظيم داعش والنصرة في سوريا والعراق، جعلت  الجماعات “الجهادية” من اوربا ارض”رباط وجهاد” في ثقافة هذه الجماعات واصداراتها وهذا يعني ان الجماعات “الجهادية” ممكن ان اتبعت إستراتيجية جديدة باستثمار قدرات المقاتلين الاجانب داخل اوربا، كونهم يحملون البطاقات الشخصية والجوازات وسهولة الحركة تمكنهم من تنفيذ عملية في اوربا والغرب. أما الضربات الجوية ضد دولة داعش والنصرة في العراق  وسوح قاعدية اخرى من شأنها تزيد من عودة الجماعات الى اوربا انتقاما وثأرا من الغرب وهذا ما كشفته  تهديدات البغدادي، زعيم التنظيم ردا على التحالف الدولي.

أستقبال “الجهاديين” العائدين
اتبعت دول اوربا سياسات مختلفة بعضها عن الاخر بطريقة استقبال العائدين من سوح القتال الى اوربا وهي متفاوتة، ففي الوقت الذي قررت فيه بريطانيا عدم استقبال العائدين من هذه الجماعات، قررت الدنمارك استقبالهم وتركهم يعيشون في المجتمع بشكل طبيعي مع دفع الاعانة الاجتماعية  وتقديم العلاج النفسي مجانا وعدم زجهم في السجون كونها تعتقد ان السجون ممكن ان تفرخ مزيدا من “الجهاديين” ضمن فلسفتها الاستخبارية والسياسية. اما المانيا فقد اصدرت قرار بضرورة استقبال العائدين من هذه الجماعات، وان تتولى الحكومة سياسة او برامج اعادة التأهيل الاجتماعي والنفسي وتاهيل في سوق العمل. وقال مسؤول كبير في مكافحة الارهاب في فرنسا الة وكالة ال “أ ف ب” طالبا عدم كشف هويته “لنكن واضحين برامج التأهيل لم تنجح في الوقت الراهن. اما “ستيوارت بيكر” مستشار سابق في وكالة الأمن القومي، طالب السلطات الأمريكية بتشديد القوانين التي تتيح ملاحقة العائدين من الخارج وإن كان يقر بصعوبة مراقبة العائدين طوال الوقت، إلا أنه طالب بإخضاعهم للمراقبة الإلكترونية عن طريق تركيب سوار إلكتروني حول معاصمهم،وربما هذه واحدة من سبل الحلول والمراقبة.
هنا تظهر حقيقة ان دول اوربا رغم انها تتخذ سياسات موحدة في الغالب، لكنها تختلف الواحدة عن الاخرى في النظم الاجتماعية والسياسية، اما استخباريا، فيبدو هنالك مدارس استخبارية اوربية كل واحدة لها فلسفتها ورؤيتها وتختلف عن الاخرى بمواجهة الارهاب، وهذا يعني ان اوربا الان تعيش فجوة مابين قدراتها الحقيقة وحجم التهديد، وهذا مايتطلب منها التسريع باتخاذ اجرائات وسياسات ترتقي  الى المواجهة يكلفها الكثير من الكلف المادية والقدرات البشرية التي تحتاج الى كثير من التعزيزات وربما تصددم بالمحاكم الدستورية والقضاء. ومهما كانت النتائج فأن اوربا ستبقى تعيش حالة القلق والخوف من الارهاب من الداخل وعدم امكانيتها السيطرة على افكار هذه الجماعات ومايزيد في المشكلة تعقيدا هو تصاعد اليمين المتطرف على الجهة الاخرى في اوربا.

* نشر في شبكة رؤية الاخبارية

اخر المقالات