مباحث في الاستخبارات .. هيئة الاركان وضباطها .بقلم بشير الوندي

مباحث في الاستخبارات .. هيئة الاركان وضباطها  .بقلم بشير الوندي

كتب، بشير الوندي، باحث في علوم الاستخبارات

المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

مدخل

تدار الجيوش من خلال قيادات تسمى بالاركان او بهيئة الركن , وهيئات الاركان للوحدات العسكرية ترتبط بالنهاية برئاسة اركان القوات المسلحة ,  وتعد المهمة الاساسية للاركان العسكرية الاضطلاع بالتخطيط الاستراتيجي للجيوش في الهجوم والدفاع والسلم والحرب سواء بالاستراتيجية الشاملة او العليا  للتخطيط الاستراتيجي لإدارة الحرب والتخطيط التعبوي لإدارة معركة , وتشكل الاستخبارات احد اهم اركان تلك القيادة وتأخذ التسلسل الثاني فتسمى بالركن الثاني , ولطالما كان رقم 2 ملتصق بالاستخبارات عموماً فالاستخبارات العسكرية الامريكية يرمز لها ب G2  وطائرة التجسس الامريكية الشهيرة اسمها u2 .

هيئة الاركان وضباطها

في كل جيوش العالم تتشكل هيئة الركن من اربعة الى ستة أركان تتطابق تسلسلات اثنتين منها عالميا وهما ركنا الحركات والاستخبارات حيث يكون الركن الأول هو المعروف بالحركات او العمليات , والركن الثاني هو الاستخبارات , اما باقي الاركان فيختلف تسلسلها من دولة لاخرى ولكنها بحسب مسمياتها هي : ركن الادارة والميرة وركن التموين والنقل والدعم اللوجستي وركن للصنوف الساندة كالقوات البحرية والجوية , وركن للاتصالات ,واحياناً يكون هنالك ركن للتدريب ولكن قد يدمج مع التموين والنقل او قد ينفصل مع الدعم اللوجستي بركن منفصل , ولكن الثابت هو ان الاستخبارات تأخذ تسلسل الركن الثاني دوماً.

وتتلخص اعمال هيئة الاركان بمطابقة الاهداف مع الإمكانيات المتاحة و اختيار الخط الأسهل للهجوم او الدفاع واستثمار نقاط ضعف العدو وادامة زخم المعارك , وكل النقاط تلك تتمحور حول حجم ودور وقوة العدو وهنا ياتي دور الاستخبارات .

ويرأس كل ركن في الاركان ضابط اركان هو بمثابة الممثل للواجبات المنوطة بالركن الذي يمثله ويكون مسؤولاً عن التنسيق مع باقي الاركان لتكامل التصور العسكري الاستراتيجي والتكتيكي للجيوش.

ويجب على كل ضابط ركن ان يكون ملماُ الماماً كاملاَ بفن عمل الركن حيث بدونه سوف لا يكون قادرا على وضع قرارات القائد موضع التنفيذ بالسرعة او بالدقة المطلوبين لان هنالك واجبات مهمة للغاية على عاتقه تشمل التخطيط والترتيبات الضرورية لتنفيذ الاوامر مما تتطلب درجة عالية من المعرفة العلمية بقضايا الحركات والشؤون الادارية بالاضافة الى خواص وواجبات واستخدام جميع الصنوف والخدمات .

كما يجب ان يتحلى ضابط الركن بضبط  الاعصاب كي لايتغلب الاعياء او التعب والتسرع والانفعال و الخوف والعوامل النفسية الاخرى على قراراته لاسيما اثناء المعارك , لان التوازن في اتخاذ القرار سيساعد  القطعات على القيام بواجباتها , مع تجنب اعطاء الوعود التي يتعذر الايفاء بها وعدم التهرب من المسئولية.

فضابط الركن يعمل ضمن الفريق باعداد الخطط استنادا الى معلومات ممحصة ودقيقة والقيام بالتحليل المستمر لكافة العوامل وتفعيل مناقشة الحلول المحتملة و المقترحات المحددة الى القائد او الآمر ومن هنا  يجب ان يكون قادراً على تصور رد الفعل تجاه الأوامر الصادرة.

فبعد موافقة القائد على الخطة , يُعدُّ ضباط هيئة الركن الاوامر الضرورية لتنفيذها وتقع عليهم مسؤولية توزيع هذه الاوامر بصورة صحيحة لكافة المعنيين , ويتم الاشراف على التنفيذ من قبل القائد وهيئة ركنه.

ويجب على هيئة الركن عرض كل قضية على القائد بشكل تام بعد بحث مفصل لكافة التفاصيل ، وعلى ضابط الركن عدم عرض للمشكلة دون ان يقترح على القائد حلا كاملا للمعضلة تاركا القرار النهائي للقائد نفسه.

ضابط الركن الثاني

يعتبر ضابط ركن الاستخبارات مساعدا ومستشارا لغرفة العمليات والقائد ويؤدي دورا مهما في التخطيط التعبوي للحرب , حيث يحدد ركن الحركات الاهداف العسكرية فيما يكون الاعتماد على الاستخبارات لتزويد هيئة الاركان بالمعلومات عن العدو كي تتمكن الحركات من التخطيط الدقيق للمعركةوبناء القوة اللازمة .

فضابط ركن الاستخبارات هو حلقة الوصل بين اجهزة الاستخبارات والقيادة ضمن الخطة وأرض المعركة , فلابد للقيادة من معرفة العدو لكي تستطيع ان تخطط بشكل صحيح للوصول إلى ضربه, فيكون ضابط الركن هو مندوب الاستخبارات وخبيرها في غرفة العمليات وهيئة الركن.

وقد تكون هناك أدوار لأنواع متعددة من اجهزة الاستخبارات في معركة واحدة أو جبهة واحدة كالاستخبارات العسكرية والاستخبارات الخارجية واستخبارات القوة الجوية والبحرية واستخبارات الدول الصديقة والحليفة , فكلها تصب وتتواصل مع ضابط ركن الاستخبارات وتضع تحت تصرفه منتجاتها حول الهدف والمعركة.

وتتلخص واجبات ضابط ركن الاستخبارات ضمن غرفة العمليات بدراسة العدو من كل جوانبه سواء من حيث أوضاعه وتكوينه  وتجميع قواته واحتمالاته , وتحديد نقاط الضعف والقوة عند العدو , واهم الأهداف التي يجب تدميرها , ونقاط الإختراق واهم نقاط قوة العدو واهم نقاط ضعف قواتنا , ومعرفة لوجستيات العدو وطرق امداده وتشكيلات قواته الاساسية والاحتياطية ودراسة أرض المعركة بالتفصيل لمعرفة الطرق والموانع وطبيعة الأرض التي تجري عليها المعركة ومن ثم تقديم الاستنتاجات الرئيسية من دراسة الأرض وتحديد أنسب قطاع للاختراق واتجاه الجهد الرئيسي في الهجوم، ومناطق تركيز المجهود الرئيسي في الدفاع , فركن الاستخبارات مكلف بمعرفة كل مايمكن معرفته عن العدو قبل المعركة واثناء وبعد المعركة .

فقبل المعركة عليه ان يعرف كل مايتعلق بالعدو عدة وعددا ونقاط قوة وضعف وأنواع الأسلحة ووحدات العدو ومتغيراته وقادته ومستوى المناورة و الأسلحة المساندة والإحصاءات وخطوط الإمداد والتغطية الجوية و قدرات العدو في المطاولة وأساليب المطاولة والحرب الإلكترونية ومراكز القيادة والسيطرة والاتصالات وخطوط الانسحاب والتقدم والمقتربات والحالة النفسية للعدو و الحرب النفسية وأوامر الحركات والقوه الاحتياط .

اما اثناء اندلاع المعارك فتكون واجبات الاستخبارات , غير تحديثات ماسبق , ان تقوم بتقدير الموقف ورصد ادامة زخم العدو ورصد التراجعات والخسائر والدعم واساليب تمويه ومخادعة العدو ونواياه ودعمه اللوجستي ورد الفعل لديه واخر أوامر الحركات واستخبارات العدو واتصالاته وفك شيفرة العدو بالاضافة الى تغعيل حملة الحرب النفسية وحرب الشائعات تجاه العدو .

اما ما بعد المعركة , فتقوم الاستخبارات باستثمار الفوز وتحديد اماكن تموضع العدو واستحكاماته ورصد الهجمات المضادة ونوع الانسحاب والتراجع والخسائر والأرض وخطة النار وكافة المتغيرات والأوامر .

وبالطبع فان ضابط الركن لا يقوم بتلك النشاطات بل ينسق الجهد حسب الأولويات والتوقيتات في غرف العمليات مع الأجهزه الاستخبارية ويضع جدولا زمنياً لاستكمال متطلبات الخطة وتقدير الموقف, كما يقوم بتنظيم الملحق الاستخباري اليومي الملحق بتقدير الموقف ويثبت جميع حوادث ونشاطات العدو على خارطة غرفة العمليات مستعينا بجميع المعلومات المحدثة الواصله له من خلال استطلاع الميدان أو الاستطلاع الجوي أو الرصد او التنصت او مجموع جهود الاستخبارات العسكرية من خلال مصادرها , كما يقوم ضابط الركن بايصال أوامر وتوجيهات القائد او القيادة إلى الاستخبارات ويأخذ منها الاجابات .

وبالطبع فان دور الاستخبارات لايقف فقط على المعلومات عن العدو وانما يتعداه الى ضمان عدم اختراق العدو لمعلوماتنا السرية اي ان عمل الاستخبارات هنا دفاعياً وهجومياً في نفس الوقت والاهمية.

مصادر معلومات الركن الثاني

للاستخبارات العسكرية شقين رئيسيين بحسب طبيعة عملها , وهما :

1- الاستخبارات الاستراتيجية : مهمتها جمع المعلومات العسكرية وتنسيقها وتحليلها وتوزيعها على المستوى الاستراتيجي للدولة , وﺗﻬدف إلى معرفة قدرات العدو والعدو المحتمل عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا والتكهن بنواياه  للعمل على مقابلة الاحتمالات كافة .

٢- الاستخبارات التكتيكية : ومهمتها جمع المعلومات عن العدو في منطقة محددة أو قوة عسكرية محددة ويتم ذلك من خلال:

أ- الاستطلاع الميداني.

ب- الرصد.

ج- التصوير الجوي والأرضي.

د- استجواب الأسرى والفارين من العدو.

ذ- استشارة ذوي الرأي.

ر- التجسس بأنواعه.

اما تنظيمياً , فان  الاستخبارات في الميدان تنقسم الى شقين هما :

١- هيئات ركن الاستخبارات والأمن في جميع المستويات( القوة العاقلة المخططة ).

٢- وحدات الاستخبارات والأمن(القوة الفاعلة في الميدان ).  

وهيئة ركن الاستخبارات هي الوعاء المركزي الذي تُصبّ فيه المعلومات الاستخبارية العسكرية والفعاليات الاستخبارية , فالركن الثاني يتحصل على المعلومات والاستخبارات من مصادر ووكالات مختلفة ونقصد بالمعلومات هي  تلك الأخبار التي تحتاج الى تحليل , اما المعلمة الاستخبارية فهي المعلومة المحللة الجاهزة.

اما مانعنيه بالمصادر (جميع الأذرع )فهي الجهات او الاشياء التي يتم الحصول منها على معلومات بواسطة وكالة الجمع ومثالها أسرى الحرب، أجهزة الرادار، الصور الجوية، تقارير الدوريات، وثائق العدو ومعداته المستولى عليها… إلخ.

اما مانعنيه بالوكالة (جهاز استخباري )فهي أي فرد أو منظمة مختصة تقوم بجمع أو تنسيق الاستخبارات (المعلومات)، تكون الوكالة مسيطرة أو لها حرية الوصول إلى المصدر وتكون قادرة على استخلاص وتمرير المعلومات إلى هيئة ركن الاستخبارات  وفي بعض الحالات يكون للوكالة القدرة على تقدير أهمية المعلومات وتزويد هيئة ركن الاستخبارات بترجمتها، ويلاحظ أن هيئات ركن الاستخبارات هي جميعها وكالات تقوم بمهام بعضها البعض.

ومن أهم مصادر هيئة ركن الاستخبارات هي :

1-صنوف الاسلحة والتشكيلات المختلفة :

كاستطلاع كتائب الدروع والمدفعية والكتائب الهندسية والاتصالات اللاسلكية ووحدات المشاة والقوة الجوية الشاملة للاستطلاع الجوي والصور الجوية من خلال وحدات الاستخبارات في كافة الصنوف , فكل وحدة عسكرية فيها قسم استخباري يختلف عدد افراده باختلاف الصنوف التي يعملون بها , حيث يتواجد عناصر الاستخبارات في كافة التشكيلات العسكرية من اصغرها (الكتيبة ) حتى اعلاها (الفيلق), وتكون ارتباط الدوائر الاستخبارية في الوحدات العسكرية بشكل هرمي من القيادة الدنيا للقيادة العليا .

2- عناصر المراقبة (الصيادون، الرادار، أشعة تحت الحمراء، تلسكوب .. إلخ).

3- الرصّاد الأماميون والدوريات.

4- أسرى الحرب و المرتدون و اللاجئون و الهاربون والتائهون.

5- الوثائق والمعدات المستولى عليها.

6- تشخيص هويات العدو من جثث قتلاه.

7- التنصت.

8- مجتازو الحدود كمراقبي الهدنة والقوات الدولية.

وبالطبع فان تلك المعلومات هي في معظمها تحتاج الى التمحيص والتحليل لكي تصبح معلومات استخبارية وخلاصات يصح ان يتسلمها الركن الثاني في الاركان كي يعرضها ويُبني عليها القرار العسكري الحربي الدفاعي والهجومي .

ومن هنا نستخلص ان الركن الثاني هو وعاء لخلاصة المعلومات الاستخبارية  وهو الناقل لاوامر القائد حول المعلومات المطلوبة عن العدو وهو في ذات الوقت المسؤول عن ادارة صد اي خرق استخباري للعدو , فضابط الركن الثاني هو الممثل والمنسق لكل الجهد الاستخباري العسكري في داخل هيئة الاركان وهو عين القيادة على العدو ومشارك في عقلها في التخطيط لدحره.

خلاصة

الحرب مع العدو لم تعد مدافع وقنابل وقصف , وانما هي حرب معلومات , فمن يمتلك المعلومات لايفاجأ , وبما ان اجهزة الاستخبارات هي المنوط بها جمع المعلومات وكشف نوايا العدو ونقاط ضعف وقوة العدو , وهذا يعني ان اي تشكيل عسكري مهما صغر او كبر يعي ان نجاحه في الدفاع والهجوم يعود الى القسم الاستخباري فيه .

وبما ان اعلى جهة عسكرية منوط بها قيادة الجيوش واعداد الخطط وادارة المعارك هي هيئة الاركان , فكان لابد ان يكون لركن الاستخبارات فيها قصب السبق في فخر الانتصار , ومن هنا فان بناء استخبارات فاعلة هو ضامن حقيقي لاي انتصار , والله الموفق.

* حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

اخر المقالات