ركائز الامن القومي في زمن العولمة. بقلم جاسم محمد

ركائز الامن القومي في زمن العولمة. بقلم جاسم محمد

اعداد: جاسم محمد، باحث في قضايا الارهاب والاستخبارات
المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

مقدمة

الامن القومي (National Security)   هو : قدرة الدولة على حماية أراضيها  ومواردها  ومصالحها من التهديدات الخارجية  ـ العسكرية والتهديدات ألداخلية . وبفعل العولمة، حدثت تحولات في مفهوم الأمن، وأبرزها  القوة، التي لم تعد ترتبط بالعامل العسكري بل تعدته إلى السياسة و التكنولوجيا والتعليم، والنمو الاقتصادي واعتماد المعلومات، هذا التعريف ربما كان من اكثر التعريفات تداولا والذي تناولته العديد من الدراسات الصادرة باللغة العربية والانكليزية.

اما أنصار المفهوم العسكري للأمن القومي في الأدبيات العربية فيعتبر الدكتور  حامد ربيع الذي يرفض إطلاق مفهوم فضفاض على كلمة الأمن القومي، فالاصطلاح في رأيه يتجه أساساً إلى تلك الحماية الذاتية المرتبطة بحدود الدولة وأوضاعها الإستراتيجية والجيوبوليتيكية، وبالتالي فالأمن القومي وفقاً له هو “تلك المجموعة من القواعد الحركية التي يجب على الدولة أن تحافظ على احترامها وأن تفرض على الدول المتعاملة معها مراعاتها لتستطيع أن تضمن لنفسها نوعاً من الحماية الذاتية الوقائية الإقليمية.

ويعرف تريجر وكرننبرج الأمن القومي بأنه “ذلك الجزء من سياسة الحكومة الذي يستهدف خلق الظروف المواتية لحماية القيم الحيوية”. ويعرفه هنري كيسنجر بأنه يعني “أية تصرفات يسعى المجتمع  ـ عن طريقها إلى حفظ حقه في البقاء. أما روبرت ماكنمارا فيرى أن “الأمن هو التنمية، وبدون تنمية لا يمكن أن يوجد أمن، والدول التي لا تنمو في الواقع، لا يمكن ببساطة أن تظل آمنة.

الأمن العسكري    : وهو  أستشعار ألخطر المسلح  والقدرات الدفاعية وقراءة مستقبلية لنوايا الدول .
 الأمن السياسي  :   وهو الاستقرار السياسي للدولة،  وحماية الشرعية .
الأمن الاقتصادي  : وهو حماية الثروات والموارد المالية والتنمية .
ألامن الاجتماعي : هو التعايش السلمي بين جميع مكونات  الدولة من خلال قبول الطرف الاخر واحترام العادات والتقاليد للمكونات الاخرى بغض النظر عن العرق او الدين أو ألمذهب او الهوية والشعور بالامان .

التنمية المستدامة : هي احدى مخرجات تماسك الامن القومي والمقصود بها،  هي العملية  لاي دوله تعني القوه في امنها القومي وصدها لاي خرق في المجال السياسي او الاقتصادي او الاجتماعي واولها المجال الامني والعسكري.

ركائز الأمن القومي

1-   إدراك التهديدات الخارجية و الداخلية.
2-  رسم استراتيجية لتنمية قوى الدولة.
3- تأمين القدرة على مواجهة التهديدات الخارجية والداخلية.
4-  قراءة النوايا المعادية  للدول الاهداف.

 

الإستراتيجية القومية ـ ألوطنية

والتي تعني الإستغلال الكامل للقوى السياسية والإقتصادية والنفسية والعسكرية والعقائدية للدولة في السلم والحرب لتحقيق الأهداف التي تضمن سلامتها وأمنها والحفاظ على سيادتها واستقلالها.  أما الإستراتيجية الحربي  والتي تعني الإستغلال الكامل للوسائل العسكرية لتحقيق أهداف الإستراتيجية القومية بالإستخدام المباشر أو غير المباشر للقوات العسكرية للدولة أثناء السلم والحرب. إن الإنشغال الشديد بالقوة وتعظيمها من شأنه أن يضع الدول المتنافسة في مأزق لا تستطيع التخلص منه.

ويدفع بالدول الى سباق اكتساب الأسلحة لغرض الدفاع دونما اعتبار لأية قيم اجتماعية أو اقتصادية. وتصبح غاية الدولة العسكرية الإبقاء والحفاظ على هذا النظام ومن ثم يتم تكريس مظاهر تبعية العالم الثالث للدول الكبرى وذلك بخلق صراعات اقليمية وصراعات داخلية تُبقي دول العالم الثالث بحاجة مستمرة وملحة الى التكنولوجيا العسكرية للدول العظمى . وإن تهافت الدول على شراء هذه الأسلحة يؤدي الى صراعات اجتماعية تشكل اليوم أكثر من 90% من الصراعات في العالم الثالث.

حيث تكون البداية الحصول على الأسلحة من أجل مقاومة التهديدات والأخطار الخارجية ولكنها تنتهي الى استخدامها في قمع أي إصلاح اجتماعي أو أي محاولة لتوجيه أموال الدولة في تطوير التنمية الإجتماعية والإقتصادية .اي استيلاء النظام على القدرات العسكرية  وتدوير التسلح لصالحه ،لتقوية بقائه في السلطة وحمايته اكثر من حماية الامن الوطني للدولة ، وهذا كثيرا ما يكون واضحا في الانظمة الشمولية. وهذا يعني الوقوع  في مصيدة سباق التسلح  مما يسبب مشكلات أمنية على حساب التطور الثقافي والإجتماعي والصحي والسياسي فضلا عما يسببه من تبعية عسكرية وفنية للدول المصدرة للسلاح. إن رسم الخطط وتنفيذها لا يتم الا بعد وضع الإستراتيجيات، اي  لاتكون جدوى منوضع الخطط قبل ان يتم وضع ورسم الآستراتيجيات، وكأن الخطط هي تطبيق لهذه الاستراتيجيات على الارض. وضمن شروط نجاح الخطط يجب ان يكون هنالك نظام مراقبة وتقييم لكل خطة.

ألاستراتيجية الإقتصادية

الإستراتيجية ألاقتصادية تتأرجح بين الأمن الخاص بالموارد الحيوية ذات الطبيعة الإستراتيجية وهي ترتبط بالوظيفة الإقتصادية لنظام الحرب والتنمية الإقتصادية كجوهر للأمن، فتنظر الدول المتقدمة الى أي تهديد يتعلق بقدرتها على التأثير في بنائها الإقتصادي على أنه تهديد للأمن القومي . ولقد ظهرت في الدول الغربية وبالذات الدول الصناعية أهمية موضوع أمن الطاقة المتمثل في تأمين مصادر الطاقة وبالذات البترول والغاز كجوهر للأمن القومي. هذا العامل دفع بعض الاطراف الدولية على اعتماد سياسة خلق الحروب والنزاعات الاقليمية والداخلية من اجل التدخل . وشهد المنطقة العربية ومنطقة الشرق الاوسط خلال العقد الاخير من القرن الماضي والعقد الحالي الكثير من ألنزاعات و “ألثورات ” ,الانتفاضات ” المفتعلة  من قبل  اطراف وقوى دولية واقليمية في منطقة الشرق الاوسط، كان ابرزها السيطرة على مصادر الطاقة. وما شهدته عملية غزو العراق 2003 وليبيا 2011  ودول اخرى يبرهن تلك السياسات التي تهدف الى تامين مصادر الطاقة والذي تحول الى ركيزة اساسية في الامن القومي الاميركي والدول الصناعية الاخرى .

وهكذا أصبحت مساحة التدخل الأجنبي في كثير من شئون الدول  في ظل العولمة  أكبر، واتخذت صورا
واشكال مبطنة تحت حجة “ألديمقراطية ” ومساعدة الشعوب في تقرير ألمصير وربما مكافحة الارهاب والجماعات “الجهادية” . كما سمحت بعض التيارات الاجتماعية  ومنظمات المجتمع المدني  لنشر ” ألليبرالية ” بديلا للتعاليم والاعراف الاجتماعية،هذه السياسة تعدت الى تغيير مناهج التربية والتعليم ونمط الحياة اليومية والعادات والتقاليد لبعض المجتمعات تحت باب ألليبرالية .

تداعيات العولمة على الامن القومي

سمح نظام العولمة للولايات المتحدة  وقوى دولية  باعتماد سياسات غير مقيدة بحدود الولايات المتحدة تحت باب “مكافحة الارهاب” هذه العبارة اثارة الكثير من الجدل والخلافات حتى داخل الولايات المتحدة وحليفاتها في الاتحاد الاوربي والمنطقة، لترسم مفهوم اميركي جديد للامن القومي الاميركي يتمثل بنشر القوات الاميركية او التواجد الاميركي الاستخباري او باشكاله الاخرى الاف الاميال عن الاراضي الاميركية .

أما أقليميا  فأن مخاوف ايران من التهديدات الاميركية دفعتها الى نشر قواتها في المياه الاقليمية والتمدد عسكريا في سوريا والجزر الاماراتية الثلاث المحتلة والقيام بالعديد من المناورات العسكرية. واتسعت العولمة لتشمل الحرب الالكترونية المعلوماتية في العالم وشهدت الولايات المتحدة على سبيل المثال لا الحصر فضيحة تجسس معلوماتي على الاتحاد الاوربي ودول اخرى من خلال برنامج بريمز ومؤسسة ناسا الفضائية  وهذه التفاصيل  كشف عنها مسرب المعلومات ادورد سنودن، في  يونيو 2013 ألمتعاقد مع وكالة الامن القومي بعد لجؤه الى روسيا.

تهديدات سيبرانية

ان تنظيم داعش لم يعد تنظيم “جهادي اسلاموي” ساذج بقدر ماهو “منظمة ارهابية سرية”، مايحتاجه التنظيم ايضا هو الخبرات، وطالما هذا التنظيم يقوم على اساس العولمة وتعدد الجنسيات في داخله، فانه يتمكن من تحقيق اهدافه على السايبر ووسائل التواصل الاجتماعي.التنظيم ممكن ان يتحول الى منظمة سرية، لتنفيذ الاغتيالات اكثر من العمليات الانتحارية، على غرار المنظمات السرية اليمينية واليسارية، وان ينشط كثيرا في اوروبا، وتنفيذ هجمات اليكترونية “سيبرانية” وهاكرز ضدها، بل ممكن ان تصل قدرته الى حد زعزعة امن واستقرار دول من خلال هذه العمليات وعمليات الاتجار بالسلاح والمخدرات والمحظورات.

ماتحتاجه الحكومات هو ايجاد وحدات رقمية واعادة استراتيجة مكافحة الارهاب، تتعدى الاشكال النمطية على الارض وترتقي الى حجم تهديدات تنظيم داعش والجماعات المتطرفة.فلم تعد تهديدات الامن القومي في زمن العولمة على مايجري على الارض، بقدر هجمات ونشاطات على الشبكة العنكبوتية، وهذا دفع وكالة الاستخبارات المركزية، والبنتاغون وكذلك في المفوضية الاوروبية، باستحداث وحدات رقمة لردع الهجمات الالكترونية، لحماية الامن القومي.

تاثيرات ألمرحلة الانتقالية للدولة

لا يتحقق الأمن القومي ولا يمكن استعاضته عن طريق القوة العسكرية، لأن الأمن القومي يقاس بالقدرة وليس بالقوة. وهذا يؤكد حقيقة حتمية هي أن الدول في مراحل التحول الديمقراطي تكون في أضعف حالاتها لأن هناك تفكيكا لنظام قديم وبناء لنظام جديد وهناك حرب شرسة من النظام القديم من خلال آليات المقاومة التي تنتهجها الدولة العميقة .

وبالتالى فإنه  كلما طالت الفتره الإنتقالية كلما زاد الخطر الذي يطال الأمن القومي. اي ان المرحلة الانتقالية تشهد فراغا سياسيا الى سلطة الدولة ، هذا الفراغ يتم استغلاله من قبل التنظيمات “ألجهادية ” في هذه المرحلة ومن قبل اطراف اقليمية ودولية لعرقلة مشروع الانتقال الذي لا يصب في خدمتها . ف “الدولة الاسلامية” والقاعدة في العراق وسوريا واليمن وفي افغانستان وجماعة الاخوان المحظورة شهدت تصعيدا في عملياتها الارهابية  خلال الفترات الانتقالية في مصر او فراغ السلطة في بعض الدول الفاشلة.

 

هوامش

    • د. حامد ربيع، نظرية الأمن القومي العربي والتطور المعاصر للتعامل الدولي في منطقة الشرق الأوسط (القاهرة: دار الموقف العربي)
    • Frank Trager and Philip Kronenberg (eds.), National Security and American Society (Kansas: Kansas University Press, 1973), p35-36.
    • Henry Kissinger, Nuclear Weapons and Foreign Policy (London: Wild Field and Nicholson, 1969), p 46
    •    Frank Trager and Philip Kronenberg (eds.), National Security and American Society (Kansas: Kansas University Press, 1973), p35-36.
    • Henry Kissinger, Nuclear Weapons and Foreign Policy (London: Wild Field and Nicholson, 1969), p 46
اخر المقالات