فرنسا … معضلة عودة المقاتلين الأجانب من القتال في سوريا والعراق

فرنسا … معضلة عودة المقاتلين الأجانب من القتال في سوريا والعراق

إعداد: المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

أظهرت مشكلةُ العائدين من صفوف “داعش” وغيره من التنظيمات الإرهابية المتواجدة في بؤر العنف والتوتر مشكلةٌ لم تكن في الحُسْبان وإشكاليةٌ جديدةٌ لم تَجُلْ بخاطرِ فرنسا، وتكمن خطورة هذه العناصر العائدة في تلقيها تدريبات عسكرية واعتناقها أفكارًا متطرفة من شأنها أن تدمر أيَّ مجتمع يتواجدون فيه.

وتواجه فرنسا مؤخرا تصاعد للتهديدات الإرهابية داخل أراضيها، وكذلك تسعي بكل قوة لمواجهة خطر “المقاتلون الأجانب” أو العائدين من مناطق الصراع إلي أوروبا؛ وفي سبيل ذلك اتخذت عدة خطوات ووسائل لمجابهة هذا التهديد الإستراتيجي داخل حدودها.

بحث البرلمان الفرنسي، يوم 18 اكتوبر 2017، اقرار قانون مكافحة الإرهاب المثير للجدل والمدعوم من الرئيس إيمانويل ماكرون في ظل التهديد الإرهابي المرتفع في فرنسا. يهدف مشروع القانون إلى تضمين القانون العام بعض إجراءات حالة الطوارئ السارية في البلاد منذ اعتداءات نوفمبر 2015 (خلفت 130 قتيلا) .

وينص المشروع على اتخاذ تدابير عدة كزيادة وسائل التحري الممنوحة للنيابة العامة وإمكان تنفيذ مداهمات ليلاً وضبط تبادل الرسائل الالكترونية واستخدام تقنيات تسمح بكشف هوية أصحاب الهواتف النقالة والتنصت على الاتصالات الهاتفية أو أحداث جرائم جديدة تفرض عقوبات في حال الاطلاع المنتظم على مواقع تحرض على تنفيذ أعمال إرهابية.

المقاتلون الاجانب فى فرنسا

كشفت دراسة هولندية عام 2016 أن الفرنسيين يشكلون أكبر عدد من “المقاتلين الأجانب” في صفوف المتشددين في سوريا ، ويشكل الأوروبيون الذين يقاتلون مع الجماعات الإرهابية في سوريا والعراق أحد أبرز المخاوف الأمنية في أوروبا لعدة سنوات قادمة وفق رويترز.

وكشفت الدراسة التي أعدها المركز الدولي لمكافحة الإرهاب في لاهاي إن دول الاتحاد الأوروبي يجب ألا تتساهل مع مواطنيها الذين يغادرون للقتال في الشرق الأوسط، وفي المجمل سافر ما يصل إلى 4294 أوروبيا للقتال في سوريا عاد منهم إلى أوروبا 30 بالمائة وتأكد مقتل 14 بالمائة، وأشارت الدراسة إلى إن نحو 17 بالمائة منهم من النساء وإن 23 بالمائة اعتنقوا الإسلام، وجاء أغلبهم من مناطق حضرية أو ضواحي المدن بالقارة الأوروبية.

وبحسب مجموعة “صوفان”، التي تتخذ من نيويورك مقرا لها، فإن نحو 1700 فرنسي انضموا إلى صفوف تنظيم داعش في العراق وسوريا، وقدر مسؤولون حكوميون فرنسيون أن المئات من هؤلاء الرجال لقوا حتفهم في معركة أو عادوا إلى ديارهم.

ووفقًا لأحدث تقييم من قِبَلِ السلطات الفرنسية فى عام 2017، تقدر نسبة الأطفال الفرنسيين المنضمين إلى صفوف تنظيم داعش في العراق وسوريا حاليًا حوالي 450 طفلًا، وتخشى أجهزة مكافحة الإرهاب أن يصبح هؤلاء الأطفال – المتورطين في القتال سواءً باختيارهم أو إجبارًا من آبائهم – بمثابة “قنابل موقوتة” يستخدمها تنظيم داعش عند الحاجة؛ لذا تسعى فرنسا سعيًا حثيثًا إلى التعاطي مع هذه الكارثة بحذر وحيطة بالغين.

وتم إحصاء 5325 متطرفًا يقيمون في باريس ، من بينهم 4030 متطرفًا يتم مراقبتهم بشكل مستديم، كما يضم هذا الإحصاء عددًا من المتطرفين مصنف حالتهم بـ “مستقر”، وهم الأشخاص الذين تم الإبلاغ عنهم من قِبَلِ ذويهم من خلال التليفون إلى المركز الوطني للرعاية والوقاية من التطرف(CNAPR). .

العمليات الإرهابية فى فرنسا

أبرز المحطات الإرهابية التي شهدتها فرنسا:

  • يوم 7 يناير 2015 ،الأخوان “شريف وسعيد كواشي” يقتلان 12 شخصا في هجوم مسلح على مقر مجلة “شارلي إيبدو” الأسبوعية الساخرة بين الضحايا مدير المجلة وعدد من كبار رساميها وشرطيان.
  • يوم 1 يناير 2016، فرنسي من أصل تونسي يحاول دهس جنود يحرسون مسجدا في “فالونس”.
  • يوم 13 يونيو 2016، أقدم “العروسي عبالة” الذي بايع “داعش”، على قتل مساعد قائد شرطة منطقة “إيفلين “بالسكين .
  • يوم 15  يوليو 2016، مقتل 84 شخصا على الأقل بهجوم بشاحنة خلال احتفال بيوم الباستيل في “نيس”.
  • يوم 26 يوليو 2016، قام “عبد المالك بوتيجان وعادل كرميش” بذبح قس في كنيسته في بلدة “سانت إتيان” وقُتلا بعد إطلاق النار عليهما.
  • يوم 20 أبريل 2017، قتل شرطي وجرح زميلان له بالرصاص وسريعا تبنى تنظيم “داعش” العملية.
  • يوم 6 يونيو 2017، حاول شخص الاعتداء بمطرقة على شرطي أمام كاتدرائية “نوتردام” مدعيا أنه “جندي من جنود الخلافة”.

رفع حالة الطوارئ

صادق البرلمان الفرنسي على تمديد سادس، وأخير مبدئيا، لحالة الطوارئ حتى الأول من نوفمبر 2017، وذلك قبل صدور  قانون جديد يجعل بعض أحكام حالة الطوارئ مستدامة، وتبنت الجمعية الوطنية التمديد الجديد بغالبية 137 صوتا مقابل رفض 13عضوا.

وتتيح الحالة، بالخصوص، تحديد إقامة أشخاص دون موافقة أولية من القضاء، ومنع التظاهرات والتدقيق في الهوية وتفتيش الأمتعة والسيارات وغلق أماكن التجمعات.

أقرت الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان) بأكثرية مريحة،مطلع شهر اكتوبر 2017، قانونا جديدا لمكافحة الإرهاب الهدف منه مواجهة المخاطر الارهابية في البلاد التي سبق وأن تعرضت لسلسلة اعتداءات دامية منذ العام 2015. والذي وصف بانه بديل الى حالة الطواريء في فرنسا.

وأعلن الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” أنه يعتزم رفع حالة الطوارئ المفروضة في البلاد،وقال ماكرون: “سأعيد الحريات إلى الفرنسيين برفع حالة الطوارئ في الخريف، لأن هذه الحريات هي الشرط لوجود ديمقراطية قوية”، مشيرا إلى أن البرلمان سيدعى إلى التصويت على تدابير جديدة لمكافحة الإرهاب.

تدابير جديدة لمكافحة الإرهاب

عقد الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” اجتماعاً، فى 23 يونيو 2017 لحكومته الجديدة التي طرحت قانوناً جديداً لمكافحة الإرهاب ومن شأن القانون الجديد أن يمنح السلطات المحلية صلاحيات أوسع للتصرف من أجل حماية فعالية ما، أو موقع يعتقد أنه معرض لخطر الهجوم دون طلب الإذن من القضاء أولاً.

كما أنه يسمح للسلطات المحلية أن تفرض طوقاً أمنياً والقيام بعمليات دهم وتفتيش للحقائب، باستخدام عناصر من الأمن الخاص دون الحصول على موافقة مسبقة، ومن شأن مشروع القانون أن يسمح بإغلاق أماكن العبادة التي تشجع على التطرف، لمدة تصل إلى ستة أشهر.

واعتبر رئيس الوزراء “إدوار فيليب” أن مشروع القانون “يحقق التوازن الصحيح” بين احترام الحريات وتعزيز الأمن، وقال في مقابلة مع تلفزيون «تي إف 1»: “نريد ضمان الأمن ونرغب في القيام بذلك مع احترام القانون والدستور (…). لا يمكننا التوقف عن أن نعيش حياتنا”.

وبدأت السلطات الفرنسية مراجعة تدابير حيازة السلاح بعدما تبين أن سائق السيارة في الشانزلزيه نال رخصة قانونية لحيازة أسلحة نارية، رغم كونه على قائمة لمراقبة المتطرفين منذ عام 2015.

وبموازاة ذلك اتخذت باريس إجراءات أمنية مشددة ، حسب خطة أمنية أعلنتها الشرطة الفرنسية فى 26 يونيو 2017، تسمى خطة “السياحة 2017″، قدمتها شرطة العاصمة الفرنسية بعد الاعتداء الذي استهدف “الشانزيليزيه “وسط باريس”وتم تشكيل وحدة إضافية لضمان الأمن في قطاع برج “إيفل وتروكاديرو” غير الوحدة التي كانت موجودة في جادة “الشانزيليزيه”، إضافة إلى مركز مراقبة بالفيديو يخصص كليا لأهم المناطق السياحية .

لم تنعكس أخطار الصراع الذي تشهده سوريا والعراق على منطقة الشرق الأوسط فحسب بل تجاوزتها لتطال دولا أوروبية من بينها فرنسا التي تتطلع بقلق إلى الإرهاب القادم من سوريا والعراق مع عودة المقاتلين الفرنسيين إلى بلادهم، ليزيدوا من تعقيد الوضع في ظل تهديد الذئاب المنفردة في الداخل.

* حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

اخر المقالات