مؤتمر الرياض للمعارضة السورية” والعودة الى الميدان

مؤتمر الرياض للمعارضة السورية” والعودة الى الميدان

af80ba571a5af5ef51ff2e20805f1837مؤتمر الرياض للمعارضة السورية” والعودة الى الميدان

صفوان داؤد، مختص بالشأن السوري

ألمركز الأوربي العربي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبار

من السذاجة القول ان في مؤتمر الرياض او مؤتمر فيينا والقاهرة سابقا ستكون بارقة أمل أو بداية طريق لحل جدي للأزمة السورية بكل ماتتضمنه من تعقيداتها عسكرية وسياسية واقتصادية. سيرورة الوقائع السورية تشير بوضوح الى ان المملكة السعودية وايران وتركيا كانت ولازالت اطراف اصيلة في الازمة السورية, وان كل المؤشرات الحالية الصادرة عن الادارة الامركية توحي بأنه لايوجد في الافق حل سياسي جدي يأخذ بعين الاعتبار المصلحة الوطنية السورية, وان تحالف مصالح الادارة الأمريكية وحلفاؤها الاقليميين المتعلق بمشروع تقسيم الشرق الاوسط وفق المعيار الطائفي سائر في طريقه وفق الوضع الحالي. إن المصلحة الوطنية السورية بمنطقها الذاتي لن يوجدها مؤتمر الرياض ولا فيينا بل تتبلور عن رؤية وطنية مسئولة جامعة جوهرها رفع صوت الكتلة الثالثة من المجتمع السوري, التي ترفض نهج الصراع للطرفين المتصارعين. وهذا لن يتم إلا بمسار سياسي جدي يهدف الى تغيير طريقة النظام وليس اسقاطه، عبر محاربة الفساد وتفشي مفهوم (العصابة) الناتجة عن الحرب، وصولاً لعملية تفاعلية وطنية بين النظام السياسي الحالي والقوى الوطنية الفعلية في إدارة الصراع السوري-السوري وانهائه بعقول وايدي سورية.

إن جزء هام من المعارضة الداخلية بشكل خاص هيئة التنسيق الوطنية التي يتزعمها حسن عبد العظيم تنتقد الموقف الروسي من ان تدخلهم يمكن أن يؤدي الى تشدد النظام في العملية السياسية، وأن تتحقق بعض الشروط في صالحه، تساعده في إعادة انتاج نفسه. من منظور معين يمكن اعتبار هذا التخوف منطقياً في حالة خاصة وهي اذا اعتبرنا ان النظام السوري بعد كل ما حصل فيه قابل للعودة إلى الماضي كما كان, لكن هذا في ظل تطور الصراع في سوريا يبدو غير قابل للتحقيق, وستكون صحيحة لو أن الروس “بتدخلهم” ليست لهم من أهداف سوى حماية السلطة والرئيس، والمساعدة الصريحة في إعادة انتاج النظام لنفسه ديكتاتوريا وقمعياً، وهذه قراءة وتصور خاطئ الى حد ما, فالروس لايضحون من اجل شخص بل من اجل مصالح. وسيكون التخوف صحيحاً طالما أنه في المنظور التاريخي ان الصراع بين الديكتاتورية والفاشية، سيساهم هذا الموقف الروسي إما الى انتصار الفاشية كما حصل في كل التجارب التاريخية لمواقف القوى المترددة الاوربية تحديدا في مثل هذه الصراعات، في ايطاليا الفاشية وألمانيا النازية، وإما أنه سيساعد الديكتاتورية في تحسين شروط وجودها الجديدة بعد انتصارها كما حصل في ليبيا القذافي وبعض الديكتاتوريات الافريقية الاخرى.

وبعيداً عن الثابت العام للمواقف المتعارضة للمحورين المتصارعين في الحرب السورية ثمة محطات ومنعطفات للمواجهة ينتقل مركز الفعل فيها من المستوى العسكري الى الاعلامي والدبلوماسي, وتجد لها ساحة مناسبة تُستعاد من خلالها الحرب الدولية الكبرى على سوريا الاستمرار من جديد. على هذا الأساس يشكل مؤتمر الرياض تطوراً مهماً في مواجهة الانزياح الميداني الذي حصل في الشهرين الماضيين لصالح الجيش السوري في كل من ريف حلب الجنوبي ودرعا. إن تخوف الرياض من استمرار هذا الانزياح مع الزخم الكبير للعملية الجوية الروسية ومن التصميم الكبير للادارة الروسية في محاربة الارهاب, من أنه قد يحدث تحولات جيوسياسية تقود بالنهاية الى انعطاف في استراتيجيات الدول المشاركة في حروب الوكالة ضد الدولة السورية. اولى هذه التحولات ولو انها في بدايتها هو الرأي العام الأوروبي وامكانية ضغطه على الحكومات الغربية المنضوية كلياً تحت العباءة الاميركية في ما يتعلق بالموضوع السوري. يمكن هذا الرأي أن يدفع الحكومات الاوربية الى تغيير مواقفها المتشنجة تجاه النظام السوري, والى التشابك مع الرؤية الروسية في حل الازمة السورية ابتداءً وقبل كل شيء من محاربة الارهاب. معنى ذلك أن اساس الفعل العسكري ومن ثم السياسي الدولي سيتجه نحو محاربة الأدوات الفعلية لهذا الارهاب الذي احد مستثمريه كما شأن الدول القليمية الاخرى هو المملكة السعودية. من هنا يأتي مؤتمر الرياض في وقت بدا أن هناك فعلياً مخاطر من تحجيم هذه الأدوات أو الميليشيات  الاصولية ومحاصرتها من قبل العملية العسكرية للجيش السوري وحلفاؤه. أيضاً على هذا الأساس جاء اختيار اعضاء المؤتمر بعناية, معظمهم من الائتلاف السوري المعارض المعروف بتشدده, املاً بأن لاتسمح التطورات الميدانية السورية اجهاض ما حققته المملكة مع حلفائها في السنوات الاربع الماضية من عمر الازمة السورية. من هنا تضمن المؤتمر ايضاً اسماء لقادة ميليشيات مسلحة لاتؤمن ضمنياً بالحل السياسي, ويحاربهم الجيش السوري وحلفاؤه كما يتم قصف مواقعهم من قبل الطيران الروسي. وهو مايوحي ضمناً أن هناك اصرار واضح للمملكة في تعطيل اي حل سلمي يمكن ان يتبلور في المدى المتوسط, والابقاء على سياق الصراع عند مستوى الخطر جداً، ولامانع أن يتجاوز عتبة الازمة غير المعلنة بين روسيا وحلف شمال الأطلسي عبر تركيا وقضية اسقاط الطائرة.

بالمقابل يبدو الوضع الاستراتيجي للولايات المتحدة في الشرق الاوسط افضل بكثير من روسيا، ففي السنوات الاربع من عمر الازمة السورية كانت سياسات الادارة الاميركية في الاطار العام هي التي تتحقق او تصل الى نهايات سياسية تناسب الولايات المتحدة. ولم يحقق الدور الروسي والإيراني في الملف الصراع السوري الكثير, بل على العكس يمكن تصنيفه في اطار الدفاع المتراجع الى الحد الذي تم فيه تمزيق سوريا في الجغرافية والديموغرافيا الى الوضع الذي اصبحت عليه الان، وهو ما يمثل تقدم استراتيجي بالنسبة للمشروع الأمريكي. والان بعد انقضاء المهلة التي حددها سلاح الجو-فضائي الروسي تقريباً والتي تنتهي نهاية هذا العام, يُظهر الميدان محدودية النتائج لكنها لم تصل الى مستوى خيبة الامل, ما يعني في الواقع الاصطدام بحقيقة وهي أن هذا التدخل قد يكون الخيار الاخير، ولايظهر في الافق بديل آخر يمكن أن يحدث انعطافاً فعلياً في مجرى الصراع الدائر على الأرض، وليقتصر الدور الروسي الحالي على تدعيم ماتبقى من الجغرافيا المحكومة من قبل النظام. في المقلب الآخر تبدو الولايات المتحدة أكثر امكانية بقدرتها على استيعاب هذا التدخل الروسي عبر الدور الوظيفي الهام لحليفها التركي. هذا اذا استثنينا ماتمثله هذه الحرب، مع ارتباطاتها فرصة لبيع السلاح والخدمات الأمريكية لحلفائها الخليجيين الذين هم فعالين لوجستيا بشكل او بآخر في الحرب السورية.

ان تهافت المعارضات السورية المعروفة بتشنجها السياسي والمعروفة بطائفيتها, وحضور قادة ميدانيون حاربوا الجيش السوري, واطلقو الهاون على الاحياء المدنية, وبعضٌ من عناصرهم قام بوضع  مواطنون سوريون في اقفاص وادانتهم في ذلك منظمة هيومن رايتس ووتش بشدة, يعني بوضوح ان الرياض تسعى بكل ثقلها للانقلاب على مؤتمر فيينا. ونحن نشك بدرجة كبيرة ان المملكة يمكن ان تقوم بهذا الفعل دون موافقة الادارة الاميركية, ويتحول الشكّ الى يقين عندما ندرك أن احد اهم الاهداف المُستجدة في الصراع على سوريا بالنسبة للادارة الاميركية هو استنزاف روسيا. وعلى هذا الأساس يبدو أن مؤتمر الرياض للمعارضة السورية سيكون اعلان سياسي للابقاء على حالة الصراع في سوريا. ويكتمل المشهد تماماً اذا ماربطناه مع  دعم حلف شمال الاطلسي لتركيا في ازمتها مع روسيا, وعلى اعلان الجيش الاميركي تواجد عناصر محدودة العدد له في الشمال السوري, كإشارة رمزية لاستمرار الصراع على سوريا. بمعنى ان العسكرة مازالت تغلب الحل السياسي, وهنا لايسعنا الا العودة لفرضية ان الميدان هو الفيصل في ماسوف تنجزه السياسة.

اخر المقالات