لماذا اخراج قطر من التحالفات الدولية لمحاربة الارهاب بات الان ضروريا ؟

لماذا اخراج قطر من التحالفات الدولية لمحاربة الارهاب بات الان ضروريا ؟

كتب الدكتور عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب،  أستاذ بجامعة أم القرى بمكة
المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

مواجهة الإرهاب العالمي يفرض التخلي عن الدور القطري

منذ الدولة السعودية الأولى كانت هناك قوتين تقفان أمام تمدد الدولة السعودية ، كانت تقف الدولة العثمانية أمام تمدد الدولة السعودية في الحجاز، بينما كانت تقف بريطانيا أمام تقدم الدولة السعودية في منطقة الخليج، وكانت الدولة العثمانية السبب الرئيسي في نهاية الدولة السعودية الأولى، بينما كانت الحرب الأهلية السبب الرئيسي في سقوط الدولة السعودية الثانية.

الدولة السعودية الثالثة بقيادة الملك عبد العزيز لعب على التوازنات الدولية في ذلك الوقت وساهم في استقرار دولته في ظل ضعف الدولة العثمانية ولكنه أدرك أن بريطانيا تقف أمام مد نفوذه في دول الخليج.
قطر دولة كانت تحت سيطرة الدولة السعودية الأولى عام 1792 لكن حرصت بريطانيا فيما بعد على تفكيك دول الخليج إلى إمارات وممالك، وكان النموذج الوحيد في دول الخليج هو اتحاد الإمارات العربي بموافقة دولية ولكن وقفت الولايات المتحدة في زمن أوباما أمام قيام اتحاد خليجي وهي ورثت نفس السيناريو عن بريطانيا.

كانت هناك قاعدة للولايات المتحدة في السعودية، لكن أحداث الكويت وتدخل المجتمع الدولي في إخراج صدام حسين من الكويت، برزت إلى الساحة متغيرات جديدة وضغوط من رجال الدين في زمن الصحوة التي كانت تمر بها المنطقة على الحكومة السعودية في إخراج القاعدة الأمريكية من السعودية، ولم تجد أمريكا مكانا مناسبا سوى دولة قطر كدولة صغيرة وتحيط بها المياه من ثلاثة جهات سوى جهة وحيدة مع السعودية مما تشكل مكانا آمنا للقاعدة الأمريكية من الاستهداف قد تغير القاعدة موقعها بعد اتهام قطر بدعم وتمويل الإرهاب من قبل أمريكا.

شكلت القاعدة الأمريكية بجانب الاحتياطي الكبير من الغاز الذي تملكه قطر وهي ثالث احتياطي في العالم، أضيف إليها قناة الجزيرة، وأصبحت قطر فيما بعد مقر للقرضاوي الذي أصبح زعيم الإخوان المسلمين بعد توصل الإخوان إلى الحكم في أكبر دولة عربية هي مصر، ثم أصبحت قطر مقرا لخالد مشعل زعيم حماس بعد الأزمة في سوريا.

حتى أصبحت دولة قطر رأس حربة لا يمكن الاستغناء عن دورها الإقليمي، لم يغضب السعودية فقط بل ودولة الإمارات وأكبر دولة عربية مصر خصوصا عندما أصرت حماس على تدخل دور قطر وتركيا على حساب الدور المصري في صياغة تهدئة مع إسرائيل في الحرب على غزة.

مما أدى إلى سحب ثلاث دول خليجية سفراؤها من دولة قطر، حتى تراجع دولة قطر مواقفها التي تضر بالمصالح الخليجية والعربية، خصوصا بعدما رفضت دول الخليج تواجد أي دور لجماعة الإخوان في دولها بعد تصنيفها جماعة إرهابية، أو تقديم  أي دعم لهم كما وتضايقت دول الخليج من تجنيس دولة قطر لعدد من الفارين من تلك الدول، مما اعتبرته تلك الدول تدخلا في شؤونها الخاصة وتقوية مواقف المعارضين لحكوماتهم، وهو ما يتعارض مع أهداف التعاون الخليجي بين دول المجلس.

كان بداية عهد صراع جديد مع دولة قطر بعد إسقاط الإخوان من الحكم في مصر، ومحاصرتهم في مصر وفي دول الخليج، ما يعني صراع دول الخليج ومصر مع دولة قطر الصغيرة لكنها بمقومات كبيرة وبدعم أكبر دولة في العالم هي أمريكا في ذلك الوقت.

ليس من السهل أن تتخلى دولة قطر فجأة عن كل تلك المكتسبات التي جنتها خلال المرحلة السابقة حتى وإن وافقت على التخلي عن تلك المكتسبات جدلا بالفعل كانت تكتيكية خصوصا وأن الولايات المتحدة في زمن أوباما كانت تريد لقطر دورا ولاعب رأس حربة أمريكية.

كانت السعودية قبل الثورات العربية اتخذت من دولة قطر رأس حربه وواجهة أمامية لمعالجة العديد من المشكلات العربية والقضايا الإقليمية من أجل احتواء الدور القطري النشط والصاعد، خصوصا في ظل الدور الأمريكي في عهد أوباما الذي تخلى عن دول الخليج ووقع اتفاق نووي مع جعله يغض الطرف عن التمدد الإيراني من أجل فقط التوقيع على الاتفاق النووي، لذلك كانت تحتاج السعودية لقطر وتركيا مؤقتا لمواجهة النفوذ الإيراني في سوريا.

أي أن السعودية نافست أمريكا في أن تتخذ من دولة قطر الذراع الأمريكية في المنطقة والتي لا تمتلك القرار الكامل بمفردها فقط من أجل احتوائها لكنه أغضب مصر وأبعدها عن السعودية، والولايات المتحدة لها مصلحة في بقاء جماعة الإخوان المسلمين، وهي تعارض مواقف السعودية ومواقف مصر في محاصرة الجماعة، واعتبارها جماعة إرهابية بسبب أن الجماعة هي ضمن الاستراتيجية الأمريكية.

لكن بعد انعقاد القمة العربية الإسلامية الأمريكي أثناء زيارة ترامب الرياض التي تعتبر نقطة محورية في تاريخ العالم، ما يعني مواجهة التطرف بالفكر ومحاصرة تمويليه التي تعتبر أقوى من القوة العسكرية، وبعد تلك القمم في الرياض التي أكدت بأنها قوة سياسية واقتصادية وعسكرية وهي التي أوجدت أرضية مشتركة لأول مرة بين العرب وأمريكا خصوصا بعد اجتماع قادة وممثلي 55 دولة يجسد قدرة المملكة وتأثيرها الدولي.
وكان مركز الاعتدال رسالة قوية لكل الجماعات الإرهابية التي تعبث في الإعلام ما جعل ترامب يدعو العالم إلى عزل إيران لدعمها الإرهاب وصرح بأننا اليوم نبدأ فصلا جديدا في الشراكة مع السعودية وقال أقدم رسالة صداقة وأمل وحب باسم الشعب الأمريكي.

ما يعني أن أمريكا والسعودية رفعت الحماية عن أي دولة تدعم أو تمول الإرهاب تحت أي ذريعة وهو ما يعتبر تخلي عن دولة قطر من قبل الدولتين وانتهى عهد الاحتواء الذي مارسته المملكة في عهد الملك سلمان في فترة أوباما.
تخلت الولايات المتحدة عن دولة قطر وأوقفت أي تعاون أو أي حماية بعد استثمار شخصيات قطرية كانت مملوؤة بالزهو والغرور من قبل الاستخبارات الأمريكية في الماضي وتم تشجيع تلك الشخصيات بإنشاء قناة الجزيرة وتأثيراتها السلبية على المنطقة من خلال دمغ أدمغة الخليجيين وحتى العرب خصوصا ممن لم يتلق تعليما كافيا في المجتمع الخليجي العربي.

وفي عهد كوندليزا رايس جعلت قطر تدعم وتمول القاعدة وجبهة النصرة وغيرها من تنظيمات مشابهة، لكن بعدما بدأت قطر تمول جماعات بعيدا عن أمريكا نتيجة قصور في اتخاذ القرار القطري في الدوحة نتيجة الغرور من خلال كرسي الرئاسة بعيدا عن الإطار الخلقي مما جعلهم يسيؤون إلى أنفسهم حتى جعلهم الغرور في حالة من الغيبوبة بسبب أنه لم تكن لديهم قراءات استراتيجية للتحول المستقبلي الذي فرضه الدور السعودي على الولايات المتحدة عبر تشكيل التحالفات العربية والإسلامية العسكرية وتوقيع شراكات اقتصادية آسيوية وعالمية وقيادة السوق النفطي العالمي بالتعاون مع روسيا رغم ذلك استمر المال القطري في تمويل الإرهاب متغافلا كل تلك التغيرات.

بدأت مصر بعدما ضرب الإرهاب المنيا بفلسفة عقابية بمعاقبة المركز والممول حيث فوجئ الجميع بأن الجيش المصري لديه إحداثيات استهدف مجلسي درنا لكن الإخوان اتهموا الجيش بأنه استهدف القاعدة فيما استهدف الجيش المصري الاثنين القاعدة وداعش، واستطاع تقليم أظافر هذه الجماعات، وسيكون إلى أجل متوسط، وتصب في دعم الجيش الليبي بقيادة المشير حفتر للسيطرة على درنة لأنها مركز لإدارة العلميات الإرهابية ليس فقط في ليبيا بل في شمال أفريقيا ومصر، بل وصل الاستهداف الجيش المصري إلى جبل العوينات على المثلث الليبي المصري السوداني أي أن الجيش المصري استهدف الجنوب الليبي، لأن الجماعة الإرهابية التي ارتكبت مجزرة المنيا عادت إلى ليبيا.

اتهم قائد الجيش الليبي رسميا في بيان أصدره في 29/5 /2017 يتهم قطر بتمويل الإرهاب وتحويل الجاليات في ليبيا إلى خلايا إرهابية، وأن بعض هؤلاء الشخصيات استلموا مبالغ مالية من قطر وكذلك من دول أخرى ومن عناصر الإرهاب المتمثلة في بعض المليشيات الإرهابية.

ويجمع الكثير من المراقبين على الدور التخريبي الذي تقوم به قطر في ليبيا منذ سبع سنوات من خلال دعمها المالي والعسكري والسياسي للجماعات الإسلامية الفاقدة للدعم الشعبي وبخاصة جماعة الإخوان والجماعة الإسلامية المقاتلة وتنظيم أنصار الشريعة والمليشيات المسلحة الخارجة عن القانون، خصوصا وأن دولة قطر لا تؤمن بوجود جيش في ليبيا بل تؤمن بأن جماعات مسلحة يمكن أن تقوم بحماية الدولة مثلما تقوم جماعات مسلحة بقتال داعش في العراق بينما يفترض أن يقوم بتلك المهمة الجيش العراقي لا للجماعات المسلحة الخارجة عن سلطة الدولة.

كما اتهم حفتر أن قطر سعت إلى تنفيذ أجندة الإدارة الأمريكية السابقة برئاسة باراك أوباما في ليبيا حيث عملت على مد الجماعات الإرهابية في ليبيا بالأفراد والأسلحة.
لن تستطيع السعودية الاستمرار في حماية دولة خليجية متورطة في الإرهاب الدولي وهي تطالب بمحاربة الدول التي تدعم الإرهاب وعلى رأسها دولة إيران التي اتهمتها برأس حربة في دعم وتمويل الإرهاب، خصوصا بعدما تخلت أمريكا عن قطر لن تستطيع السعودية حمايتها، بل واتهمت أمريكا قطر بتمويل الإرهاب في المنطقة.

وإذا ما تغاضت السعودية عن الدور القطري في سوريا بالتعاون مع تركيا لا يعني أنها كانت توافق الدور القطري، وهي ترفضه في ليبيا خصوصا وأن تلك الممارسات أقلقت أكبر دولة عربية وهي مصر وحاولت السعودية إقناع قطر خصوصا في زمن الملك عبد الله رحمه الله.

لكن بعد التحالف العربي الأمريكي بقيادة السعودية كان على دولة قطر أن تدرك كيف تعاملت الولايات المتحدة مع نورييغا الذي كان عميلا لوكالة الاستخبارات المركزية ( سي آي إيه ) قبل أن تغضب عليه الولايات المتحدة وتطيح به ثم تصدر أحكاما قاسية عليه بتهمة تهريب المخدرات بعدما جندته الولايات المتحدة لأنها كانت تتمتع بوجود كبير في بنما لمراقبة القناة قبل أن تغضب عليه وتطيح به عام 1989.

خريطة التنظيمات في ليبيا على وشك إعادة رسمها من جديد بعد 6 سنوات تقريبا على سقوط نظام القذافي بعدما فقدت الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة نفوذها في العاصمة طرابلس بعد معارك في مواجهة مليشيات تابعة لحكومة الوفاق الوطني، بينما أعلن تنظيم أنصار الشريعة الذي تعتبره الولايات المتحدة تنظيما إرهابيا في بيان قرر أنه حل نفسه رسميا وهو الذي مد سوريا بالمقاتلين، وأسسه الزهاوي في مطلع عام 2012 الذي قتل عام 2014 خصوصا في بنغازي ودرنة شرق ليبيا ثم امتد إلى سرت وصبراته غرب ليبيا حيث استولى على ثكنات ومواقع عسكرية كانت تابعة لنظام القذافي وحولها إلى معسكرات تدريب الجهاديين الراغبين للقتال في سوريا والعراق.

وهذا الانحلال نتيجة انشقاقات التي تعرض لها التنظيم لأن البعض انضم إلى داعش وبشكل تكتيكي من أجل أن يتفادى الضربات الجوية التي قامت بها القوات المصرية وهو يريد الخروج من هذا المأزق وهو نفس السياق الذي جعل من جبهة النصرة التي حولت نفسها وسمت نفسها أحرار الشام وتغير مسماها ثلاث مرات، كذلك حركة حماس فكت ارتباطها بجماعة الإخوان المسلمين لنفس الأسباب وهي لا تريد مواجهة مع المجتمع الدولي.

سبق أن حذر وزير الشباب والرياضة الليبي السابق مصطفى الدرسي وقادة آخرون بأنهم حذروا دبلوماسيين أوربيين من خطر اللعب بالإرهاب، ومن التدخل القطري الذي جاء ضمن تدخل دولي يهدف تفتيت ليبيا والدول العربية، إلا أنه لم تكن هناك استجابة للوقوف ضد دعم الجماعات المسلحة ونقل الأسلحة والمقاتلين إلى ليبيا، لكن بعدما ضرب الإرهاب أوربا والعالم واتفاق ترامب في السعودية على مواجهة الإرهاب أصبحت قطر وإيران من الدول الراعية للإرهاب وعليهما تغيير سلوكهما والتوقف عن تمويل ودعم الإرهاب.

مواجهة قطر مع السعودية ودولة الإمارات لم تعد مواجهة خليجية كما يصورها البعض بل بحكم أن السعودية تقود جبهة عالمية لمحاربة الإرهاب لا يمكن أن تحمي دولة خليجية إذا لم تتوقف عن تمويل ودعم الإرهاب، ولن ينفع النهج الاسترضائي الذي اتبعته الدوحة تجاه إيران وهما دولتان متهمتان بتمويل ودعم الإرهاب، ولم تعد السعودية تقبل احتواء الدور القطري الذي يدعم جماعات إسلامية متشددة خاصة جماعة الإخوان المسلمين التي فشلت في حكم مصر وتخوض مواجهة مع الحكومة المصرية.

يبدو أن الكويت التي قامت بدور الوساطة بين دول الخليج قبل ثلاثة سنوات ونجحت في تلك الوساطة هي نفسها عرضت المساعدة في تخفيف حدة التوتر، لكن يبدو هذه المرة ليست هي وساطة خليجية بل قطر تعاني من مواجهة عالمية ولا يمكن أن تحميها السعودية أو تحتويها وعليها أن تستجيب للمجتمع الدولي وتعكس على الأرجح فشل مساعي تميم في الالتفاف على تصريحات استرضى فيها إيران بعد زيارته للكويت في 31/5/2017 ولا تلوح في الأفق أي بادرة على انحسار الخلاف بسبب أن قطر عبرت خطوطا حمراء باستمرارها في شق وحدة الصف الخليجي والمساهمة في تفتيت عدد من البلدان العربية خصوصا وأن الرياض وأبو ظبي تشتبه بأن الدوحة راضية عن السياسة التوسعية الإيرانية.

تنفي الدوحة أن تكون لها صلات بجماعة الإخوان المسلمين، بينما تستضيف على أراضيها قادة كبار من الجماعة وتشن وسائل إعلامها الرسمية حملة على مصر التي لفظت الجماعة بعدما أسقطها الشعب المصري.
لن ينفع إنكار المشكلة أي تعتبرها دولة قطر هامشية، ومن الواضح أن دولتي الكويت وعمان لا يريدان أن يكبر الخلاف ويتحول إلى صدام يتجاوز الحملة الإعلامية بما يتعذر معه السيطرة عليها.

في المقابل قالت صحيفة كايهان الإيرانية التي تربطها صلة وثيقة بالمرشد علي خامنئ يوم 30/5/2017 بأن الخلاف يعكس عجز السعودية عن تكوين تحالف ضد طهران، لكن لم تتفهم إيران بأن المواجهة مع قطر لم تعد خليجية بل هي دولية، وعلى دول الخليج أن يتخلوا عن حماية أية دولة داعمة للإرهاب تماشيا مع المرحلة الجديدة لموجهة الإرهاب التي اتفق عليها العالم في السعودية.

Dr_mahboob1@hotmail.com

 

الدكتور عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب

 

 

اخر المقالات