كيف يجتذب تنظيم القاعدة اليمنيين؟

كيف يجتذب تنظيم القاعدة اليمنيين؟

150504013كيف يجتذب تنظيم القاعدة اليمنيين؟
إليزابيث كيندال بي بي سي
على الرغم من حجم الأموال الباهظة التي أنفقت على عمليات مكافحة الإرهاب في اليمن، مازال تنظيم القاعدة ينمو في البلاد.
وتبحث المحللة في جامعة أوكسفورد إليزابيث كيندال كيف حقق التنظيم ذلك.
استغل تنظيم القاعدة بالتأكيد انهيار الحكومة اليمنية مؤخرا والحرب التي أعقبت ذلك في سبيل توسيع نطاق نفوذه.

وشهد الشهر الماضي هروب نحو 300 متشدد ينتمون للقاعدة من سجن واحد واستولوا على مدينة المكلا في شرق اليمن.
واستمدت القاعدة قوتها من تحالفات أقامتها مع قبائل في جنوب اليمن وشرقه من خلال زواج مصلحة يرمي إلى مكافحة تقدم عدوهم المشترك المتمثل في الحوثيين.
لكن حتى خلال السنوات التي سبقت الأزمة الراهنة، قدرت أعداد المنتمين للقاعدة بثلاثة أضعاف.
فكيف حدث ذلك أمام الخسائر المستمرة التي يتكبدها التنظيم بسبب الضربات الجوية وعملياتهم الانتحارية؟
“روبن هود”
يكمن جزء مهم للغاية وراء بقاء القاعدة خلال السنوات الأخيرة في أفعال تمارسها عندما لا تنشغل في شن عمليات “الجهاد” التي تتسم بالعنف أو تكثيف عمليات ترويج تصريحات تعبر عن موقفها وأطروحاتها الدينية.
وبينما يميل المحللون إلى التركيز على الجانب الأخير، أو ممارسة التنظيم لأنشطة تجنيد داخل السجون أو المساجد، يبرز المواطنون المحليون كفئة أكثر عرضة على أرجح التقديرات للتأثر بمزيج المناهج الناعمة التي تنتهجها القاعدة.
وروجت القاعدة برنامج تواصل من خلال طرح اسم جماعة أطلق عليها جماعة “أنصار الشريعة” في عام 2011. وهو اسم يعبر بسهولة عن الأهداف الإسلامية البحتة وأيضا عن جدول أعمال محلي يخلو من أي صفة لصيقة بتنظيم القاعدة قد تثير الجدل.
واستطاع تنظيم القاعدة الوصول إلى المجتمعات المحرومة في معاقله الواقعة في وسط البلاد وشرقها من خلال تقديم خدمات أساسية مثل المياه والكهرباء والتعليم.
وعلى الرغم من حجم المساعدات الهائلة التي تدفقت على اليمن خلال السنوات الأخيرة، منها مساعدات بقيمة 282 مليون دولار من بريطانيا وحدها، إلا أن الفساد المستشري حال دون الاستفادة منها ووصولها إلى الكثير من المحتاجين إليها.
وهذا يرسم صورة للقاعدة أشبه بشخصية روبن هود أو على الأقل أنها متسامحة حتى لدى أولئك الذين لا يشاركونها تفسيرها المتشدد للشريعة الإسلامية.
إغراءات
يعتبر ضمان فكرة التسامح في المناطق القبلية أمرا حيويا لبرنامج التواصل الذي تنتهجه القاعدة.
ويشرح أحد المحليين من المكلا قائلا :”ماذا تتوقعون أن نفعل؟ أنقاتلهم؟ إنهم أهلنا. نحن نسمح لهم بممارسة أعمالهم”.
تهيئ الهياكل القبلية حماية لتنظيم القاعدة فضلا عن كونها تفرز عن دون قصد نموذجا هرميا لتجنيد الآخرين، نظرا لأن أفضل طرق التواصل مع المتعاطفين المحتملين للتنظيم هو الاستعانة بأشخاص يعرفونهم ويحترمونهم.
ويميل تنظيم القاعدة إلى الاستعانة بممثلين لهم من القيادات الشابة نسبيا يمكن من خلالهم التأثير بسهولة على الآخرين من الشباب.
ويقول شباب من شرق اليمن إنهم أغرتهم رحلات المعسكرات الترفيهية وعروض تقديم مساعدات لهم في دراستهم فضلا عن ممارسة الأنشطة الرياضية، وخلال تلك الممارسات تثار مناقشات دينية بطبيعة الحال يجري من خلالها عمليات إعداد المتعاطفين المحتملين مع التنظيم.
إن إرساء شعور الصداقة الحميمة والغرض النبيل المشترك يغري الشباب لاسيما عندما يقترن ذلك بسيارات وأسلحة وأموال.
ومع تنامي قوة القاعدة، تتحول إلى اتباع أساليب البلطجة، إذ أشارت تقارير في مدينة المكلا بشرق البلاد إلى أن عصابات القاعدة تخطف الشباب بالفعل من الشوارع. لكنها لم تلجأ بعد إلى نفس مستوى الترهيب الذي استخدمته القاعدة في سوريا.
في الواقع يوجد دليل يشير إلى أن استخدام أساليب مفرطة يذكي مقاومة محلية تجاهها.
وفي ذات الوقت، نأت القاعدة بنفسها عن الممارسات الوحشية التي يمارسها تنظيم الدولة الإسلامية، كما اعتذرت من جانبها عن ذبح جنود وقتل عاملين بالحقل الصحي غير مسلحين العام الماضي.
وتعد هذه أخبارا سيئة لجهود مكافحة الإرهاب على صعيدين. أولهما أن ذلك يسهم في تعزيز نداءات للقاعدة بين قطاعات من السكان اليائسين يوما بعد يوما لمواجهة تقدم الحوثيين على الأرض.
ثانيا يدفع ذلك العناصر الأكثر تطرفا إلى أحضان تنظيم الدولة الإسلامية، التي تنمو في اليمن وسط الفوضى الراهنة. ففي أواخر أبريل/نيسان الماضي نشر تنظيم الدولة الإسلامية أول فيديو له من اليمن.
إعلام مرن
إليزابيث كيندال تتوسط مجموعة من الحراس القبليين سهلوا رحلتها
مثلما يتكيف تنظيم القاعدة مع أساليبه العسكرية بما يتناسب مع مواقع مستهدفة مختلفة، لابد وأن تكون اتصالاته الدعائية متنوعة بطريقة كافية تتناسب مع السياقات الثقافية والجغرافية المختلفة.
وتصل الفيديوهات والمجلات والمدونات على شبكات التواصل الاجتماعي إلى قطاع عريض من سكان الحضر. لكن ماذا عن سكان الريف في معاقل القاعدة حيث تستشري الأمية ويقل استخدام الانترنت؟
فهنا تترسخ أنواع من الشعر والأغنيات بعمق داخل تقليد شفهي يحظى باحترام كبير يعود إلى عصور ما قبل الإسلام.
وتستطيع القاعدة أن تلهب المشاعر وتندمج داخل رموز الشرف القبلية من خلال استخدام القوافي والايقاعات الشعرية التي يمكن أن تتحول بمنتهى السهولة إلى أناشيد حماسية.
وفي ظل غياب المجلات ومحتوى الانترنت، تظل المشاعر العنيفة التي يسجلها الشعر “الجهادي” حية في الذاكرة الشفهية.
والعديد من الجهاديين البارزين يؤلفون الأشعار، مثل أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، زعيم تنظيم القاعدة الحالي.
ويحتوي خُمس صفحات مجلة “صدى الملاحم” العربية لتنظيم القاعدة على أشعار.
وهذه الأشعار ليست بغرض التسلية، بل هي أشعار تأسر الألباب ومنها تكسب العقول.
استفادة غير مباشرة
وبينما يتخطى المحللون على الأرجح هذه المادة أثناء تقفي أثر الحقائق الملموسة، لا يفعل المحليون ذلك.
وأظهرت دراسة شاملة أجريتها بين قبائل في شرق اليمن أن 74 في المئة من بين أكثر من ألفي مواطن محلي مازالوا يعتبرون الشعر جزءا مهما في الحياة اليومية.
وتستهدف الأشعار الجهادية المتطوعين الجدد من خلال تصغير حجم المشهد السياسي والديني المعقد في هيئة معركة بسيطة بين الخير والشر يرافق فيها “الشهداء” صحابة النبي محمد نفسه.
ويوثق الشعر العناصر غير المرئية وراء العمليات الانتحارية، مثل الحماسة وفرحة الاستشهاد والتمتع بأنهار الجنة واستقبال الحور العين لهم.
ملء الفراغ
وتهدف الأشعار واشرطة الفيديو والصور التي تروج لقصص، تتضمن في الغالب القتلى من أطفال غزة والعراق وسوريا واليمن نفسه، إلى إذكاء الغضب والشعور بالخزي والرغبة في الثأر.
كما يمكن للمنتج الثقافي للقاعدة أن يستغل الشعور الراهن بانتهاك المجتمع، الذي ولدته على سبيل المثال الضربات الجوية الأمريكية من دون طيار والتي أسفرت عن خسائر فادحة في صفوف الضحايا المدنيين.
وظاهريا تبدو استراتيجية الضربات الجوية من دون طيار جذابة. فمثل هذه الضربات نجحت في قتل العشرات من متشددي تنظيم القاعدة والحفاظ على القوات الأمريكية من أي أضرار.
لكن باطن القصة يبدو مختلفا. ففي عام 2009 على سبيل المثال حققت أول ضربة جوية بدون طيار نفذت في اليمن أهدافها لكنها في ذات الوقت أسفرت عن مقتل نحو 35 سيدة وطفلا من أبناء إحدى القرى.
وروج لصور أطفال قتلى بين أجزاء صواريخ أمريكية الصنع بين رجال القبائل الغاضبين.
وقد لا تعد الضربات الجوية ناجحة في الأجل الطويل. فالأضرار الجانبية الناجمة للبنية التحتية والأهل تحفز نوعا من الالتزام القبلي هدفه الثأر، وحتى وإن كان لا يغذي مباشرة التعاطف مع القاعدة.
فكلما طالت المدة من أجل التوصل إلى اتفاق سلام متفاوض عليه في اليمن، اشتدت شوكة القاعدة لتوسيع نطاق نفوذها.
وإذا لم تتصدى الحكومة القادمة للتخلف المزمن في المناطق المهمشة في اليمن بطريقة منصفة ومستدامة، سيواصل تنظيم القاعدة الاستفادة من ملء هذا الفراغ.
وفي الوقت ذاته سيجعل الدمار المستمر للبنية العسكرية اليمنية خلال الضربات الجوية التي تقودها السعودية مواجهة القاعدة مرة أخرى بعد انتهاء الحرب أكثر صعوبة.

اخر المقالات