قصة اختراق الدفاعات الإسرائيلية في خط بارليف. بقلم الدكتور عماد علو

قصة اختراق الدفاعات الإسرائيلية في خط بارليف. بقلم الدكتور عماد علو

اعداد اللواء البحري الركن المتقاعد ،الدكتور عماد علو

مستشار المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

تمهيد

حظيت حرب أكتوبر باهتمام واسع من قبل المفكرين والساسة والعسكريين في الوطن العربي والكيان الصهيوني(اسرائيل)، بل وفي العالم أيضا حرب أكتوبر هي الحرب العربية الإسرائيلية الرابعة التي شنتها كل من مصر وسوريا بدعم عربي عسكري وسياسي واقتصادي على إسرائيل عام 1973م .

حيث سقط فيها  خط بارليف وهو أقوى خط دفاعي في التاريخ الحديث يبدأ من قناة السويس وحتى عمق 12 كم داخل شبه جزيرة سيناء على إمتداد الضفة الشرقية للقناة وهو الخط الدفاعي الذي إقترحه حاييم بارليف رئيس الاركان الإسرائيلي في الفترة ما بعد حرب 1967 من أجل تأمين الجيش الإسرائيلي المحتل لشبه جزيرة سيناء. وهو من خطين: يتكون من تجهيزات هندسية ومرابض للدبابات والمدفعية وتحتله احتياطيات من المدرعات ووحدات مدفعية ميكانيكية ، بطول 170 كم على طول قناة السويس .

وقد روجت إسرائيل طويلا لهذا الخط علي أنه مستحيل العبور وأنه يستطيع إبادة الجيش المصري إذا ما حاول عبور قناة السويس ، كما أدعت أنه أقوى من خط (ماجينو) الذي بناه الفرنسيون في الحرب العالمية الثانية . ما هو خط بارليف ؟ وكيف سقط بيد الجيش العربي المصري في أكتوبر 1973؟ هذا ما سنحاول تسليط الضوء عليه في هذه المقالة .

اسباب حرب اكتوبر

بعد احتلالها شبه جزيرة سيناء والجولان في حرب حزيران 1967،  قضت إسرائيل السنوات الست التي تلت حرب 1967 في تحصين مراكزها في الجولان وسيناء، وأنفقت مبالغ هائلة لدعم سلسلة من التحصينات على مواقعها في مناطق مرتفعات الجولان (خط آلون) وفي قناة السويس (خط بارليف). وفي 22 نوفمبر 1967 أصدر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قرار 242 الذي طالب اسرائيل بالانسحاب من الأراضي التي احتلتها في حزيران 1967 مع مطالبة الدول العربية المجاورة لإسرائيل بالاعتراف بها وبحدودها.

وهو القرار الذي رفضته اسرائيل ، لتبدأ صفحة جديدة من صفحات الصراع العربي الإسرائيلي في سبتمبر/ايلول 1968 بما يسمى حرب الاستنزاف، وفي 28 أيلول 1970 توفي الرئيس المصري جمال عبد الناصر، وانتخب نائبه أنور السادات رئيساً لمصر الذي اقترح لمبعوث الأمم المتحدة غونار يارينغ ، شروطه للوصول إلى تسوية سلمية بين مصر وإسرائيل وأهمها انسحاب إسرائيلي إلى حدود 4 حزيران 1967.

رفضت إسرائيل هذه الشروط مما أدى إلى تجميد المفاوضات ، واستمرار حرب الاستنزاف . وبحلول عام 1973 توصل  الرئيسان المصري أنور السادات والسوري حافظ الأسد الى قناعة  مفادها أن الحرب هي الوسيلة الوحيدة لاسترداد الأرض التي خسرها العرب في حرب 1967م. و كانت الخطة تتمحور حول تحقيق المباغتة السوقيّة (الاستراتيجية) بهجوم غير متوقع من كلا الجبهتين المصرية والسورية، وهذا ما حدث، حيث كانت المباغتة التي أذهلت الصهاينة .

خط بارليف

ارتكزت الدفاعات الإسرائيلية منذ حزيران 1967 على الضفة الشرقية لقناة السويس المانع المائي الكبير الذ اعتبر من أحسن الخنادق المضادة للدبابات المتاحة . لينشئوا خطا” دفاعيا” حصينا” عرف بخط بارليف الذي كلف الميزانية الاسرائيلية ( 300 مليون دولار) وتألف خط بارليف من سلسلة من الحصون والطرق والمنشآت الخلفية امتدت الى أكثر من 160 كم على طول الشاطئ الشرقي للقناة من بور فؤاد شمالا إلى رأس مسلة على خليج السويس جنوبا” ، وبعمق 30-35 كم شرقاً.

وغطت هذه الدفاعات مسطحا قدره حوالي 5,000 كم² واحتوت على نظام من الملاجئ المحصنة والموانع القوية وحقول الألغام المضادة للأفراد والدبابات ، معزز ومحمي بساتر ترابي ضخم امتد على طول الضفة الشرقية للقناة بدءاً من جنوب مدينة القنطرة و على ارتفاع يراوح بين 10 م، 25 م، واستخدم كوسيلة لإخفاء التحركات الإسرائيلية، وصُمّم ليمنع العبور بالمركبات البرمائية بفضل انحداره و ميله الحاد .

ضم خط بارليف ( 22 ) موقعا دفاعيا ، (26 ) نقطة حصينة ، تم تحصين مبانيها بالإسمنت المسلح والكتل الخرسانية و قضبان السكك الحديدية للوقاية ضد كل أعمال القصف ، كما كانت كل نقطة تضم( 26 ) موضع حصين للرشاشات ، (24) ملجأ للأفراد بالإضافة إلى مجموعة من المواضع الحصينة الخاصة بالأسلحة المضادة للدبابات ومرابض للدبابات والهاونات ،و 15 نطاقا من الأسلاك الشائكة وحقول الألغام .وكل نقطة حصينة عبارة عن منشأة هندسية معقدة وتتكون من عدة طوابق وتغوص في باطن الأرض ومساحتها تبلغ 4000 متراً مربعا وزودت كل نقطة بعدد من الملاجئ و المواضع التي تتحمل القصف الجوي وضرب المدفعية الثقيلة، وكل موضع له عدة فتحات لأسلحة المدفعية والدبابات .

وتكونت منطقة خط بارليف المحصنة من عدة خطوط مزودة بمناطق إدارية وتجمعات قوات مدرعة ومواقع مدفعية، وصواريخ هوك مضادة للطائرات، ومدفعية مضادة للطائرات، وخطوط أنابيب مياه، وشبكة طرق طولها 750 كم . وتمركزت مناطق تجمع المدرعات على مسافات من 5 – 30 كم شرق القناة . كما جهز 240 موقع للمدفعية بعيدة ومتوسطة المدى. استنادا” لما سبق فقد كان تقدير الموقف الذي خرج به الاسرائيليون أنه يستحيل على المصريين عبور خط بارليف بالإمكانيات والخبرات العسكرية المتوفرة لديهم ، وأن خط بارليف لا يمكنه فقط صد أي هجوم مصري بل أنه قادر على ابادة الجيش المصري اذا ما فكر في محاولة اجتيازه !

القوات الاسرائيلية في خط بارليف

كان الانفتاح القتالي للقوات الاسرائيلية في خط بارليف على ثلاثة محاور عمليات يتكون كل محور عمليات  من نسقيين قتاليين وتتوزع المحاور كالآتي:

  • محور القنطرة- العريش
  • محور الإسماعيلية – أبو عجيلة
  • محور السويس – الممرات الجبلية

وكان “لواء أورشليم”  الإسرائيلي  المؤلف من(2000 – 3000 فرد) ينفتح في خط بارليف الأمامي ويشكل النسق الدفاعي الاول . يليه على مسافة  5-8 كم شرق القناة (3 ) كتائب مدرعة مدفوعة من الألوية المدرعة الثلاث في الاحتياطي بحيث تشغل كل كتيبة مدرعة محور من المحاور الثلاثة بجحفل قتال مدرع بما مجموعه (120) دبابة لتشكل النسق الدفاعي الثاني .

أما الاحتياطي التكتيكي لقوات خط بارليف فكانت على بعد 35-45 كم و تنفتح في منطقة الممرات الجبلية ويتألف من 3 ألوية مدرعة (عدا الكتائب التي تشغل النسق الثاني) بما مجموعه الدبابات حوالي 240 دبابة. الاحتياطي السوّقي (الاستراتيجي) الاسرائيلي كان يتواجد داخل العمق الاسرائيلي ويتألف من خمسة ألوية مدرعة ولواءين مشاة آلي ولواء مضلي ولواء مشاة وكان استخدامه يعتمد على قرار تحديد جبهة الجهد الرئيسي للقتال .

القوات المصرية التي دمرت خط بارليف

كانت خطة الهجوم المصرية تعتمد على دفع الجيشين الثاني والثالث لاقتحام خط بارليف في (5) نقاط واحتلال رؤوس جسور بعمق من 10-12 كم على أن يتم تأمينها من قبل مظلة الدفاع الجوي المصرية المنفتحة غرب القناة . وتألفت التشكيلات الأساسية للقوات البرية المصرية مما يلي :

  1. الجيش الثاني الميداني الذي يتألف من( فق مش2 ، وفق مش16 ، وفق مش18 ، وفق مش آلي 23 ، وفق مع21)
  2. الجيش الثالث الميداني الذي يتألف من (فق مش7 ، وفق مش19 ، وفق مش آلي 9 ، وفق مع 4)
  3. قيادة قاطع بورسعيد بقيادة الجيش الثاني الميداني ويتألف من (لمش30 ولمش135).
  4. قيادة البحر الأحمر العسكرية وتتألف من (لمش119 المستقل ، ولمش212 المستقل ، و مجموعة الصاعقة 132 ، ومجموعة الصاعقة 139 وكتيبة الدبابات 279 (كتيبة مستقلة).
  5. الاحتياطي السّوقي (الاستراتيجي) وأطلق عليه احتياطي القيادة العامة والذي تألف من ( فق مش آلي 3 ، ولواء حرس جمهوري 27 ، ولمع 15 مستقل ولمع25 مستقل ولواء مظلي 170 ولواء مظلي 182ولواء مظلي 128 ومجموعة صاعقة 145.

تم تأمين الدفاع الجوي بواسطة (150) كتيبة صواريخ أرض – جو و300طائرة اعتراضية مقاتلة.

سير العمليات

من دون الخوض في تفاصيل خطة الحرب الشاملة المصرية السورية وخطة المخادعة السّوقية لأننا نركز في بحثنا هذا على عبور خط بارليف ،لكن لابد من الاشارة أن القوات المصرية اعتمدت على تحقيق المباغتة في التوقيت والاسلوب . ففي تمام الساعة الثانية وخمس دقائق من بعد ظهر 6 أكتوبر/ تشرين الاول 1973 قامت أكثر من 200 طائرة مصرية وعراقية من المقاتلات والمقاتلات القاذفة من طراز ميج 21 وميج 17 وسوخوي 7  وهوكر هنتر بعبور قناة السويس على ارتفاع منخفض في اتجاه الشرق بعد أن أقلعت من 20 قاعدة جوية بدون أي نداءات أو اتصالات لاسلكية حرصا على السرية المطلقة.

حيث حققت الضربة الجوية نجاحا بنسبة 90% من المهام المكلفة بها، بينما بلغت نسبة الخسائر 2% وهي نتائج أذهلت العدو الصهيوني الذي عم الارتباك صفوفه

. ثم أعقب الضربة الجوية الاولى تم انزال قوات الصاعقة المصرية في عمق سيناء بواسطة السمتيات وعلى طول المواجهة وبتركيز خاص عند المضايق وطرق الاقتراب في وسط سيناء وعلى طول خليج السويس. بالتزامن مع قصف مدفعي وصاروخي كثيف لتعبر2500 قارب تحمل قوات سلاح المهندسين وقوات موجة العبور الاولى لينصبوا مضخات الماء التي ازاحت اتربة الساتر اترابي العالي وفتحت خلاله (60) ثغرة في الساتر الترابي لـ(60) جسر عبور  .

في ذات الوقت وبتنسيق دقيق اندفعت مئات من عربات التجسير الضخمة من أماكنها على الشاطئ الغربي الى ساحات الإسقاط المحددة على القناة لتشرع مئات الدبابات والعربات المجنزرة والمعدات الثقيلة بالاندفاع والعبور إلى الشاطئ الشرقي للقناة . بعد تسع ساعات من بدأ الهجوم رفع علم مصر فوق خط بارليف ليعلن انهيار اكبر واقوى خط دفاعي في القرن العشرين واسترداد السيادة المصرية على قناة السويس . و تحطم أسطورة أن جيش إسرائيل لا يقهر والتي كان يتبجح بها قادة الجيش الاسرائيلي.

الدور العراقي في تدمير خط بارليف

في عام 1990 قام كاتب هذا المقال بزيارة المتحف الحربي المصري في القاهرة ، واثناء اطلاعه على نماذج من الطائرات المقاتلة والقاصفة التي شاركت في الضربة الاولى لتدمير خط بارليف لاحظ أن نموذج طائرات الهوكر هنتر معلمة بالعلم المصري ولا توجد أي اشارة في المتحف الى أن هذه الطائرات كانت طائرات عراقية وأن الذي قادها طيارون عراقيون كانوا قد وصلوا الى الجبهة المصرية بطلب من القيادة المصرية في نهاية آذار 1973 ضمن السربين العراقيين المقاتلين السرب التاسع والعشرين (طائرات هنتر) والسرب المقاتل السادس (طائرات هنتر). وكان مجموع طائرات الهنتر العراقية التي وصلت مصر (20 ) طائرة استقرت في مطار قويسنا بمحافظة المنوفية .

وقد كلفت الطائرات العراقية بواجبات في الضربة الأولى في 6 أكتوبر1973 وذلك لتشابه هذه الطائرات مع ما تمتلكه اسرائيل من النوع نفسه لتامين المباغتة . وفي مذكراته يؤكد الفريق سعد الدين الشاذلي رئيس اركان الجيش المصري في عام 1973 ، أن القوات البرية المصرية كانت ترفع طلباتها بالقول “نريد السرب العراقي” أو “نريد سرب الهوكر الهنتر” وهو ما اعتبره الشاذلي شهادة لكفاءة السرب العراقي وحسن أداءه خلال حرب أكتوبر. وقد بلغت خسائر السربين العراقيين في نهاية الحرب 8 طائرات هنتر واستشهاد 3 طيارين وأسر 3 طيارين .

لذلك فإنني أدعو الحكومة العراقية ممثلة بوزارة الدفاع العراقية لتصحيح التجاوز والتحريف التاريخي بحق العراق ودور ابنائه الطيارين الذين ساهموا بشكل فعال في حرب اكتوبر 1973 وتدمير خط بارليف الحصين.

استنتاجات نهائية

لاشك أن سقوط خط بارليف عام 1973 كان  حدثا” هائلا” في تاريخ العسكريتين العربية والاسرائيلية لكونه أول هزيمة عسكرية لإسرائيل على أيدي العرب ، كشفت عن جوانب التقصير التنظيمية والمخابراتية العديدة في الجيش الاسرائيلي ، الذي يمكن الحاق الهزيمة به اذا ما اعد لقتاله بشكل جاد ومهني . وأن العرب قادرون اذا ما امتلكوا الارادة والتصميم على تحقيق الانتصار في الحرب واسترداد حقوقهم والمحافظة على شرفهم .

لقد سقط جدار بارليف أو خط بارليف لعدة اسباب كان  من بين أهمها  الفشل الاسرائيلي في الانذار المبكر المطلوب الذي  يسمح بالتعبئة المنظمة لقوات الاحتياط كأساس راسخ في خطط دفاع الجيش الاسرائيلي وقد سقط هذا الأساس وبالتالي فشل الجيش الاسرائيلي في تنفيذ خططه الحربية وبخاصة لأنه يعتمد اعتمادا أساسيا على وحدات الاحتياط وانتشارها واستدعاء الاحتياط يعتمد على الانذار المبكر الذي لم يتم.

لقد تسبب سقوط خط بارليف في اكتشاف المجتمع الاسرائيلي للصورة الذاتية الخاطئة عن نفسه وعن ضعف وتدني قدراته العسكرية والاجتماعية المعنوية و حالة الهلع التي شعر بها فقد انهارت الفكرة القائلة بأن الجيش الاسرائيلي هو (محمية طبيعية) داخل المجتمع الاسرائيلي .

وفوجئ الاسرائيليون بعدم فاعلية تنظيمه و أن هناك امكانية في أن تقع الهزيمة بجيش الدفاع على أيدي العرب بكل ما يستدل من ذلك من معان تجاه الصورة التي كونها الاسرائيليون عن قوتهم القومية – الاجتماعية – لقد فوجئ الاسرائيليون عندما تبين لهم بأنه ليس في مقدور الجيش الاسرائيلي حسم المعركة في جبهتين في آن واحد وأنه لكي يحقق الحسم في إحدى الجبهتين فإن عليه أن يتقبل وبصورة مؤقتة المكاسب العسكرية التي يحققها العرب في الجبهة الأخرى. الا أن حتى هذه الفكرة انهارت لاحقا” عندما هزم الجيش الاسرائيلي في لبنان .

*حقوق النشر محفوظة الى المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

اللواء البحري الركن المتقاعد ،الدكتور عماد علو

اخر المقالات