قراءة في عالم الموضة الإسلامية في القارة الأوروبية

قراءة في عالم الموضة الإسلامية في القارة الأوروبية

fffff 0قراءة في عالم الموضة الإسلامية في القارة الأوروبية
أزياء حديثة بروح إسلامية
ترى أنليز مورس، الأستاذة في المعهد الدولي للدراسات حول الإسلام في العالم الحديث في جامعة امستردام، أن التصاميم الخاصة بأزياء المسلمات الشابات لم تحظ إلا باهتمام ضئيل في أوروبا بخلاف فضايا الحجاب والنقاب. الباحثة مورس تسلط الضوء في هذه المقالة المطولة على الطرق المختلفة التي تتبعها النساء المسلمات لنسج خيوط العلاقة بين عالمي الدين والأزياء.

“هناك وعي كبير بالأزياء بين النساء المسلمات الأكثر شبابا ورفاهية، أدى إلى تنوع أكبر في الأزياء الإسلامية، وبالتالي إلى تطبيع الزي الإسلامي عموما”

“الأزياء الإسلامية” موضوع يشهد انتشارا سريعا وواسعا، كما تشهد بذلك أية رحلة بحث سريعة في الإنترنت، هي في ذات الوقت ممارسة خياطية تلهمها النزعة الإسلامية و تتبلور معالمها في عالم الأزياء العام. فما هو أصل تشكيلات الأزياء الإسلامية؟ بعد الانتشار التدريجي للأزياء الأوربية إلى أجزاء من العالم الإسلامي خلال القرن العشرين، ومع نشوء حركة النهضة الإسلامية في مطلع السبعينات، بدأت أعداد متزايدة من النساء، ومن الشابات المتعلمات على وجه الخصوص، لبس أغطية الرأس الإسلامية المختلفة التصاميم (التي تسمى أيضا الحجاب). وانتشرت هذه النزعة، التي منحها الأدب الأكاديمي لقب” التحجب الجديد”، مثل جذور العشب، كحركة معارضة، وخصوصا بين الطلبة. وجدت هذه النزعة لها محط قدم أيضا بين منتقدي انتشار العلمانية المتزايد في الحياة اليومية، فكانت نوعا من المقاومة للهيمنة الغربية، تصديا للحكومات المتسلطة أيضا، ومعارضة للثقافة المادية التي ما انفكت تنتشر وتتوسع. وأعرب العديد من

المهتمين بالموضوع عن أملهم أن يقضي التحجب الجديد على الأزياء والموضة وأن يزيل تمايز الأزياء بين الأثرياء والفقراء. وكجزء من هذا النزعة، وفي أثرها، ظهر زي موحد وغطاء رأس رصين.
وعلى أية حال، فإن تطور الأزياء وولادة التصاميم الجديدة، من “بطانة” ذلك اللباس الإسلامي البسيط، المتزمت، والعديم الصلة بعالم الأزياء، لم يستغرق طويلا. إذ تحولت حركة النهضة الإسلامية في أواخر الثمانيات، ومن ثم في التسعينات، إلى حركة هيتروجينية ( متغايرة الخواص)، وبدأت بالتحول من حركة جذرية في رفضها للاستهلاك إلى نزعة إصلاحية أكثر فردانية وتشظيا، وإلى هويات تنفرز أكثر فأكثر من خلال الاستهلاك. هذا أدى بدوره إلى ظهور وعي أكبر بالأزياء بين النساء المسلمات الأكثر شبابا ورفاهية، إلى تنوع أكبر في الأزياء الإسلامية، وبالتالي إلى تطبيع الزي الإسلامي عموما. وعلى نفس المنوال استجد ميل واضح في القرن العشرين نحو تصاميم أزياء الملابس التي تظهر بشكل تشكيلات في حين بقيت الأغطية الخارجية قياسية موحدة.
إذا كانت الكتابة حول التحجب والأزياء قد تقفت آثار انبثاق الأزياء الإسلامية من رحم اللباس الإسلامي المعارض والمتزمت، فأن الجزيرة العربية، كمثل، كانت شاهدة أيضا على انتشار و تحوّر الأردية الخارجية السائدة والممتدة بين العباءة والجلباب والقفطان، وتحولها المتسارع إلى ما يعتبر أزياء حديثة. الحصيلة الصافية هي ولادة سوق عالمية للأزياء الإسلامية. ومع التحول من التصاميم المتزمتة إلى الأزياء الأكثر حداثة، انتقلت الأزياء الأسلامية من طراز الإنتاج الموسوم بالايديولوجيا والنمطية، إلى طراز الإنتاج الريعي. وصارت عروض الأزياء الإسلامية، منذ مطلع التسعينات، تنتشر عالميا، وأحتلت تركيا رأس قائمة رواد مطلقي النزعات في هذا المجال. وفي “واحات” الأزياء الإسلامية، مثل دبي واندونيسيا وماليزيا، يجتمع رواد تصميم الأزياء الإسلامية (من المسلمين وغير المسلمين) للمشاركة في مسابقات عرض الأزياء.
ويمكن الحصول على كاتلوجات الأزياء الإسلامية في كل مكان، وظهرت مجلات نسائية جديدة تتخص في تقديم العروض المغرية للنساء اللاتي يبحثن عن الملابس المصممة حسب الأزياء الإسلامية. وفتح العالم الافتراضي اليوم صفحاته الإلكترونية أمام هذه النزعة، وتحولت هذه الصفحات إلى مواقع تصنع وتنشر الرغبة في السعي وراء الأزياء الإسلامية. ومنذ نهاية التسعينات وحتى الآن نبتت ونمت المواقع الإلكترونية المختصة ببيع الأزياء الإسلامية كالفطر، وزادت شعبيتها خصوصا بين المسلمين الذين لا تقع مخازن بيع الأزياء الإسلامية في محيط حركتهم، اما لأنهم مسلمون جدد في مناطق جديدة، أو وهو الأكثر شيوعا، لأنهم مسلمون يعيشون في أوروبا.
مثال هولندا

كثير من الفتيات المسلمات في أوروبا يمزجن بين الملابس الإسلامية والعصرية

تعتبر أوروبا عارضا متأخرا نسبيا على مسرح الإزياء الإسلامية العالمي. فالفتيات الشابات، من بنات العمال المهاجرين،
ومن بنات اللاجئين و معتنقي الإسلام الجدد على نحو أقل، انهمكن منذ نهايات التسعينات في هولندا في البحث عن الأزياء والتصاميم التي تعبر في آن واحد عن الحداثة وسهولة الفرز من قبل الناظرين كأزياء إسلامية. وهن عموما بنات أفضل تعليما وثقافة من امهاتهن، يتمتعن بإهتمام متزايد بدينهن الإسلامي، ربما لمجرد مخاطبتهن اعتياديا كمسلمات، لهن مداخيل مالية خاصة بهن( وأن كان بعضهن في المدارس)، ولهن اهتمام كبير في متابعة تصاميم الأزياء الإسلامية. ويجدر بي التأكيد هنا على أن الكثير من الشابات المسلمات في أوروبا لايرتدين غطاء رأس، وبالتالي فأنه من الصعب التعرف عليهن كمسلمات من قبل الآخرين. ويقدر بعضهن أن صنع علاقة بين الدين وارتداء نوع خاص من الملابس يخلق لهن مشاكل هن في غنى عنها، لأنهن يعتقدن أن الدين قضية إيمان.
البعض الآخر منهن يقفن من غطاء الرأس موقفا إيجابيا، لكنهن لا يفضلن ارتدائه بإنتظام. هذا يعني أن النساء اللاتي يرتدين غطاء الرأس يحملن تصورات مختلفة عن علاقة الرداء بالدين. لبس زي من تصميم معين بالنسبة للبعض قد يعبر عن هوية محددة، في حين يعتبر البعض الآخر ملابس التغطية الخاصة نوعا من الورع الخاص بالذات. وأخيرا هناك بعض النسوة يعتبرن الزي الإسلامي”اردافا خلفيا” أو لنقل محاولة لجمع نقيضين. والإسلام بالنسبة لهذه النسوة، كعالم لكل ما هو روحي ومقدس، وكحاضنة للقيم والعفة السرمدية، لا يتلائم مع الرغبات والسفاسف الدنيوية المتعلقة بمتابعة عالم الأزياء الإسلامي. بيد أن الحضور المتزايد للمنتجين والمصممين والنساء الباحثات عن آخر تقليعات الموضة في عالم الأزياء الإسلامية، يكشف بأن الجزء الأكبر من “العارضين” على المسرح لا يرون أية مشكلة حقيقية في الربط بين الإسلام والأزياء.
فيما يلي سأركز من جهة على شدة إنسياق هذه الشابات في شبكة الدين-الأزياء في مجرى حياتهن اليومية. سأتناول في البداية مشكلة ما إذا كان التحول نحو المزيد من تصاميم الأزياء، وبالتالي المشاركة الجمالية أو الإسلوبية مع الآخرين، يمكن أن يعتبر انحرافا عن المنحى الأجتماعي الثابت في الاعتقاد الديني. وسأناقش في المقطع اللاحق لماذا نحتسب حضورهن البصري والجسدي العلني على رصيد الجدل الدائر في أوروبا حول الإسلام. وسأفعل ذلك من خلال تسليط الضوء على الملابس من خلال حكايات روتها ثلاث نساء، واركز على أحكامهن الشرعية ونظرتهم لموضوع الأزياء الخاصة التي تجمع بين الحداثة والإسلامية في ذات الوقت. و ينبغي هنا مراعاة عدم التعامل مع هذه القصص كحكايات عابرة ترويها نساء يرتدين الزي الإسلامي في هولندا، إذ أنه حينها فقط ستوفر لنا القصص فهما أفضل للأساليب المختلفة التي تتبعها النساء الشابات في التوفيق بين الإلتزام الإسلامي وعالم الأزياء.
أنليز مورس
ترجمة: ماجد الخطيب
حقوق النشر: معهد غوته ومجلة فكر وفن 2011
المصدر قنطرة

اخر المقالات