قاسم الريمي خلفا لناصر الوحيشي

قاسم الريمي خلفا لناصر الوحيشي

5446a9b4c6acaقاسم الريمي المسئول العسكري لتنظيم القاعدة في اليمن
ـ محمد عبد الله الجرادي
ختفى قاسم في مطلع التسعينيات وهو فتى لم يكمل

عامه الخامس عشر وانقطعت أخباره عن أسرته وأقاربه تاركاً وراءه شائعات وتكهنات عن مصيره.

 
بين الموت و”الغياب التام بفعل مشعوذين” ظلت الحكايات تنسج باحثة عن تفسير مقنع لغياب الفتى المشاغب والعنيد قاسم، قبل أن تتضح الحكاية وينتهي اللغز بحضور اسمه مضافا اليه “الريمي” في وسائل الإعلام عام 2006، لكن هذا الظهور المتأخر لم يكن يلتقي وأي من التخمينات التي كان يرددها أهالي منطقته.
 
“قاسم عبده محمد أبكر ” هذا هو الاسم الذي غادر به القرية وصار جزءا من الذكرى، وكان هروبه من سجن الأمن السياسي ضمن مجموعة الـ16 المعتقلين على ذمة الانتماء لتنظيم القاعدة الذين تمكنوا حينها من الهرب من السجن بصورة غامضة، وظهر مؤخرا كواحد من القيادات الخطيرة لتنظيم القاعدة في جزيرة العرب.
 
في البيت المجاور للجامع ولد قاسم عام1974 في قرية “نمر” مديرية السلفية بمحافظة ريمه.
 
هو أكبر إخوانه الاثني عشر (ذكورا وإناثا)، ومنذ صغره كان واقعه يملي عليه أن يلعب دور الأب، فوالده الجندي يقضي معظم وقته في المعسكر.
 
جمع معلومات عن قاسم الريمي -الذي يصنف كإرهابي خطير- تبدو مهمة صعبة بالفعل، لن يتحدث إليك أي من أقاربه فهم يفضلون تجاهل الأمر، ويقولون بأن هذا ليس ابنهم وأن ابنهم قد مات منذ عشرين عاما.
 تحولت فكرة كتابة تقرير عن شخصية قاسم الريمي إلى مغامرة، فبعد التواصل مع أشخاص من قريته ووعود بأنهم سيقنعون والده بالحديث للصحافة، قررت النزول إلى منطقته البعيدة لكن أيا من تلك الوعود لم تكن ممكنة التحقيق فمجرد ذكر الاسم يثير الرعب ويجعلك محل ريبة الجميع.
 
 قبل الوصول إلى منطقته كان لـ”المصدر أونلاين” وبترتيب مسبق أن تلتقي ببعض ممن عاشوا مع قاسم مرحلة الطفولة، حذرين يتحدثون عن المحطات الأولى لقاسم الذي درس الابتدائية في مدرسة الأمل التي كانت حينها عبارة عن مبنى شعبي مكون من فصلين، على يد معلمين مصريين.
 
كانت المدرسة التي تم تحديث بنائها مؤخرا بعيدة من منزله وكان يقضي وقتا طويلا بشكل يومي للذهاب إلى المدرسة، وكانت الغرفتان تضمان الفصول من الأول إلى السادس وبعد أن أنهى قاسم المرحلة الابتدائية وأمضى في قريته عاما إضافيا يمارس أعمالا فلاحية لا تبدو مجدية، كان عليه أن يبحث عن مسار آخر فصف سادس كان يبدو له كما هو حال كثير من أبناء المناطق النائية نهاية المطاف.
 
يقول “ع. ق” رفيق قاسم منذ الطفولة الذي شدد على عدم ذكر اسمه “سافرت أنا وقاسم ومعنا صديق ثالث من القرية أول مرة نشتغل في منطقة الملاحيظ الواقعة بالقرب من الحدود السعودية، قاسم اشتغل في مطعم وأنا اشتغلت في محل تجاري لكنه كان زناط ما اعجبوش الشغل في المطعم ترك العمل ورجع القرية”.
 
 كانت تلك عودته الأخيرة إلى القرية، مكث يومين فقط وفي 28 شعبان من تلك السنة التي لا يحفظ “ع.ق” تاريخها بالتحديد.
 
كان قاسم الفتى المعتد بنفسه والذي يقول أصدقاؤه بأنه كان لا يتخلى عن حمل المسدس على خلاف رفاقه في منطقة لا يحتاج أهلها لحمل السلاح، كثيرا ما يدخل في خلافات متكررة مع جده ترجع في معظمها إلى تنازع صلاحيات الإشراف على الأسرة، ويعتقد كثيرون أن هذا كان جزءا من أسباب مغادرة قاسم النهائية.
 
 لكن ما كان يتكرر كثيرا في حديث من التقيناهم هو عنصر الشعوذة المنتشر في تلك المنطقة البائسة، والذي يرجحون حد الجزم بأنه كان وراء اختفاء قاسم، خاصة وأنهم مجمعون على أنه شاب عنيد يحب السيطرة ويختلف مع كثيرين من أهالي قريته بمن فيهم الكبار لهذا السبب.
 
طالت فترة غيابه وتسرب إلى الجميع يقين بأنه قد مات، لكنهم مؤخرا وبعد ظهوره بصورة لا يتمناها أهل المنطقة ولا يحتملون تبعاتها تبرأوا منه، وقالوا جميعهم بمن فيهم أبوه أن قاسم الريمي الذي يتردد اسمه في الإعلام لا يعنيهم وأن “قاسمهم” قد مات قبل عشرين عاما.
 
واصلت طريقي نحو قرية “نمر” المسترخية على إحدى التلال في مديرية السلفية ذات الطبيعة الجبلية الوعرة، طمعا في لقاء والده أو أحد أقاربه لكن ذلك بدا مستحيلا أمام خوف الناس هناك من مجرد الحديث عن هذا الشخص، فبينما كنت على مشارف القرية في الساعة الحادية عشرة من صباح أمس الأول الأحد إذ وصلتني مكالمة من تلفون ثابت في أمانة العاصمة يحذرني من عاقبة دخول القرية، وقال المتصل المجهول إن ذكر اسم قريتهم في مثل هذا الموضوع سيجر عليهم المتاعب، وأن قاسم الريمي “الإرهابي” على حد تعبيره لا يعنيهم ولا يعرفونه.
 
بالتحديد كنت جوار مدرسة الأمل التي قضى فيها قاسم الريمي فترة الطفولة، وكان بإمكاني التقاط صورة القرية من بعيد.
 “أ.ع” وهو أيضا ممن عاشوا مع قاسم فترة الطفولة وسافروا سويا للعمل في الملاحيظ “بعدما رجع من البلاد حاول يواصل العمل في المطعم ولكنه وبعد أسبوع مرض من الملاريا، فجاء إلى عندي وقمت أنا شخصياً بإسعافه حتى تعافى، بعدها تركنا هناك فجأة وبدون وداع واختفى، رحت أسأل عليه من ذلك التاريخ بدون فائدة، بعد فترة علمنا أنه في مران يعمل في المزارع وكنا نسأل عليه عند الرعية الذي يجوا من مران لكنهم يقولون أنهم لا يعرفون اسمه”.
 
ويشير إلى احتمال تغيير قاسم لاسمه والتخفي وراء اسم جديد ويدلل على ذلك بقوله “كانوا يدوا لنا مواصفاته، ومن خلال هذه الصفات نعرف أنه هو”، و في تلك الفترة كان المزارعون في مران ينزلون إلى منطقة الملاحيظ لجلب عمال لكنهم وبحسب “أ.ع” كانوا يأخذون أولادا صغار السن من سن الخامسة عشرة وما تحت ليستعملوهم في أعمال خفيفة مثل سقي الأشجار وجني المحصول وحراسة المزارع نهاراً.
 
واصل رفاق قاسم البحث عنه شعورا منهم بالمسؤولية كونهم غادروا القرية معا للعمل في مكان واحد، يضيف “أ.ع” واصلنا البحث عنه فترة دون فايدة وبعدين جا أخوه من البلاد يدوره”، لكن الجميع عجزوا عن الحصول على معلومة دقيقة تدلهم على مكان إقامته وكل ما وجدوه أمامهم روايات غير مؤكدة مفادها أنه يتنقل بين رازح والنظير والبعض يقول إنه في الجوف، واستمر حينها أخوه في البحث عنه أكثر من ثلاثة أشهر في الجوف ومأرب وصعدة حتى يئس منه، ولم يعثر عليه وبعد ذلك استسلم أفراد أسرته للأمر الواقع.
 
ويرى أصدقاء قاسم بأن الفقر كان السبب في مغادرته البلاد يواصل دون رغبة في الخوض في تفاصيل أكثر وكأنه يريد اختتام حديثه بتخمين عن سبب التحاق قاسم بتنظيم القاعده “كانت أوضاعنا صعبة جداً وكنا نصبر على الشغل مقابل لقمة عيش وأعتقد أنهم استغلوا ظروفه الصعبة لتجنيده في هذا التنظيم” .
 
لكن إصرارا على معرفة تفاصيل أكثر عن شخصية قاسم جر “أ.ع” الى سرد ما تبقى من تفاصيل في ذاكرته عن قاسم رفيق الطفولة والصبا والعمل المبكر “كان مشاغب وفوضوي يحب المناسبات والأعراس ليشكل عصابة من أولاد القرية ويقوم بإيقاع المشاكل بينهم ليتول الفصل بينهم يعتبر نفسه زعيمهم”.
 
في “مدينة الشرق” وحيث يعمل كثير من أهل قرية “نمر” وأهالي القرى المجاورة لها في عزلة الأسلاف هناك في البيع والشراء، حاولنا الحديث إليهم لكنهم كانوا يتبرأون من هذا الشخص ويؤكدون أن قاسم بن قريتهم “قد مات من زمان”، وعند حديثهم عن قاسم بن قريتهم ذهبوا الى أنه كان ولد زناط وكثير المشاكل، وكان أهالى القرية كلهم يتحاشون الخلاف معه يضيف أحدهم “ما كانش يرضى إلا يكون في مقدمة أي قضية تحدث في القرية ، وأيضا كان كتوم وانطوائي”.
 
قاسم وبحسب ما رواه عنه رفاقه غادر طفولته مبكرا وكان يظهر كرجل كبير، يتحدث آخر عن أنه من خلال جلوسه معه في تلك الفترة كان يحلم بأنه يقود القرية لكنه لم يستطيع وبالتالي فقد كان يلعب هذا الدور مع أسرته.
 
عند الحديث معهم عن علاقته بالتدين أو ظهور ميول نحو هذا الجانب يؤكد أكثر من شخص أنه ملتزم إلى حد ما في مجتمع لا يعني له الالتزام أكثر من المداومة على الصلاة، وكان يشكو لرفاقه بأنه لا يستطيع حفظ القران في تلك الأيام .
 
الأب وبعد محاولات للحديث معه رفض عبر وسطاء أي كلام حول الموضوع، مؤكدا “أنا ابني مات من زمان، وهذا الشخص ما أعرفوش ولا لي دخل فيه”.
 
أما إخوانه الموزعون في أماكن مختلفة فيعملون في مهن بسيطة يكافحون لكسب العيش الحلال ومعظمهم لا يعرف أخاه المختفي أو بالأصح الذي يصرون على التأكيد بأنه مات.
 
ولأن الناس هناك ألغوا هذا الشخص من ذاكرتهم فإن نبأ مقتل قاسم الريمي في غارة جوية نفذتها القوات الحكومية ضده ومجموعة من عناصر القاعدة في منطقة الأجاشر في وقت سابق لم يكن محط اهتمامهم ولا يبدي أحد اهتمامه لهذا الخبر.
 
المصدر أونلاين.

اخر المقالات