#فرنسا:اضطراب مؤشرات التسامح

#فرنسا:اضطراب مؤشرات التسامح

اضطراب مؤشرات التسامح في فرنسا

منذ وصول المسلمين في هجراتٍ كثيفة إلى الأراضي الفرنسية وعقب استجلاب المهاجرين لأسرهم بغية الاستقرارالدائم بالجمهورية الفرنسية وحتى استصاغ الفرنسيون جيرانهم الجدد من المهاجرين، ما كنا نسمع عن امتعاض ذلك الشعب، التواق للتعرف على ثقافات الآخرين، من وجود الإسلام ومظاهره الممثلين في عادات وأسلوب حياة أولئك المهاجرين.إلا أنه ومع التوجه الفرنكفوني البلجيكي للانفتاح الثقافي على بعض دول الخليج العربي بغية استقطاب بعض مصادر التمويل النفطي لها، وكذلك مع سقوط الحدود بين الدول الأوروبي، خاصةً تلك التي تتحد فيما بينها تحت مظلة اللغة، حتى رأينا نوعًا من أنواع الاتصال الديني الإسلامي بين فرنسا وبلجيكا، وصل في بعض الأحيان إلى اتصالٍ ديني وثقافي عربي إسلامي أفضى إلى انفصالٍ ثقافي عن الثقافة الأم، أي الثقافة الفرنسية.

لقد أدى انفتاح فرنسا وبلجيكا على بعض دول الخليج إلى أن فتحت فرنسا وشقيقتها الأبوابَ على مصراعيها لاستجلاب دعاةٍ من تلك الدول. دعاة لا يجيدون الفرنسية، بل لا يجيدون إلا العربية. أتوا إلى العالم الفرنكفوني مرتدين جلابيبهم واللحى تغطي وجوههم مقدمين إلى مسلمي فرنسا أنموذج الإسلام الذي خيل لهم أنهم فيه مفرطون. شيئًا فشيئًا تم زرع عقدة التفريط في الدين والابتعاد عنه في أرواح الكثير من الشباب الذي تردد على أولئك الدعاة حتى أصبحوا منفصلين عن ثقافة بلادهم كارهين لها. على الجانب الآخر، كان الفرنسيون الولعين بالقهوة العربي بعد تناول الكسكس المغربي على مقربةٍ من ملاقاة بعض الانفصاليين الكارهين للثقافة الفرنسية. فبدلًا من أن يقابل القبول الفرنسي بالقبول، قوبل هذا بمحاولاتٍ لفرض الذات المغايرة، فما كان من الفرنسي إلا أن رفض الرفض ورفض الإسلام والمسلمين معه.

كان في البدء الرفض معبرًا عنه بالنقد، وهي تلك الآلية المعهودة لدى الفرنسييين، ولكن سرعان ما تغير الأسلوب بتغير وسيلة رفض بعض الشباب المسلم. فعندما تغيرت منهجية الرفض إلى القتل والتمادي لتهديد الحياة حتى أصبحنا في مواجهة موجة حادة من الإسلاموفوبيا. تلك الظاهرة التي تعد خوفًا غير منطقي ورهابًا من كل ما هو مسلم وله علاقة بذلك الدين، سواء من مظهر أو روح أو حتى ملمح ثقافي. فرأينا التعدي على السيدات المحجبات اللاتي لم يتعرض لهن من قبل أي إنسان، بل كانت تحظى بكل احترام بعد التعرف على ثقافتها المنبنية على أساس دينها.أعقب ذلك الرفض من قِبَلِ الفرنسيين حدةً تمثلت في ظاهرة الإسلاموفوبيا، وكلما تصاعدت الأعمال الإرهابية كلما تصاعدت أعمال العنف والكراهية ضد المسلمين.

إلا أنه ومع العيش تحت وطأة الكراهية المتبادلة تم ميلاد جيلٍ جديد من الممكن أن يتعايش مع مشكلاته ليصل في نهاية النفق إلى وضع الأمور في نصابها ومجابهة المعضلات لكي يصل يومًا إلى القضاء على ثقافة الكره واستعادة ثقافة قبول الآخر من جديد.لقد توازت نسب معادة المسلمين لليهود مع معادة الفرنسيين للمسلمين، ففي تقرير صادر عن اللجنة الوطنية الاستشارية لحقوق الإنسان ” la CNCDH”، نهاية مارس لعام 2017، والذي اعتمدت فيه هذه اللجنة على أرقام صادرة من وزارتي الداخلية والعدل، مؤشر انخفاض عدد الجرائم المعبرة عن عنصرية تجاه المسلمين ومعاداة السامية خلال العام الماضي 2016م، وتنامي مستوى قيمة التسامح في الرأي، “على الرغم من أن عام 2016م، كان قد شهد أعمالًا إرهابيةً تزامنًا مع وصول الكثير من اللاجئين بالأراضي الفرنسية”.فوفقًا للأرقام التي أصدرها جهاز المخابرات الإقليمي المركزي (SCRT)، فإن الأعمال والتهديدات المعادية للسامية، وللمسلمين، وغيرهم قد انخفضت بنسبة 44.69% خلال عام2016م (1125 حالة في عام 2016م).

تنامي قيم التسامح :

لقد أصبحت فرنسا أكثر تسامحًا هذا العام مقارنةً بعام 2014م، فوفق “مؤشرات مطولة” قام على وضعها عدد كبير من الباحثين. فترى المحللة السياسية، نونا ماير، أن “تنامي التسامح في فرنسا يرجع إلى تجدد الأجيال – فكل جيل يصبح أكثر تسامحًا من الجيل السابق. وربما يرجع ذلك إلى ارتقاء مستوى التعليم…

إلا أنه جاء في نفس التقرير الصادر عن اللجنة الوطنية الاستشارية لحقوق الإنسان، أن الفرنسيين ينظرون إلى الإسلام في الوقت الحاضر بنظرة أكثر سلبية. فقد نشرت اللجنة الوطنية الاستشارية لحقوق الانسان في تقريرها السنوي حول العنصرية ومعاداة السامية وكراهية الأجانب في فرنسا. وكالمعتاد، لا يضم العنوان ظاهرة الإسلاموفوبيا، بالرغم من أنها تُعَد أحد الأمور الأكثر جدلًا في هذا الملف، وذلك لأن اللجنة ترى أن العنصرية في فرنسا تشهد تراجعًا، حيث يحكم على سلوكيات وعبارات الفرنسيين العنصرية (بأنها أصبحت لا تحتمل بشكل متزايد).لكن الأمور ليست دائمًا وردية : “فالعنصرية البيولوجية” والتي تعني، الاعتقاد بأن هناك جنس أفضل من آخر- والتي تتمنى اللجنة أن “تختفي بشكل كامل في فرنسا”، لا تزال موجودة عندما لا ندعم ثقافة الآخرعلى سبيل المثال : سماع الموسيقى الإفريقية من أحد الجيران أو مشاهدة امرأة محجبة في الشارع.

وأشارت اللجنة الوطنية الاستشارية لحقوق الانسان أن الإسلام لا يزال “يثير الامتعاض” من قِبَلِ العديد من الفرنسيين، وأن مفهوم الإسلام والمسلمين لا يزال يشكل مصدرًا للتوتر، والأرقام تتحدث عن نفسها: فمن كل ثلاثة فرنسيين هناك واحد لديه نظرة سلبية عن الإسلام وما يقرب من واحد من كل اثنين يعتقدون أن الإسلام يمثل “تهديدًا لهوية فرنسا”، و58% من الفرنسيين يعتقدون أن الحجاب يتعارض مع المجتمع الفرنسي، وثلثهم يقولون أنهم ضد الصلاة، وربع الفرنسيين يعتقدون أن تحريم أكل اللحوم وشرب الخمور يتعارض مع القيم الوطنية، وأخيرًا أربعة من كل عشرة أشخاص لا يريدون تسهيل ممارسة الدين الإسلامي في فرنسا.تأتي هذه الحالة والتي تعرض فيها طالب من مدينة ميتز بالمرحلة الثانوية يبلغ من العمر 19 عامًا  للتوبيخ بواسطة أحد الأشخاص الذي وجه له عبارات ذات دلالة عنصرية. فبمجرد أن طلب من أحد الأشخاص أن يخبره بموعد الحافلة التالية وهو بمرفأ الحافلات، حتى وجد نفسه في مواجهة وابلٍ من الأحكام المسبقة والتي لا يتوافق منطوقها وفحواها والمواقف. هنا يخبرنا رضا بالذي حدث معه :

جرت أحداث هذا المشهد في مدينة ميتز عند محطة بوانكاريه للحافلات، بالقرب من ميدان (la République). وقام مالك المقطع المصور المدعو رضا بنشر المقطع الأربعاء الماضي. حيث نراه في الفيديو، وهو في انتظار الحافلة، يدخل في مناقشة ثائرة مع رجل لا يظهر على الشاشة.  يحكي الشاب عن الموقف ويقول” سألت رجلًا بجانبي عن موعد مرور الحافلة. وكنت قد سألت للتو صديقي عن هذا الأمر ولكنه هو أيضًا لم يكن يعلم المواعيد. إلا أنني وجدت أحد الأشخاص الذي من الممكن أن أصفه بأنه لم يكن لطيفًا على الإطلاق”

سيدى هل تعي ما تقوله؟

كان هذا هو رد الشاب الذي سأله بكل هدوء: ” لقد طلبت منك أن أعرف متى ستمر الحافلة وطلبت ذلك بشكل محترم”. ولكن الرجل واصل كلامه وقال: “العرب هم الذين يتصرفون دائمًا بحماقة.” رد عليه رضا وسأله ” أنت بذلك عنصريًا إلى حد ما” رد الرجل : “بالتأكيد على المدى الطويل.” ولكي يواصل حواره الحاد… سأله الشاب مرةً أخرى، بعد وقت طويل: “سيدى هل تعي ما تقوله؟ “رد الرجل قائلًا : نعم بالطبع فنحن لم يعد لدنيا الحق في التحدث عن الإسلام.” ثم أضاف : “أنا لست عنصريًا، أنا ضد الإسلام”.كان يجب أن يثير هذا الامر رد فعل رضا.ويقول الشاب الذي عبر عن “صدمته” من هذه المشادة الكلامية التي حدثت جراء سؤال عادي عن مواعيد الحافلات. “كنت أبحث عن إجابة بسيطة منه غير أنه اشتاط غضبًا. في البداية، ظننت أنه سيتوقف عن الحديث ولكنه استمر وعندها بدأت بتسجيل المحادثة ودخلت معه في سجالٍ طويل.”

ويرغب رضا في مشاركة هذا الموقف الذي عاشه حيث يقول : “قمت ببث الفيديو بعد ذلك لأنني كنت أرغب أن أظهر للفرنسيين، على مختلف دياناتهم أو ألوانهم جانبًا مما يحدث أحيانًا في فرنسا. يجب أن يدفع هذا الموقف الفرنسيين للتحرك وأن ينتبه السياسيون لهذه القضية”. وأضاف رضا أنه على المستوى الشخصي “تعد هذه هي المرة الأولى” التي أتعرض فيها لمثل هذا الموقف. وبعد هذا المقطع، استقل الرجل حافلته فيما انتظر رضا الحافلة التي تليها. وعلى ما يبدو انتهى الفيديو عند هذا الحد.

يظل الفرنسيون متفتحين ومتسامحين علي الرغم من ملابسات وسياقات مواجهة الارهاب :

بعيدا عن هذه اللقطات، إلا أن الفرنسيين يعدون من بين الشعوب الأكثر انفتاحًا وتسامحًا في العالم. فعلي الرغم من الاعتداءات التي تعرضوا لها، والتي قد أسفرت عن مقتل المئات وإصابة الآلاف من الأبرياء خلال العامين الماضيين والتي من الممكن أن تؤدي الي خرقات لا يمكن التحكم فيها في بعض الاماكن إلا أنهم أثبتوا قدرتهم علي الفصل في الأمور.ومع ذلك، تعتبر اللجنة الوطنية والاستشارية للحقوق الانسان (CNCDH)في تقريرها السنوي الأخير حول ” العنصرية ومعاداة السامية وكراهية الأجانب في فرنسا،” أن مستوى قيم التسامح يتزايد ، وأن هناك تحامل تجاه المهاجرين. ووفقا لهذه المنظمة فإن هناك 39٪ من الفرنسيين يعتقدون أن “الهجرة هي السبب الرئيسي لانعدام الأمن” وأن 57٪” من الفرنسيين يرون أن الكثير من المهاجرين يأتون إلي فرنسا فقط للاستمتاع بالحماية الاجتماعية”.

وأضافت اللجنة الوطنية والاستشارية لحقوق الانسان أيضا أنه بالرغم من انخفاض الأعمال العنصرية إلا أنه لا يتم الإبلاغ عن الغالبية العظمى من تلك الأفعال إلى السلطات.وعلى الرغم من كل ذلك فإن فرنسا ستظل هي رمانة الميزان فيما يخص حقوق الإنسان، وأننا نعقد الأمال على الأجيال القادمة، سواء من الفرنسيين من غير المسلمين أو من الفرنسيين المسلمين لكي يتخطوا الأزمة الراهنة ويعبروا ببلادهم وثقافتهم إلى بر الأمان ضاربين المثل والقدوة لغيرهم ومدشنين لعصرٍ جديد من التعايش السلمي بين المختلَفين، فلطالما كانوا كذلك ونتمنى أن يكون كذلك في المستقبل.

مرصد الازهر

اخر المقالات