عين العرب معركة مفصلية ضد “الدولة الاسلامية”

هل تصبح -عين العرب- معركة مفصلية تحدد جدية التحالف في محاربة-داعش-؟

1-692661
بقلم الكاتب والاعلامي ميشيل الحاج

بعد قرابة الشهرين من قيام التحالف ضد “داعش” بشكل خاص، والارهاب بشكل عام، والذي ضم أكثر من خمسين دولة بينهم ثلاث من الدول الخمس الكبرى، وتنفيذ ذاك التحالف الذي فاق التحالف ضد “العراق” في عام 1990، بالعديد من عمليات القصف الجوي على مواقع “داعش” وآلياتها، ظلت تلك المنظمة المرفوضة من المجتمع الدولي تحتفظ بزخم قوتها الى درجة احتلت معها ستين قرية كردية في الشمال السوري، وباتت معها تهدد باحتلال مدينة أخرى رئيسية في سوريا” هي مدينة “عين العرب” (كوباني)، بعد أن احتلت منذ أشهر قليلة مدينتين رئيسيتين في العراق هما “الموصل” و”تكريت”، ومواقع أخرى في صحراء الأنبار.

ويصعب على المراقب أن يتفهم عجز قوات التحالف، رغم ضخامتها، عن تحجيم قوات داعش التي لا يزيد عددها عن الثلاثين ألف مقاتل في أقصى حد، بل وعن استيعاب قدرتها على تهديد مدن أخرى ك”عين العرب”، في وقت توقع فيه البعض بعد تلك السلسلة من الغارات الجوية، أن تنكمش قوتها ولو نسبيا، واذ بها تنتقل من الدفاع الى الهجوم، بل ولمحاصرة مدينة كبرى تضم عادة أربعمائة ألفا من السكان، متيحة الفرصة ل”تركيا” للتهديد بالتدخل برا بذريعة الدفاع عن “كوباني”، وهي في حقيقة الأمر تتخذها مبررا لايجاد منطقة عازلة على الأراضي السورية، (وهو ما تشترطه تركيا للدخول في التحالف)، تحد من قدرة القوات الجوية السورية على التحليق في فضائها، وهو ما تريده تركيا وتسعى اليه من وراء المنطقة العازلة، مما يعزز قدرات المعارضة المسلحة (المعتدلة) بشكل عام، وقدرات “داعش” بشكل خاص.
ويتوقع المراقب من دول التحالف ان كانت جادة حقا في محاربة “منظمة الدولة الاسلامية”، أن تبذل الجهد الأكبر للحيلولة دون سيطرتها على تلك المدينة التي تقول الأنباء بأن مقاتلي الدولة الاسلامية قد باتوا على بعد كيلومتر واحد منها، بحيث باتت قذائفهم تطال بعض الأحياء في داخلها أو في أطرافها على الأقل. وذكرت آخر الأنباء أن “داعش” قد سيطرت على جزء من هضبة “مشتى نور”، وهي هضبة مطلة على مدينة “كوباني”.
وهكذا بات من الضروري أن تتحول المعركة الخاصة بمن يسيطر على “كوباني”، الى معركة مفصلية تحد من تقدم “داعش” للسيطرة على منطقة أخرى تضاف الى المناطق التي تسيطر عليها فعلا سواء في “سوريا” أو في “العراق”. فجدية التحالف في الحيلولة بين “داعش” وتحقيق مرامها، انما يعزز بعض الثقة في التحالف، ويكشف عن نوايا جدية ضد تلك المنظمة الارهابية.
أما أن يترك الأمر لقوات “داعش” للنجاح في السيطرة على المدينة المذكورة، أو للسماح ل”تركيا” بالتدخل على الأراضي السورية بذريعة مساعدة أكراد المدينة، رغم معارضة “سوريا” لتدخل قوات برية تركية في أراضيها، انما يكشف عن نوايا غير سليمة، خصوصا وقد كشف الغرب مؤخرا على لسان نائب الرئيس الأميركي “جوزيف بايدن”، أن دولا حليفة ومنها “تركيا”، (وبعض هذا الدول بات عضوا في التحالف الحالي) ، قد ساهمت في تمويل الارهاب وخصوصا في تمويل وتسليح “داعش”. وكان “بايدن” يشير الى حلفائه من دول الخليج دون أن يذكر اسمها، مع أنه قد ذكر اسم “تركيا” بشكل واضح ومباشر.
وكان “بايدن” يلقي ضوءا على تصريح سابق للرئيس “اوباما”، قال فيه أن رجال مال وأعمال (وليس دولا) هم الذين يمولون “داعش” والمنظمات الارهابية. فجاء تصريح “بايدن” مفسرا وموضحا لما تردد الرئيس “اوباما” في تفصيله. مع احتمال هام ، بأن يكون ذلك الاتهام، سواء الصادر عن “اوباما” أو عن نائبه، انما يحاول ابعاد الشكوك عن اتهامات البعض ل”واشنطن” بكونها الراعي الحقيقي للارهاب.
وقدر البعض أن تصريات “جوزيف بايدن”، ربما كانت مجرد زلة لسان، خصوصا وأن “بايدن” معروف بزلات لسان كثيرة ويجري التندر حولها أحيانا. ولكن الدكتور “سمير صالحة”، أستاذ القانون الدولي في الجامعات التركية، نفى احتمال زلة اللسان، لكون “بايدن” قد أدلى بتصريحه ذاك في جامعة “هارفارد”، عندما كان يخاطب ندوة لطلاب القانون الدولي في تلك الجامعة الشهيرة بكونها الجامعة التي تخرج من أروقتها معظم رؤساء الجمهورية في “الولايات المتحدة”. ويعزز الدكتور “صالحة” رؤيته تلك، بكون نائب الرئيس أي “بايدن”، كان قد خاطب “أردوغان” في الصباح هاتفيا، ليهنئه على قرار المجلس النيابي التركي بالسماح للقوات التركية بالتدخل برا في “سوريا”. فجاء تصريحه ذاك، بعد ساعات فقط من مكالمته الهاتفية مع “أردوغان”، ليشكك بصلابة العلاقة التركية الأميركية، وتعبيرا عن المخاوف الأميركية من حقيقة النوايا التركية غير البريئة تجاه “سوريا”، (والتي ربما باتت الآن متعارضة مع توجهات أميركا الحالية)، خصوصا وقد هدد الزعيم الكردي “عبد الله أوجلان” من سجنه، بعودة التمرد الكردي ضد الأتراك، وهو التمرد الذي استمر ثلاثين عاما، اذا ما سقطت “كوباني” بأيدي “داعش”، مع ما يحمله سقوطها من احتمال لمذبحة ضد أكراد سوريا، وخصوصا سكان “كوباني” من الأكراد.
وألقى الدكتور “خالد صفوري” المقيم في أميركا، والمستشار في مركز أبحاث “مريديان” للدراسات الاستراتيجية، بعض الضوء على نوعية هذه الخلافات بين الدولتين، بالقول أن “الولايات المتحدة” لم ترغب قط في اسقاط نظام الرئيس “بشار الأسد”، بل رغبت فحسب في اضعافه، وذلك خلافا للرغبة التركية ورغبة بعض دول الخليج التي مولت الحرب وسلحتها، بغية اسقاط النظام السوري. ويعتقد البعض أن النوايا الأميركية كانت تتجه أيضا الى مشاغلة ذاك النظام ومشاغلة دول النفط في آن واحد، في حرب طويلة لا نهاية لها، تنفيذا لرؤية “هنري كيسينجر” بوجوب استرداد الفائض من أموال النفط الناتج عن الارتفاع الفاحش في أسعاره، منذ فرض الحظر على تصدير النفط لبعض الدول الذي تبناه الملك الراحل “فيصل” في عام 1973.
فهذا المخطط يحقق عدة أهداف منها: 1)استرداد فائض أموال النفط، 2) اضعاف نظام الرئيس السوري عبر مشاغلته بتلك الحرب، 3) تحقيق الأمان لاسرائيل ربيبة أميركا نتيجة انشغال السوريين ودول النفط بحرب لا معنى لها.
وعزز الموقف الأميركي فيما بعد، ما لاحظته الادارة الأميركية بأن اسقاط “بشار الأسد” لن يأتي بنظام أفضل، بل سيحمل الى كرسي القيادة في سوريا، نظاما بديلا ربما يكون أكثر سوءا، كما يرى الأميركيون، من نظام الأسد، بل وربما أكثر تشددا تجاه الربيبة اسرائيل.
ولكن التصريحات التي تشير الى دور حلفاء أميركا وفي مقدمتها “تركيا”، في تقديم الدعم الى المنظمات المقاتلة في سوريا (والعراق) والتي باتت ارهابية ك”داعش والنصرة”، لم يتوقف على تصريحات “بايدن” فحسب، اذ تطرقت اليها أيضا مقالة في صحيفة “الديلي تلغراف”، ورد فيها أن مصرفيا قطريا كان يحول الأموال الى “داعش”. وكشف المقال الذي كتبه “روبرت منديك”، أن عشرين من رجال المال والأعمال القطريين، ساهموا في تزويد “داعش” بالأموال، وكان أبرزهم وأكثرهم نشاطا “خالد محمد تركي السبيعي”، وعمره 49 عاما، على حد قول الصحيفة المذكورة.
وفشلت “قطر” في وقف عمليات التمويل تلك، أو كانت على علم بها ولم تسع الى ايقافها. والمعلوم أن الدول تراقب عادة التحويلات المالية الكبيرة ضمن مراقبتها لعمليات غسيل الأموال غير المأذون بها دوليا، في اطار مكافحة تجارة المخدرات. من هنا بات من المستغرب جدا، ألا تلاحظ حكومة “قطر” تحويل كميات كبيرة من الأموال تجاوزت المليارات، من بنوكها الى بنوك أخرى أو الى أشخاص آخرين، خصوصا وأن الحقائق تكشف عن انتشار الحديث عن قيام “قطر” بتمويل المنظمات الارهابية بمشاركة تركية، اذ تطرقت اليه أيضا، عدة صحف أميركية بل وصحف تركية كذلك.
وكان أحد الوزراء في الحكومة الألمانية قد اجلى بتصريح قبل عدة أسابيع، وجه فيه الاتهام علنا الى “قطر” بتمويل الارهاب وخصوصا منظمة “داعش”. وفي بيان أدلت به رئيسة جمهورية الأرجنتين أمام مجلس الأمن، الذي عقد خصيصا لاتخاذ قرار بالسعي لوقف تمويل داعش والارهاب، قالت رئيسة تلك الدولة اللاتينية، أن دول الغرب هي التي تمول الارهاب وتمول “داعش” بالذات “التي نجتمع اليوم هنا لدراسة كيفية وقف تمويلها”، كما قالت الرئيسة الأرجنتينية. وما لفت الانتباه، أن خطاب الرئيسة المذكورة والذي كان يبث على الهواء مباشرة، قد انقطع بثه فجأة عندما بدأت الرئيسة المذكورة تدخل في التفاصيل. ولم يعلم أحد أن كان ذلك الانقطاع نتيجة خلل فني، أم كان انقطاعا مقصودا.
ويشدد البعض القول بأن معركة “عين العرب” باتت معركة مفصلية تكشف عن النوايا الجدية والحقيقية لدول التحالف، وخصوصا الدولة الأميركية منها، لأنها ستكشف عن مدى جديتها في محاربة الارهاب وخصوصا منظمة “داعش”. ف”الولايات المتحدة” قد ترددت طويلا في الشروع بتلك الحرب على الارهاب، رغم كل النداءات والتحذيرات التي وجهها اليها بعض السياسيين والمحللين الاستراتيجيين من مخاطر السكوت عن التنامي التدريجي والملحوظ لتلك القوة الغاشمة. ويقول الدكتور “خالد صفوري” السابق ذكره، في حوار سياسي له على قناة “بي بي سي عربي”، أن توقيت الشروع بالهجوم الأميركي، يوحي أو يرجح بأن الرئيس “أوباما” قد أقره أخيرا نظرا لاقتراب موعد انتخابات الكونجرس الأميركية والتي ستجري بعد أسابيع قليلة. فالرئيس الأميركي بات يخشى فقدان حزبه الديمقراطي نتيجة تلك الانتخابات، أغلبيته في الكونجرس، كما فقدها قبل عامين في المجلس النيابي، مما سيجعل من الصعب على الرئيس الأميركي تمرير أي من القوانين التي يريد تشريعها خلال مدة العامين المتبقية له في سدة الرئاسة الأميركية.
وهكذا بات يتجلى للمراقبين، أن المعركة حول “كوباني” أو”عين العرب”، هي معركة مفصلية تؤكد جدية “أميركا” ودول التحالف في محاربة الارهاب، وبالذات في محاربة منظمة “داعش”، التي طورت أساليبها في تجنب مفاعيل الغارات الجوية عليها، فباتت تستخدم في تنقلها سيارات مدنية عوضا عن التنقل بآليات عسكرية، كما لم تعد ترفع أعلامها السوداء على تلك الآليات، تجنبا لاصطيادها من قبل الطائرات المغيرة.
والآن بات علينا الانتظار لنكتشف مستقبل تلك الغارات الجوية، ومدى فعاليتها وجديتها، بل ونجاحها، في مقاتلة “داعش”، خصوصا وأن معركة قد تكون حاسمة جدا، تدور الآن على مشارف مدينة “كوباني”، أي “عين العرب”، وذلك اضافة الى معركة أخرى لا بد من حسمها، وهي وقف تمويل “داعش” وتزويدها بالسلاح، علما أن “داعش” قد باتت تمتلك الآن مصادر تمويل ذاتية عن طريق بيع النفط الذي تستخرجه من آبار نفط سورية وعراقية. ولكنه نفط يصبح بلا قيمة اذا امتنعت الدول عن شرائه، علما بأن أهم أسواق ذلك النفط هي “تركيا” التي تغتبط بشراء نفط بثمن زهيد، بل وزهيد جدا.
فالحل الحقيقي لما يجري في المنطقة، وليس بقضية معركة “كوباني” فحسب، لا يمكن أن يقتصر على قصف جوي أو حتى تدخل بري، انما يقع بين يدي “تركيا” وتركيا وحدها، التي بوسعها اغلاق حدودها في وجه تدفق المقاتلين والسلاح الى الداخل السوري والعراقي، اضافة الى وقف تدفق النفط غير الشرعي الذي تنتجه “داعش” الى الداخل التركي باعتبارها المستهلك له، أو طريقه الوحيد لمروره لأسواق المستهلكين الآخرين ان وجدوا. وعلى ضوء هذ1الأمر، قد يفهم السبب في تصريحات “بايدن” المفاجئة، والتي تدين “تركيا” باعتبارها الللاعب الأساسي فيما بات يحدث الآن في المنطقة .
ميشيل حنا الحاج
عضو في جمعية الدراسات الاستراتيجية الفلسطينية (Think Tank).
عضو في مجموعة (لا للتدخل الأميركي والغربي) في البلاد العربية.
عضو في ديوان أصدقاء المغرب.
عضو في رابطة الصداقة والأخوة اللبنانية المغربية.
عضو في رابطة الأخوة المغربية التونسية.
عضو في لجنة الشعر في رابطة الكتاب الأردنيين…
عضو في تجمع الأحرار والشرفاء العرب (الناصريون(
عضو في مجموعة مشاهير مصر – عضو في منتدى العروبة
عضو في “اتحاد العرب” (صفحة عراقية)
عضو في شام بوك.
عضو في نصرة المظلوم (ص. سورية (
عضو في منتدى فلسطين للفكر والرأي الحر.
عضو في مجموعات أخرى عديدة.

اخر المقالات