هل حقًا أننا نعيش في عصر الإرهاب؟ بهاء شاهين

هل حقًا أننا نعيش في عصر الإرهاب؟ بهاء شاهين

عرض، بهاء شاهين

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

هل حقًا أننا نعيش في عصر الإرهاب؟؟؟، نظرًا لانتشار الإرهاب في الشمال والجنوب وفي الشرق والغرب وفي الدول المتقدمة والنامية وفي كل مكان في العالم، فهو ينتشر بسرعة كبيرة في كل مكان، والإجابة عند ستيوارت تاليوت ونايان شاندا، في كتابهما الذي صدر مع مطلع القرن الحادي والعشرين، وما زال يحمل الإنذار الخطير، ويدق ناقوس الخطر الشديد من الإرهاب، بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر بأمريكا، والكتاب من تأليف ستورب  تالبوت ونايان شاندا، واسمه: عصر الإرهاب.. أمريكا والعالم بعد الحادى عشر من سبتمبر، والمنشور في  بازيك بوكس (نيويورك)  Books، عام 2001.

فيبدأ الكتاب بالتأكيد على أن ما حدث في الحادى عشر من سبتمبر 2001م كان من تلك اللحظات الحاسمة التي هزت  كيان المجتمع الأمريكي ومعه العالم بأسـره.ويتناول كتاب عصر الإرهاب بالتحليل والدراسة المتعمقة كل ما يتعلق بهذا الحدث من أسباب ومقدمات ونتائج وذلك من خلال نخبة من الكتاب المتخصصين في مجالات التاريخ السياسي، والأمن، والقانون الدولي.

يستعرض جون لويس جاديس، الأحداث العالمية التي شهدتها فترة ما بعد الحرب الباردة التي يقول الكاتب أنها بدأت مع انهيار حائط برلين وانتهت مع انهيار برجى مركز التجارة إثر هجوم سبتمبر. ويؤكد أن خصائص التحولات التي شهدتها الساحة العالمية السياسية طوال هذه الفترة كانت بمثابة مقدمة منطقية لحدث سبتمبر. فبرغم أن انهيار حائط برلين لا يقدم لنا الكثير من التفسيرات والتحليل لخصائص فترة ما بعد الحرب الباردة إلا إنه يخبرنا بالكثير عن الحرب الباردة ذاتها.

فسقوط الحائط أثبت بجلاء أن حلف وارسو والاتحاد السوفييتى كانا قد فقدا كل رموز القوة والسلطة التي يمثلانها منذ فترة طويلة وأن الولايات المتحـدة وحلفائها في حلف الناتو رسخوا جذور قوتهم وهيمنتهم علىالساحة السياسية العالمية وأن تاريخ فترة الحرب الباردة كله بدا بشكل مختلف نتيجة لذلك. ويبدو أن حدث سبتمبر وما صارت إليه حالة الولايات المتحدة من جرائه، يماثل إلى حد بعيد صورة الاتحاد السوفيتى عقب سقوط الحائط. فهذا الحدث يجبر الجميع على إعادة النظر والتفكير في مكانة الولايات المتحدة وحالتها قبل الحدث ومآلها وصيرورتها بعده.

ويواصل الكتاب قوله : نجد أنه لا يوجد أى مبرر يفسر ما حدث في سبتمبر سوى كونه فعلاً من أفعال الشر والإرهاب اللاإنسانى الذي لم يسبق له مثيل. فهذا الفعل ليس له سبب محدد واضح ولا يخدم أى هدف، وتم دون أى إنذار أو مقدمات، وأنه تم التخطيط له وتنفيذه بحيث يلحق أكبر قدر ممكن من الخسائر المادية والبشرية.

ولابد أن تدفع هذه الأسباب جميع الأمريكيين طوعًا وقسرًا إلى إعادة النظر في سياستهم الخارجية وأساليب ضمان أمنهم القومى. واستنادًا إلى بديهية استلهام سياسات الحاضر من دروس الماضي نجد أنه برغم أن الأمريكيين لم يكونوا مسئولين عما لحق بهم من جراء هجوم بيرل هاربر، فإنهم سيكونون يقينًا مسئولين عن كل ما سيحيق بهم من مخاطر تترتب على حدث سبتمبر إذا لم يعمدوا إلى إجراء تغيير جذرى في سياساتهم الداخلية والخارجية.

وثمة نتيجة أخرى هامة يمكن استخلاصها من حدث سبتمبر، ألا وهى أنه لا الموقع الجغرافى الذي تتمتع به الولايات المتحدة ولا قوتها العسكرية يمكن أن يكفلا لها الأمن القومى المنشود. فالأمريكيون لم يشعروا بحالة عدم الأمان والتهديد الداخلى خلال تاريخهم إلا لفترات قصيرة وفي مرات معــدودة تمثلت في هجوم اليابانيين على بيرل هاربر وغارات قائد العصابات المكسيكية بانشو فيلا على مدينة كولومبس في ولاية نيو مكسيكو عام 1916، ولم تشهد الولايات أبدا أى هجوم من الخارج على أراضيها منذ احتلال القوات البريطانية لواشنطن وحرقها للبيت الأبيض عام 1814.

والأمر اللافت للنظر في هجوم سبتمبر هو أن منفذيه لم يستخدموا أسلحة الدمار والقتل التقليدية الفتاكة المعروفة، وإنما كان سلاحهم مجرد تلك الأشياء البسيطة التي نستخدمها جميعا في حياتنا اليومية مثل سكاكين الجيب الصغيرة

والخيوط المجدولة، بالاضافة إلى الطائرات التي تستخدم لنقل الركاب. هذا ناهيك عن سلاحهم الأقوى، ألا وهو إيمانهم المطلق بثواب الشهادة في سبيل الحق، وهو الإيمان الذي كان الأمريكيون ينظرون إليه باعتباره من المعتقدات البدائية البالية. وقد ترتب على هذا الهجوم خسائر بشرية تفوق أى هجـوم إرهابي آخر تعرضـت له أية دولة، إذ بلغ عدد القتلى عشرة أضعاف من قتلوا في الجولة الأخيرة من الانتفاضة الفلسطينية/الإسرائيلية من كلا الجانبين. ولم يتكلف الهجوم سوى حياة تسعة عشر إرهابيًا وما يقرب من 500 ألف دولار، وكلف الأمريكيين بالمقابل خمسة ألف شخص من الخسائر البشرية وأكثر من مائة بليون دولار كخسائر مادية.

أى أن كل إرهابي أزهقت روحه قتل أمامه 263 أمريكيًا، وكل دولار أنفق على تنفيذ العملية أسفر عن خسائر قيمتها مائتى ألف دولار. وهكذا يتبين بجلاء أن مفهوم الأمن أصبح له معنى آخر.ومن هذه النقطة الأخيرة يقودنا الكاتب إلى استنتاج آخر يخلص إليه من تحليل حدث سبتمبر، وهو أن السياسة الخارجية الأمريكية منذ انتهاء الحرب الباردة لم تعد تخدم المصالح الأمريكية بالقـدر الكافى، فالأمن القومى يتطلب ما هو أكثر من نشـر القوات العسكرية والعمليات الاستخباراتية، بل يعتمد في المقام الأول على خلق بيئة دولية ملائمة لتحقيق المصالح الأمريكية، وهو الدور الذي تضطلع به عادة السياسة الخارجية.

وقد نجحت الولايات المتحدة في خلق هذه البيئة خلال النصف الأول من القرن العشرين، وترتب على ذلك شبه الإجماع العالمي عقب انتهاء الحرب الباردة  تبنى القيم الأمريكية ممثلة في الأمن الجماعى والديموقراطية والرأسمالية. ولكن هذا الإجماع ـ أو بالأحرى شبه الإجماع ـ تبخر وتلاشى تدريجيًا إبان سنوات النصف الثانى من القرن وبلغ أوجه خلال العقدين الأخيرين. وهذا الاستنتاج  يقودنا إلى ضرورة اتجاه صانعى السياسة الأمريكية إلى تحديد ماهية مدخلات السياسة الخارجية التي يتعين عليهم تغييرها.

وينتهي الفصل الأول من الكتاب بالإجابة على تساؤل المؤلف حول ما إذا كانت أحداث سبتمبر ستؤدى بالفعل إلى تعديل السياسات الأمريكية وتوجيهها نحو المسارات التي تخدم المصالح الأمريكية. ويجيب على هذا التساؤل بالقول أن الأمر أصعب مما يتصور البعض. فبرغم أن حدث سبتمبر أدى إلى تكوين تحالف عالمى ضم روسيا والاتحاد الأوربى والصين واليابان، وربما باكستان وإيران أيضًا إلى جانب الولايات المتحدة بالطبع، إلا إن سطوة الإرهاب تتحدى سلطة أية دولة وأية قوة.

فكل الدول لديها طائرات تحلق في الجو وأصبح كل ما يقع أسفل هذه الطائرات من ممتلكات وأفراد عرضة للخطر. والحفاظ على قوة دفع التحالف العالمي المواجه للإرهاب والإبقاء عليه يستلزم من الولايات المتحدة بذل جهود مكثفة والإدراك الواعى لأهمية وجود اختلافات، في السياسات وفي التوجهات، بين دول هذا التحالف –  تمامًا مثلما فعلت مع تحالف الناتو الذي قادته بنجاح لمواجهة تهديد الاتحاد السوفييتى إبان الحرب الباردة ـ بمعنى إنه يتعين على الولايات المتحدة أن تتخلى كلية عن سياسة الانفراد بزعامة العالم وتوجيه الجميع لخدمة مصالحها الخاصة دونما اعتبار لمصالح الآخرين.

ولا بد أن يفرز الإحساس باليأس والإحباط من النظم القمعية في العالم الإسلامي، وفي الداخل والشعور بالعجز والخذلان في مواجهة العدو الصهيونى نزعة جديدة من التضامن الإسلامي ومزيد من التطرف في مواجهة الغرب.  ولم تنبع مظاهر هذا التحول الحاسم من داخل الوطن العربي ذاته وإنما بدأت بقوة وزخم عقب نجاح الثورة الإيرانية عام 1979، إذ أدى نجاح هذه الثورة إلى بث الحياة من جديد في تلك الرغبة العارمة، المكبوتة منذ أمد طويل، لتكوين دولةإسلامية حقيقية.

وكذلك أدت الحرب الإيرانية العراقية التي دامت أكثر من ثمانى سنوات إلى ترسيخ فكرة الشهادة دفاعًا عن الإسلام  المتأصلة في المذهب الشيعى، حيث صور النزاع بين البلدين على إنه صراع بين الحق والباطل. وهكذا انتقلت فكرة الشهادة من أجل الدين ودفاعًا عن الحق إلى شباب حزب الله والشباب الفلسطينيين الذين قاموا بالعديد من عمليات التفجير الانتحارية.  وسرعان ما انتشر التطرف الإسلامي في أجزاء عديدة من الدول الإسلامية المجاورة، وظهر ذلك جليا من خلال أحداث مثل: اغتيال الســادات عام 1980، والانتفاضة التي حدثت في مكة.

وخلال السنوات التي أعقبت الغزو السوفيتى لأفغانستان، كانت المساعدات السعودية الرسمية والتبرعات الخاصة تنهال على المجاهدين المسلمين الذين يقاتلون قوى الكفر والإلحاد، هذا بالإضافة بالطبع إلى عمليات التدريب العسكرى السرية التي تقدمها الولايات المتحدة، والدعم اللوجيستي الذي قدمته باكسـتان، بينما كانت المعاهد الدينية ذات التوجه الوهابى في بيشاور تخرج الفقهاء والمقاتلين الورعين الذين يتدفقون في شكل بعثات تبشيرية عبر ممر خيبر.

ويؤكد الكتاب أنه قد قدم الشاب المتحمس ذو الشخصية الكاريزمية بن لادن إلى أفغانستان في ظل هذه البيئة المترعة بنزعة الانبعاث الإسلامي. وسرعان ما ذاع صيته وارتفع نجمه بعد ذلك الدعم المادى والسياسي الذي لقيه من عديد من الجهات، ونجح في أن يجمع حوله كوكبة من الأفغان العرب الذين يتفقون معه في الفكر والتوجه الدينى. وقد وضع هو وأقرانه، انطلاقًا من مقر قيادته في أفغانستان، خطة لإنشاء الدولة الإسلامية العالمية واستخدام كل الوسائل الممكنة لتحقيق هذا الهدف، بما فيها العنف إذا لزم الأمر. غير أنه رجع إلى السعودية بعد فشل فصيل حكمتيار، الذي كان يلقى دعمًا كبيرًا من بن لادنفي تولى السلطة في أعقاب خروج السوفييت، ثم انتقل بعد ذلك إلى السودان حينما انتقلت السلطة إلى النظام الإسلامي المتطرف.

كما كانت حرب الخليج بمثابة نقطة تحول رئيسية بالنسبة لبن لادن، إذ أنه عارض شن حرب ضد العراق  حينما احتل صدام الكويت، لكنه أجبر على تخفيف حدة معارضته من قبل السلطات السعودية التي اعتبرته مصدرًا للإزعاج والحرج. غير أن اعتراضه على التدخل الأمريكي تحول إلى عداء سافر مع وصول القوات الأمريكية وتمركزها فوق الأراضى السعودية، إذ كان يرى أن تمركز هذه القوات العسكرية غير المسلمة يتعارض مع تعاليم المذهب الوهابى.

واستغل بن لادن روح الكراهية السائدة تجاه السياسة الأمريكية بعد انتهاء حرب الخليج التي بات جليًا أن الولايات المتحدة جندت كل دول التحالف لها من أجل خدمة مصالحها الخاصة وضمان استمرار الحصول على النفط وليس دفاعًا عن المبادئ أو لمجرد تحرير الكويت، خاصة مع مواصلة تأييدها لاحتلال إسرائيل للأراضى الفلسطينية.

وتحت وطأة الضغط الأمريكي على السلطات السعودية اضطرت الأخيرة إلى سحب جواز سفر بن لادن وتجميد أمواله. وتم طرده من السودان بعد ذلك بعامين، أيضًا بضغط من واشنطن، فاضطر إلى التوجه من جديد إلى أفغانستان التي وفرت له الملاذ الآمن خاصة بعد تولى طالبان زمام الأمور عام 1996، والتي كانت بمثابة نسخة أخرى من تنظيم القاعدة لأن حملة الدعاية الوهابية التي أشرفت عليها السعودية على مدى عقدين كانت العامل الأساسي وراء ظهور حركة طالبان المتشددة التي تولت زمام الأمور في أفغانستان بعد ذلك.

وكانت المؤسسة السعودية قد نجحـت خلال عقدى الثمانينات والتسعينات في بناء شبكة قوية تنمو باطراد وتعمل بجهد على تغيير صورة الإسلام في قرى ومدن العالم الإسلامي، وذلك منخلال الأعمال الخيرية وتمويل بناء المساجد التي تقدم الخدمات الصحية والتعليمية للمجتمع في دول مثل الفليبين وإندونيسيا ودول إفريقيا جنوب الصحراء ووسط آسيا، وتقديم المنح الدراسية والتعليمية للفقراء لدراسة الفقه الإسلامي وتعاليم المذهب الوهابى وتسهيل سفر الحجيج من الدول الإسلامية الآسيوية والإفريقية الفقيرة لأداء فريضة الحج.

ولكن، ودونما قصد من مخططيها، تحولت شبكة الدعوة الإسلامية تلك إلى تربة خصبة لتفريخ العناصر الشابة المؤيدة لبن لادن وأفكاره. وكانت حركة طالبان أحد النماذج التي تفرعت عن هذه الشبكة، حيث جسد النظام الذي أقامته في أفغانستان الأفكار الوهابية في صورتها الجديدة بكل ما تنطوى عليه من حماسة متقدة لإنشاء دولة إسلامية عالمية. وقد أدت سياسات هذه الحركة المتطرفة من قمع للنساء وحرمانهن من التعليم وفرض الحجاب وتغطية الوجه بالكامل وعدم التسامح مع معتنقى المذهب الشيعى إلى طمس أبسط رموز أو مظاهر الحضارة الحديثة.

وقد أصدر بن لادن لدى وصوله إلى أفغانستان  فتوى دعا فيها كل المسلمين إلى قتل الأمريكيين باعتبار ذلك فرضًا دينيًا. وكان تفجير السفارتين الأمريكيتين في كل من دار السلام ونيروبى أولى المحاولات التي قام بها لكى يطابق فعله قوله. وقد حدث ذلك في ذات الوقت الذي اندمجت فيه قيادته مع حركة الجهاد الإسلامي المصرية التي كان يتزعمها أيمن الظواهرى. وكان لنجاة بن لادن من قصف الطـائرات الأمريكية لمخبئه في أفغانستان أثر كبير في ارتفاع أسهمه بين أتباعه الذين اعتبروا ذلك تأييدًا من الله له ولقضيتهم.  ومن ثم رأوا أن تخطيطهم وتنفيذهم لعملية ضرب أكبر رموز القوة المادية والعسكرية الأمريكية سيؤدى إلى خضوع أعداء الله، وأن الله سينصرهم كما نصر نبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) على كفار مكة ورموز قوتها.

* حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

 

اخر المقالات