سلاح ورقة الإرهاب بقلم ـ د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب

سلاح ورقة الإرهاب بقلم ـ د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب

7242ee35-350a-4b00-ab2d-0c201d3cadb7.pngسلاح ورقة الإرهاب

بقلم ـ د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب
أستاذ بجامعة أم القرى بمكة

تحول أوباما عن محاربة الإرهاب في عهد بوش الابن الذي كلف الولايات المتحدة في بعض التقديرات وصلت إلى تريليوني دولار هذا عدا عن أعداد القتلى التي مني بها الجيش الأمريكي في حروب خارجية ليست دفاعا عن الوطن وهي حروب بعيدة عن أراضي الوطن .
استخدم أوباما استراتيجية أخرى وجديدة في محاربة الإرهاب ولكن هذه المرة باستخدام الإرهاب ورقة وسلاح لمحاربة الإرهاب نفسه من دون التدخل عسكريا على الأرض مثلما كان سائدا في عهد بوش.
جاء احتلال داعش مدن مهمة في العراق خصوصا الموصل وتكريت وسهل نينوي وأصبح على مشارف أربيل حتى أخذ الغرور لجماعة داعش وأتباعها بأنه حان الوقت للإعلان عن دولة الخلافة الإسلامية الحلم الذي يراود كثير من أصحاب التيارات والجماعات الإسلامية ، وستمتد داعش في كافة المنطقة العربية وستطال المنطقة الأوربية القريبة من المنطقة العربية على غرار الفتوحات الإسلامية مما يدلل على قراءتها المتواضعة للمشهد السياسي.
هناك رسائل عديدة أراد أوباما أن يرسلها للمنطقة ،وهي أن الإرهاب السني هو أخطر من الإرهاب الإسرائيلي في غزة ، وأخطر من الإرهاب الشيعي ومن إرهاب الإخوان وهي رسالة خاصة موجهة للسعودية بشكل خاص التي تتزعم العالم الإسلامي وعليها أن تغير مواقفها المتصلبة حول العديد من القضايا الإقليمية لأن

الولايات المتحدة أرادت استخدام الإخوان ورقة في محاربة الإرهاب ولكن وقفت السعودية حائلا أمام استخدام هذه الورقة وفهمت السعودية المشهد بشكل آخر بأن الولايات المتحدة ستستخدم محور الإخوان الذي يمكن أن يلتقيا بمحور إيران ويحاصران السعودية لتقليص أهمية دورها هي ومصر .
وثانيا يريد أوباما أن يهدد الشيعة الذين هم الآخرون أخذهم الغرور بعد تسليم بوش الابن العراق لإيران، وسلمت إيران السلطة للشيعة العرب في العراق ،ولكن اشترطت أن تظل العراق ذات تبعية كاملة لإيران ،وأن تكون القيادة الحقيقية لإيران ، وبالفعل كان الحاكم الفعلي للعراق قاسم سليماني وليس المالكي وكل السياسات الخاطئة تحملها المالكي رغم أن القرار ليس بيديه ، والتي استمرت في إقصاء بقية المكونات في العراق من سنة وكرد.
كما أن الغرب ترك الإرهاب يتمدد في منطقة الشرق الأوسط ، وجاءت انتصاراتها التي ألهبت حماس جميع المتطرفين في جميع أنحاء العالم مما أمكن حصر أسماؤهم أو سمح لهم  بأن ينضموا إلى القتال مع داعش في منطقة الشرق الأوسط ما يجعلهم تحت طائلة المحاسبة والمراقبة بعد عودتهم بينما بعدما كانوا خلايا نائمة وغير معروفة أو لا يمكن الوصول إليهم.
أي أن أوباما استخدم سلاح الإرهاب ورقة لتأديب المنطقة وورقة لحصر الإرهاب في العالم المتقدم ، وإرسال عدة رسائل للجميع من دون أن يكلف الولايات المتحدة بتدخل عسكري ميداني واسع ، أو تحميل الولايات المتحدة تكاليف باهظة في محاربة الإرهاب كما كان من قبل .
 والدليل على ذلك حينما دخلت داعش الموصل دخلت بآلاف السيارات من طراز واحد وهي ليست نتيجة صفقات فردية أو تهريب بل هي نتيجة صفقات استخباراتية كبيرة وسمح لهم أوباما بالتدريب في سوريا بعدما جعلها بيئة مهيئة لهم للتدريب بعد امتناعه عن دعم الجيش السوري الحر بأسلحة نوعية ،واستمر فترة طويلة يراوغ حول تسليح الجيش السوري الحر ،وفي نفس الوقت لم يسمح للنظام السوري أن تفوق قوته قوة الجيش السوري الحر ،بحيث تبقى المعادلة متكافئة دون انتصار طرف على طرف ،والدماء التي تسيل ليست ذات أهمية في صلب استراتيجية أوباما ( وهذه المادة جيدة للذين يؤمنون بنظرية المؤامرة).
ورقة الإرهاب التي تركها أوباما تتمدد والتي حققت له تحولا كبيرا في العراق، وأجبرت المرجعية الشيعية العراقية على قيادة مرحلة تغيير في رئيس الوزراء العراقي ،واختيار العبادي بدلا عن المالكي ،ووافقت إيران مكرهة على هذا التغيير ، وستستمر ورقة الإرهاب ورقة تهديد حتى تتمكن الحكومة الجديدة بقيادة العبادي من تشكيل حكومة وحدة وطنية يشارك فيها الجميع بمنأى عن القرار الإيراني كما كان سابقا ، ولم يعد هناك تعاون أميركي إيراني في العراق كما كان سابقا عندما ضغطت إيران على الولايات المتحدة في إبقاء المالكي لولاية ثانية.
هدف أوباما أن تتعاون السعودية وإيران في حل مشكلات المنطقة وعلى الأخص الأزمة السورية بدلا من إصرار السعودية على أن يكون الحل وفق جنيف 1 وإصرار إيران أن يكون الحل وفي جنيف 2 وأن يبحثا عن صيغة توافقية بدلا من استمرار الصراع الذي يهدد دولهم .
 لأن لدى أوباما مهمات أكبر وأولويات أكثر أهمية من مشاكل الشرق الأوسط من أجل أن يتجه إلى تنشيط الاقتصاد الأمريكي لمواجهة المارد الصيني ،حتى لا تضيع الفرص ويضيع الوقت.
تلك الاستراتيجية التي اتبعها أوباما واجه معارضة شديدة داخل الولايات المتحدة ضد الاستمرار بالنأي عن النفس لأمد أطول حتى لا ينهار الشرق الأوسط وحينها تصبح المعالجات عصية على الحل.
تلك الضغوط على أوباما كانت من قبل جون ماكين الذي اتهم أوباما بأنه لا يملك استراتيجية محددة لمكافحة الإرهاب ، ومن قبل هيلاري كلينتون المرشحة للرئاسة المقبلة التي حملت أوباما مسؤولية ترك الفراغ في سوريا والذي ملأه الجهاديون .
عندها افق مجلس الأمن بالإجماع على مواجهة داعش وجبهة النصرة بناء على البند السابع ، ولكن تلك الموافقة تراهن على  جهود دول خصوصا بعدما تلقي مجلس المن دعما ماليا سعوديا لمواجهة الإرهاب وهي رسالة سعودية لمجلس الأمن بان دور مجلس الأمن غائب.
وأيا يكن قرار مجلس الأمن ،فإن عينه على دول الجوار للعراق وسوريا يقصد بتلك الدول السعودية وإيران وتركيا ومصر وهي الدول الأساسية في المنطقة والتي يمكن أن تقود المرحلة تحت رعاية ودعم المجتمع الدولي.
بالتزامن مع قرار مجلس الأمن تدخلت الولايات المتحدة بالضربات الجوية بعدما فوجئت الولايات المتحدة بتمدد دولة داعش التي خالفت السياسات التي رسمتها له ، مما ينفي تباكي وسائل الإعلام الأمريكية على الأقليات في شمال العراق ، مما يؤكد زيف تلك الادعاءات ، لأن هناك أقليات أخرى في سوريا تركوا لمصيرهم المحتوم.
قدمت السعودية دعما لمكافحة التطرف عالميا ، ودعا خادم الحرمين الشريفين إلى إنشاء مركز لمكافحة التطرف سبق أن دعا له قبل أكثر من عشرة أعوام ، ولكن الدول الكبرى لم تستجب لمثل تلك الدعوة من أجل البحث عن سبل تجفيف منابع الإرهاب وقطع دابره.
لكن الأهم في مواجهة الإرهاب مواجهة الأفكار التي تدعو إلى نمو ظاهرة التطرف في طور نشأتها ، وأثناء تطورها ، وتحديد الآليات الفكرية التي تدحضها بعد استشراف الخطر المستقبلي لهذا التطرف لتصحيح المسار الخاطئ .
لذلك وجه خادم الحرمين كلمته للداخل إلى علماء السعودية وإلى علماء العالم الإسلامي بتحمل مسؤوليتهم في مواجهة فكر التطرف وفق منظور الإسلام.
منشأ التطرف عادة يبدأ كردة فعل على السياسات الخاطئة سواء المحلية أو العالمية، مثلما يدور في سوريا وفي العراق التي تتحول مثل تلك الدول إلى بيئات تفريخ للإرهاب وللإرهابيين بعد تنامي الغضب والكراهية على ما يدور.
 فترسو سفينة الجهاديين عند مرفأ الإيمان والأديان والمذاهب والأصوليات بوصفه المطلق الوحيد لديهم يمكن أن ينجيهم مما هم فيه من غضب وكراهية مثلما يلجأ الإنسان عند العاصفة إلى أقرب مرفأ، ومرفأهم الدين للبحث فيه عن انقاذهم بأقصر وأسرع الطرق.
فلا يكفي مواجهة الإرهاب أمنيا ،بل يجب مواجهة الإرهاب كفكر مجرد لتوجيه الغضب نحو الوجهة الصحيحة يتولاها العلماء ، وليس ممن ليسوا أهلا لمواجهة مثل تلك الأزمات التي تفوق قدراتهم ،وقد حذرنا الله كيفية التعامل مع فقه الأزمات ،ويجب عدم ترك المعالجة لكل أحد ،لأنها مسائل أمنية تخص مجتمع بأكمله من الخطورة ترك هذا الأمن لأفراد وجماعات ( وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم لاتبعتم الشيطان إلا قليلا ).
 وينبه الله سبحانه وتعالى بأن هناك جماعات استخباراتية يمكن أن تقود جماعات مؤمنة فيها طيش وخفة يحققون لها أجندات على أيديهم لإرباك الأمن الإسلامي وتفكيكه على يد جماعات من المسلمين لا يقدرون حقيقة أمن الأمة بحجج الجهاد في سبيل الله أو الاستجابة  في نصرة المظلومين، والتي هي من مسائل الحرب وأسرارها لا يمكن أن تدرك حقيقتها ومفاهيمها ،لذلك نهى الله سبحانه وتعالى في الآية أن ينشغل العامة في السياسة ،فإنه يضرها ولا ينفعها ،وسبب أساسي في تفريخ ظاهرة الإرهاب الذي يضر الأمة والدولة .
             Dr_mahboob1@hotmail.com

اخر المقالات