ردع الإرهاب إستخباريا

ردع الإرهاب إستخباريا

 

نظرية مكافحة الارهابردع الإرهاب إستخباريا

إجرائات مكافحة الإرهاب

احتلت إجرائات مكافحة الإرهاب إهتماما واسعا على مستوى الحكومات والمنظمات الدولية والاعلام. وأهم أنواع الإرهاب كان إرهاب القنابل البشرية الموقوته والسيارات المفخخة. لقد أنتشرت ثقافة التطرف الأسلامي “الجهادي” في اعقاب احداث 11 سبتمبر 2001، لتتحول القاعدة الى شبكة عمل واسعة وايدلوحية يمكن للشباب ركوبها في اي وقت، ليكون الإرهاب كامنا، يتحرك من خلال وسائل التأثير الخارجية. يعتبر الأنترنيت والمواقع الجهادية أولى العوامل ألمؤثرة لتحويل الارهاب من الحالة الكامنة ليتحرك على الارض.

الانترنيت والمواقع ” ألجهادية ” تمنح الفرص الى معرفة التفخيخ وصنع المتفجرات ووسائل الاتصالات السرية. وتقع هذه المسؤولية على المجتمع الدولي والحكومات وكذلك الاسرة والمدرسة وتشترك جميعها بتحمل هذه المسؤولية. المشكل ان الكثير من الدول تنظر الى الارهاب بصورته المتحركة على الارض، اي بعد وقوع الحدث وهذا مايمثل تهديدا اخطر للامن. ولا تنظر الحكومات له، على انه ارهابا كامنا و معرفة أسبابه ومسبباته  وإتخاذ الأجراءات الوقائية، أي إحباط الإرهاب في مكامنه.

معالجة الارهاب

معالجة الارهاب او مواجهة الارهاب تمتد بين المعالجات السريعة المتمثلة بالعمل العسكري، العمليات العسكرية الواسعة سواء كانت ضربات إستباقية او مسح لجغرافية الارهاب والتطرف وهدم معسكرات التدريب. لكن يبقى المعنيون في مكافحة الارهاب ينظرون الى المستقبل البعيد التي توصي باعتماد مجموعة سياسات متكاملة ضمن الامن القومي، تقع في داخلها سيطرة الحكومة والدولة على أمنها ومواردها الطبيعية والبشرية، باعتماد خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية والقضاء على البطالة، هي حزمة إجرائات لايمكن الفصل مابينها ابدا.
إن العمل الإستخباري في مواجهة الارهاب يحتل الأولية اكثرمن العمل العسكري والتسلح. فألبحث والتحري عن التنظيمات الإرهابية يعتبر اول الخطوات، وتعتبر المصادر البشرية التقليدية في جمع المعلومات اكثر اهمية إلى جانب المصادر الفنية. نظريات الإستخبار تؤكد، بأن ما تعجز عنه المصادر الفنية تستطيع تحقيقه المصادر البشرية. فرغم التطور التكنلوجي الفني في تقنيات التجسس ومكافحة التجسس والإرهاب،  لكن مع ذلك فأن أكثر الدول تقدما في تقنية ألاستخبار مثل الولايات المتحدة وروسيا لا تستطيع التخلي عن مصادرها البشرية، رغم وجود برامج تقنية  ووكالة ناسا وسباق تسلح وحرب النجوم وغيرها من وسائل التجسس الفني، فكانت هنالك صفقات تبادل الجواسيس لتعيد الحرب الباردة من جديد.

ابرز الأجراءات الإستخبارية الواجب اتخاذها:

•    قاعدة المعلومات: اي ايجاد معلومات حول الاشخاص والتنظيم، والبيانات، التي تعتبر معلومات اساسية واجب جمعها قبل البدء بوضع اي خطط مع ضرورة تحديثها. وهي ابجدية العمل الاستخباري.
•    مصادر التمويل
•    مصادر التطوع
•    معسكرات التدريب
•    مصادر التسلح
•    مرجعياتها السياسية والدينية
•    طرق الاتصالات
•    قياداتها وخلفياتهم الأجتماعية والسياسية

بعد ذلك يتم وضع دراسة او الخطة لمتابعة التنظيم، بضمنها التهديدات المحتملة والنوايا لذلك التنظيم.

إن العمل الاستخباري يبدأ في الخبر ثم المعلومة وجمع المعلومات عن الهدف، اي ان يكون منشأة او شخصية او معلومات ـ المعلومة ذاتها ممكن ان تكون هدف ـ وفي كل هدف هنالك نقاط قوة ونقاط ضعف يمكن للمؤسسات الأستخبارية الأستفادة منها، ومن بين الجهود هو إيجاد مصادر معلومات قريبة من الهدف، اشخاص او منشات او معلومات. فالعمل الإستخباري يقوم على استثمار نقاط الضعف واحياتا التوريط .

إعتراض مراسلات التنظيمات

إن ابرز وسائل جمع المعلومات واخطرها عن التنظيمات الارهابية هي اعتراض المكالمات والاتصالات الفنية والمراسلات التحريرية بين التنظيم وقياداته وكذلك ماتحصل عليه الاجهزة الاستخبارية من عمليات تعرضية الى معسكرات ومقرات التنظيمات. فالضربات الأستباقية التي تحمل عنصر المفاجأة تمكن الاستخبارات من الحصول على وثائق ومراسلات داخل تلك المقرات وهذا ماحصل في ” وثائق سنجار السوداء” التي حصل عليها الجيش الاميركي في العراق عند اشتداد المواجهة مع القاعدة 2005 وكذلك ماحصلت عليها الولايات المتحدة من اسرار في مقر سكن بن لادن مايس 2011 وفي مقر مقتل ابو ايوب المصري والبغدادي في بغداد 2010. مثل هذه الوثائق ممكن تصنيفها بأنها تحمل درجة عالية من الصحة يمكن العمل عليها بشكل مضاد في مكافحة الارهاب.

إختراق التنظيم

رغم ماكشف عنه “سنودن” المتعاقد مع وكالة ناسا ـ وكالة الإمن القومي الأميركية من وسائل تجسس عبر الانترنيت ووكالة ناسا، يبقى المصدر البشري، عنصر هاما في الحصول على المعلومات وابرزها هو تحقيق الأختراق داخل تلك التنظيمات، وغالبا مايكونوا من المعتقليين لدى الاجهزة الأستخبارية او المتورطين باعمال ارهابية يحاسب عليها القانون.
الساحة الجهادية” في سوريا شهدت الكثير من الاختراقات على سبيل المثال من قبل نظام بشار الاسد باتجاه تنظيم القاعدة وجند الشام. النظام السوري كان يمسك بالعديد من قيادات التنظيم داخل معتقلاته وفي الوقت نفسه كان يصدر العمليات الارهابية الى العراق خاصة مابين عام 2003 ـ 3006 وما بعدها حتى عام 2011، تاريخ اندلاع” الثورة ” السورية. فأول عمل قام به النظام هو إطلاق سراح بعض قيادات القاعدة في سوريا، من اجل ايجاد وتحقيق إنحراف في مسار تلك التنظيمات اكثر من الحصول على المعلومات. لذا استطاع النظام السوري من الحصول على كم من المعلومات حول التنظيمات الجهادية وخاصة المقاتليين الأجانب ساعدته بالتفاوض سرا مع الولايات المتحدة واوربا ودول اخرى مستغلا هاجس الغرب من عودة ” الجهاديين” وتلويح النظام بالمعلومات التي يمتلكها حول التنظيمات الجهادية والمقاتلين الاجانب للتوصل الى الاتفاق الاميركي الروسي حول الترسانة الكيميائية في سبتمبر 2013. لتؤكد بأن الأختراق البشري يعتبر احد العوامل المهمة ان لم يكن إستراتيجية وربما هي الورقة التي انقذت الاسد.

تحليل المعلومات

إن الحصول على المعلومات وكم من الاخبار لوحدها تكون عديمة الفائدة إن لم تخضع للتدقيق والتحليل ثم التوظيف، اي تحويلها الى الدوائر العليا المعنية في صنع القرا، لتعطي صورة واضحة عن التنظيمات الارهابية وان كانت سلبية، من اجل وضع الخطط لتلك التهديدات والنوايا.

التقييم

إن عمليات جمع المعلومات ووضع الخطط يجب ان تخضع للتقييم والمراجعة على الاقل كل ستة اشهر في الحالات المستقرة، لمعرفة النتائج المتحققة من هذه العمليات بالتوازي مع الكلف، اي الكلف المادية والبشرية وان كانت فعلا تستحق تلك الخسائر. وبدون شك اي اخفاق يجب ان يتم تبديل المسؤوليين عن تنفيذ تلك الخطط لتلافي المزيد من الخسائر، بشرط ان يتجاوز البديل الأخفاقات السابقة.

تجفيف مصادر التمويل

يعتبر التمويل اساس عمل الجماعات المسلحة، بعض النظريات تقول”إنعدام التمويل يعني إيقاف الإرهاب” وهذا يعني مراقبة الى عمليات غسيل الاموال من خلال البنوك والمصارف وشركات الصيرفة وبعض شركات الاستيراد والتصدير لغسيل الاموال بطريق المقايضة. أما اذا كانت مصادر التمويل حكومة دول اقليمية او دولية، فيجدر متابعة البيانات وتوثيق حركة الاموال لمواجهة تلك الدول، على مستوى فرق عمل فنية او عبر القنوات الدبلوماسية، أو التدويل .

ألتوصيات

ألتوصيات الإستخبارية توصي بضرورة شد القبضة على التنظيمات الارهابية وعدم التفاوض والتراخي معها لانها تعطي فرصة الى تلك التنظيمات للأستقواء على سلطة الدولة والحكومة. لكن في نفس الوقت توصي بضرورة عدم استخدام العنف ضد الحاضن التي توجد بها تلك التنظيمات اي السكان والمجتمعات لان ذلك يخلق خصوم جديدة، مثل إعتقال الابرياء او النساء او كبار السن او عمليات المداهمة العشوائية. لذا يتطلب من رجال الامن والأستخبارات الاعتدال بالسلوك عند تواجدهم في حواضن الأرهاب.

التوصيات تشير أحيانا إلى خيار تغيير مسار التنظيمات “ألجهادية ” بدل المواجهة العسكرية المباشرة، وهذا ما تعمله الولايات المتحدة مع بعض التنظيمات المتطرفة في أماكن النزاع ابرزها حركة طالبان، التي تحاول الولايات المتحدة من تحويلها من حركة ارهابية الى تنظيم سياسي. والخيار الأخر للحكومات ،هو الفصل بين الكتل داخل تلك التنظيمات، اي اتباع سياسة التحييد والعزل، وهذا ماقامت به وكالة الإستخبارات الأميركية بالفصل مابين طالبان والقاعدة في أفغانستان. هذه السياسات أي التحييد والعزل وتغيير المسارات لايمكن القيام بها بدون قاعدة معلومات عن تلك التنظيمات وبدون فتح قنوات مع الكتل او الاشخاص الأقل تطرفا من اجل خلق حالات إنشقاق داخل تلك التنظيمات او الجماعات المسلحة. ولايمكن للحكومات القيام بذلك دون سياسة قبضة الأمن الشديدة والرد الفوري وعدم إظهار اي ضعف او تراخي.

المواجهة الفكرية

إن التنظيمات ألجهادية تقوم أساسا على “العقيدة ألجهادية” اوالأيدلوجية في كسب المقاتليين وتبرير عملياتها التي تقوم في الغالب على أستثمار الصور المروعة في أماكن النزاع من خلال اعلاميات جهادية مرئية ومسموعة، لذا يتطلب مواجهاها فكريا ايضا، بالحجة، من خلال التعاون مع مشايخ الوسطية، واعداد وتأهيل معنيين في الشريعة والفقه، تقوم بزيارة بعض المعتقليين المتورطين في عمليات إرهابية، وعرضها على الجمهور، كذلك اتباع الطرق الإستخبارية في إخضاع من تم اطلاق سراحه من المعتقلات للمراقبة مع توفير المساعدة له في إعادة التاهيل مهنيا واجتماعيا، ألمواجهة الفكرية ربما تأتي بنتائج إيجابية أكثر من المواجهة العسكرية مع تقليل نسبة خلق الخصوم المحتملة في أعقاب اي عملية في المجتمعات الحاضنة للأرهاب.
جاسم محمد،  باحث في مكافحة الإرهاب والأستخبار
المصدر رؤية

اخر المقالات