دراسة بريطانية: الجهاديون البريطانيون على صلة بمنظمات إسلامية غير متطرفة

دراسة بريطانية: الجهاديون البريطانيون على صلة بمنظمات إسلامية غير متطرفة

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

معهد توني بلير: منظمات إسلامية غير متطرفة معبر نحو الجهادية

العرب اللندنية ـ  خلصت دراسة أجراها معهد توني بلير لتغيير العالم إلى أنه ليس هناك فرق بين جماعات إسلامية غير متطرفة وجماعات متطرفة، بل بالعكس كشف عمل معمق على عينة تشمل 131 بريطانيا وبريطانية ممن تم تصنيفهم على أنهم جهاديون، أن الرحلة نحو التطرف تبدأ من تلك المنظمات الإسلامية غير المتطرفة.

وتتولى هذه المنظمات عملية الاستقطاب المستقبل وتحضير الأرضية لجهاديي المستقبل. وتظهر الدراسة أن الغالبية العظمى من الجهاديين موضع البحث تحوّلوا لممارسة الجهاد بعد اعتناقهم للأيديولوجيات الإسلامية غير المتطرفة أو لهم ارتباط بتنظيمات وكيانات ليست بالضرورة سياسية نشطة لكنها تنحدر من ذراع فاعلة لتنظيمات إسلامية.

بدأت بريطانيا في السنوات الثلاث الأخيرة تتبع استراتيجيات أكثر وضوحا مع الجماعات الإسلامية، التي كانت بريطانيا، نفسها، أحد الأطراف التي سهلت ظهورها واستقواءها تحت شعارات حقوقية.

لكن، تدفع بريطانيا اليوم، وكما تقول راشيل بريسون الباحثة في معهد توني بلير لتغيير العالم، ثمن تلك السياسة وثمن “التسامح” مع المتشددين الذين رفضتهم بلدانهم بسبب أفكارهم المتطرفة.

أثرت تلك الجماعات بشكل كبير في الكثيرين من البريطانيين، لدرجة أن اجتذب الصراع في سوريا وحده أكثر من 800 مجاهد بريطاني. وأصبحت السيادة البريطانية للمشهد المتطرف شيئا مسلما به، وفق راشيل بريسون التي قادت دراسة صدرت مؤخرا عن معهد توني بلير لتغيير العالم، تبحث في كيفية انضمام الجهاديين البريطانيين للحركات الجهادية الدولية.

وتأتي هذه الدراسة ضمن توجه جديد نحو فهم ظاهرة انتشار التطرف في المجتمع البريطاني. ويعد التحقيق الذي أشرف عليه السير جون جينكينز، حول تنظيم الإخوان المسلمين، الأشهر في سياق المراجعات البريطانية للحركات الإسلامية، خلص إلى أن جماعة الإخوان نقطة عبور لبعض الأفراد والجماعات إلى الإرهاب.

ويستمد هذا التقرير أهميته من كونه تقريرا رسميا أقرته الحكومة البريطانية في ديسمبر 2015. ويمكن اعتبار الدراسة التي أشرف عليها معهد توني بلير لتغير العالم استكمالا لما جاء في ذلك التحقيق من حيث شمولية البحث وتفرعه. وتناولت الدراسة بالبحث عينة مكونة من 113 جهاديا و18 جهادية من المواطنين البريطانيين.

وانتهت إلى خلاصة مفادها أن الحركة الجهادية في بريطانيا نشأت أساسا عن حركات إسلامية غير متطرفة.حملت الدراسة عنوان “لأجل الخليفة والوطن: كيف ينضم الجهاديون البريطانيون للحركات الجهادية الدولية”، والجزء الأول من العنوان يحيل إلي شعار “لأجل الملك والوطن”، وهو الشعار الذي يردده الجنود البريطانيون في مناسبات كثيرة، وخصوصا في حالة الحرب.

تأتي نتائج هذه الدراسة متوافقة مع دراسة أخرى صدرت العام 2016 عن مركز الدين والجغرافيا السياسية. توصلت تلك الدراسة إلى أن واحدا من كل أربعة من أصل 100 جهادي ممن خضعوا للدراسة على صلة وثيقة بجماعة الإخوان المسلمين أو جماعات تابعة لها.

وأثبتت تلك الدراسة أن “أكثر من نصف عينة الجهاديين مرتبطين في السابق بمجموعات إسلامية تدعي أنها غير متطرفة، بما في ذلك “المنظمـات التي ليست بالضرورة ناشطة سياسيا، ولكنها تشكل ذراع عمل للجماعات الإسلامية القائمة، مثل حركات الشباب ورابطات الطلاب وتجمعات أخرى”.

وركزت دراسة مركز الدين والجغرافيا السياسية، أساسا على تحليل شخصية إبراهيم عواد إبراهيم البدري، ذلك الجهادي العراقي الغامض من سامراء الذي قضى شبابه في التعليم الديني وألقى بنفسه في أحضان كتابات الإخوان المسلمين وقادته التفاعلات الشخصية والعلاقات التي كوّنها في رحلته إلى تنظيم القاعدة في العراق إلى الشهرة العالمية بصفته زعيما لأحد أكثر التنظيمات الجهادية وحشية في العالم، وليصبح أبوبكر البغدادي زعيم تنظيم الدولة الإسلامية.

وخلصت إلى أن علاقات الفرد بالمنظمات الإسلامية غير المتطرفة يمكن أن تؤدي في النهاية إلى تحويل مساره نحو العنف والإرهاب؛ وهي النقطة التي انطلقت منها دراسة معهد توني بلير لتغير العالم في بحثها عن إجابات حول كيف أثرت الأيديولوجيا الدولية المتطرفة في الكثير ممن يعيشون في المملكة المتحدة.

وركزت الدراسة على البعد المحلي وما يتعلق بالجهاديين البريطانيين.تعرف الدراسة الجهاديين بأنهم الأشخاص الذين شاركوا في عمليات إرهابية، أو مؤيدون نشطون لهذه الهجمات، والبعض منهم يقوم بتسهيل القيام بهذا النشاط الجهادي.

واختارت الدراسة العينة بشكل عشوائي، وتبين أن أكثر من ثلاثة أرباعهم ارتبطوا بمنظمات إسلامية غير متطرفة قبل تحوّلهم إلى الجهاد. وتوجه العديد منهم نحو لتطرف من خلال العلاقات الشخصية، أو بعد مداومتهم على التواجد في المؤسسات الإسلامية، بما في ذلك المساجد التي تضم الدعاة الإسلاميين.

وبحسب ما أشارت إليه النتائج حضر ما لا يقل عن 17 بالمئة من عينة الدراسة محادثات دعاة إسلاميين في مسجد فينسبري بارك بشمال لندنحيث كان يتواجد أبوحمزة المصري، الإمام المتشدد الذي تم إيقافه في عام 2002، ولكنه استمر في إلقاء خطبه خارج بوابات المسجد، وأيضا كان الجهاديون يترددون على المكتبات الإسلامية أو الأسواق التي تبيع موادا إسلامية.

وتقول راشيل بريسون، المشرفة على الدراسة، “يبرر المتطرفون استخدامهم للعنف والتطرف من أجل تحقيق أهدافهم وأيديولوجياتهم. يؤمن مؤيدوهم بفرض سياسات الإسلام على الآخرين باعتباره قانوناً ليس له بديل. ويؤمنون أيضا بوحشية العقاب تجاه المرتدين. أما غالبية ضحاياهم فكانوا من المسلمين”.

ووقعت العديد من الهجمات الإرهابية بعد الاستماع إلى خطب ومواعظ أبي حمزة، بما في ذلك إحدى الهجمات التي حدثت في مترو أنفاق لندن في 7 يوليو 2005، والتي أسفرت عن مصرع 52 شخصا. وتقول الدراسة أيضا “كان الجهاديون في عينة الدراسة ذات صلة بالمكتبات الإسلامية أو الأسواق التي تبيع موادا إسلامية”.

رحلة البريطانيين نحو التطرف

تكشف الدراسة أن هناك ستة أشخاص لعبوا دورا محوريا في رحلة الإسلاميين البريطانيين نحو التطرف، وهم أبوحمزة المصري وعبدالله الفيصل وأبو قتادة الفلسطيني وعمر بكري محمد وأنجم تشودري وهاني السباعي.

أما على مستوى الأحداث التي شجعت هؤلاء الأشخاص بالإضافة إلى الجماعات الإسلامية، من ذلك جماعة الإخوان المسلمين، فهناك حدثان رئيسيان: الحرب الأفغانية والحرب في العراق وسوريا.

وتقول بريسون “مما لا يثير الدهشة أن أغلبية كبيرة من العينة التي اشتغلت عليها الدراسة، أن حوالي 64 بالمئة شاركت بشكل فعال في ثلاث حروب؛ وهي سوريا/العراق؛ باكستان/ أفغانستان؛ والصومال/كينيا. واستهدفت أقل من ربع العينة مناطق بعينها داخل بريطانيا”.

بالنسبة للجيل الذي ولد في السبعينات، ووصل سن الشباب في الثمانينات، كان الصراع الذي شهده هو الجهاد الأفغاني ضد الاتحاد السوفييتي. ومع انتهاء الحرب في أفغانستان، تحول المجاهدون إلى جهاديين، يمثلهم تنظيم القاعدة، واستوطنوا جبال قندهار وبدأوا في تطوير فكرة الجهاد العالمي.

في الأثناء بدأ يظهر جيل جديد يجمع بين أدبيات الإخوان وقواعد الحرب الجهادية كما تروج لها القاعدة. تطورت هذه الفكرة مع جيل الثمانينات الذي شهد أحداث 11 سبتمبر وما تلا ذلك من عمليات وردود فعل دولية.

بعد 2011، ومع تطور الصراع في العراق وسوريا، بدأ يظهر جيل من الإسلاميين في بريطانيا، متجاوزا الحدود المعروفة. ويأتي الصراع السوري، الذي شهد أكبر تجمع للمقاتلين الإسلاميين الأجانب، في المرتبة الثانية بعد الحرب الأفغانية غير أن عددا قليلا من أولئك الذين شاركوا في الحرب الأفغانية شاركوا في الحرب السورية، 4 أفراد فقط من أصل 113.

مستوى تعليمي جيد

وجدت الدراسة أن العديد من المتطرفين البريطانيين تلقوا تعليما جيدا، ودرسوا في مجالات مثل العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات والطب. ومن هنا نجد أن هذا الاستنتاج يعطي مصداقية لنظرية أن بعض “العقليات التربوية” أكثر عرضة للتطرف. وأساسا تلك العقليات التي تتوجه نحو الإجابات الواضحة الصريحة.

كما يستوحي المتطرفون البريطانيون أفكارهم من خلال بعض الأحداث الإرهابية الدولية. إذ يتبنى المتطرفون الأسباب التي تحظى بأكبر قدر من الاهتمام في الحركة الإسلامية الأوسع، ويرتبطون دائما بالحركة الإسلامية الدولية من خلال أنشطتهم في الخارج، ودعمهم للمجموعات الدولية من داخل المملكة المتحدة.

وخلافا للمجاهدين الأجانب والمتطرفين المسلمين في بعض الدول الأوروبية الأخرى، مثل فرنسا أو بلجيكا، تكشف الدراسة أن عددا قليلا من المتطرفين البريطانيين، حوالي 13 بالمئة، قضوا وقتا في السجن، لأي سبب من الأسباب.

ومن بين الأفراد ذوي الصلات ببعض الجماعات الإسلامية الكبرى، انضم 50 بالمئة منهم إلى جماعة “المهاجرون” المحظورة الآن أو إحدى الجماعات التابعة لها.

وظهرت جماعة إسلامية أخرى تسمى بـ“حزب التحرير”، ويُعد عمر بكري محمد من إحدى أهم الشخصيات الست المؤثرين وهو قائد الفيصل البريطاني لهذه الجماعة في الفترة ما بين 1987 إلى 1996. وأنشئت جماعة “حزب التحرير” في العام 1953 في القدس المحتلة بهدف إقامة الخلافة.

تشير نتائج الدراسة بوضوح إلى أن المملكة المتحدة تواجه مشكلة كبيرة تتعلق بانتشار أيديولوجيا العنف والتطرف.لتتوجه في نهايتها بنصيحتين رئيسيتين لصناع القرار البريطاني وللمؤسسات المعنية بمواجهة التطرف وهما: خلق بيئة تعليمية تتحدى أفكار التطرف بشكل واضح وصريح، وأن تستهدف السلطات تلك المراكز التي تنشر دعوات التطرف، والتي تبدو في ظاهرها غير متطرفة.

اخر المقالات