دراسات ما بعد الحرب، من أسباب الكارثة. بقلم هشام العلي.

دراسات ما بعد الحرب، من أسباب الكارثة. بقلم هشام العلي.

اعداد : هشام العلي، باحث متخصص في شؤون الدفاع والتسلح

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

في الذكرى الثالثة لكارثة الموصل , وما رافقها وتلاها من انهيار للمنظومة الأمنية آنذاك , يلزمنا المنطق أن نتناول أسباب وعوامل الانهيار , كون البحث في هذا الموضوع ومعرفة أسبابه وطرحها على المختصين هو من الغايات الأساسية لدراستنا هذه , والتي نحاول من خلالها تلافي أخطاء الماضي وعوامل الوهن لدى المؤسسة العسكرية والأمنية , كي لا تتكرر نفس الأخطاء أو العوامل والأسباب , وبالتالي لا تتكرر نفس الكارثة .. وهنا نود التنويه إلى أننا سوف نتناول العوامل التعبوية والسوقية وبالتالي النفسية مبتعدين قدر الإمكان عن العوامل السياسية , كون دراستنا هذه مختصة بمحاولة تطوير القدرات القتالية للقوات المشتركة بعيدا عن السياسة ومفاهيمها .

يجب الاعتراف أولا بأن أسباب الكارثة كانت نفسية , وهو أمر واضح يكشفه انسحاب الآلاف من المقاتلين قادة وضباط ومراتب وتركهم لأسلحتهم ومقراتهم بشكل أصبح يسير وفق ظاهرة العدوى وفي أكثر من منطقة أو مدينة أو قاطع , حتى أفلتت مؤسسات صنع القرار زمام المبادرة وأصيب القرار السوقي والتعبوي والعملياتي عندها بالشلل , في الحين الذي لم تتعرض تلك القوات المنسحبة إلى قصف مكثف أو عمل ضخم يبرر انسحابها ( تعبويا ) , ما يعني أن العوامل كانت نفسية بحته أفرزتها عوامل الميدان ،وهو ما جعلنا ومنذ اليوم الأول للكارثة نحاول دراسة الأسباب النفسية لذلك الانهيار وطرحها وفق النظريات السائدة عن الحرب والتوافق النفسي للمقاتلين، اليوم وبعد سنوات من البحث ومن خلال الاستفادة من إفادات المقاتلين على كافة مستوياتهم وبالمقارنة مع العلوم النفسية والعسكرية , توصلنا إلى الاستنتاجات التالية والتي نرى إنها كانت من العوامل الأساسية للانهيار النفسي للمنظومة الأمنية آنذاك , ولنأخذ تفاصيل الموضوع على شكل نقاط للتوضيح :

-من بديهيات الحرب أن كل طرف يحاول أن يجعل الخصم مضطرا للقبول بمعركة لا يمكن أن يقبل بها لو كان له الخيار , وهنا تكمن ألمبادئه .. كما أن من مشاكل الجيوش النظامية صعوبة جعل العصابات مضطرة للدفاع بدل الهجوم , أي صعوبة انتزاع ألمبادئه وقلب ميزان التفوق السوقي والتعبوي , ما يجعل العصابات متفوقة نفسيا على أي جيش نظامي .

-عندما تكون الحرب طويلة وليس لها نهاية في المستقبل المنظور , تستغل العصابات هذه الظاهرة لإنضاج قناعان السكان والإيحاء لهم بان القضاء عليهم بات مستحيلا  وبالتالي تشتد ظاهرة المعارضة من قبل السكان , كما يصل القائمون على صنع القرار إلى حالة من اليأس , حيث يشعرون بأنهم أمام حرب لا نهاية لها .. وهو ما عانت منه المؤسسة العسكرية قبل الكارثة وكان له اثر كبير على التوافق النفسي للقوات وقياداتها .-

_ضعف الجهد الجوي لدى قواتنا حرمها من إمكانية السيطرة على ساحة العمليات , حيث تحتاج حرب العصابات إلى أسراب من السمتيات للمتابعة والرصد والمعالجة .. كما لم يكن القادة ينتبهون إلى ضرورة أن تؤمن بعض المناطق لتدريب القطعات والحفاظ على قدراتها القتالية , وجعلها جاهزة ومستعدة في أي وقت وبكفاءة عالية للانطلاق نحو أي هدف أو ملاحقة أية قوة تحتاج إلى معالجة فورية .. ما كان يصب في ميزان التفوق النفسي للمسلحين ..

-من أخطاء الجيوش النظامية في مواجهة العصابات توسيع رقعة الدفاع من خلال توزيع نقاط المقاومة على مساحات واسعة في مناطق الصراع , حيث يعتبر هذا الإجراء استجابة غير مدروسة لخطة العصابات التي تريد تشتيت قوة الجيش وزيادة أعبائه , ليصبح بالتالي عاجزا عن التعرض وانتزاع ألمبادئه , ما يسهل عمل العصابات الحاسم والذي يكون على شكل هجوم كبير يلي أعمال الإزعاج كما حدث في الموصل وغيرها من المدن .. من المؤسف أن هذه المسالة انطلت آنذاك على القادة العسكريون فأصبحوا يبعثرون القوات على شكل نقاط مقاومة وتفتيش تفتقر إلى الإسناد المتبادل , ما جعلها فرائس سهلة لنشاطات المسلحين والتي كان لها اكبر الأثر في انهيار أفراد الجيش نفسيا .. كما كان ينبغي تجنب الانسياق وراء الرغبة في حماية كل شيء , لأنه لا يمكن الاحتفاظ بقوات متفوقة في كل مكان وبعثرة القوات في مناطق شاسعة وبلا أولويات .. كما كان يجب أن تكون قوات مسك الأرض قليلة مقارنة بقوات الردع والتعرض والملاحقة والاستباق .

-يعتمد عمل العصابات على عاملين نفسيين مهمين , أولهما حرمان الخصم من أي أمل بالنجاح , وتعميق الملل بين أفراده وقياداته السياسية والأمنية , بهدف إخضاعه للأمر الواقع الذي تحدده إرادة العصابات , والذي يتم الإعلان عنه دائما بإصرار وبأنه مطلب لا تنازل عنه .. والعامل الثاني هو أن الجيوش النظامية تعتبر خاسرة للمعركة ما دام هناك نشاط تقوم به العصابات مهما كانت درجته , في الحين الذي نرى أن العصابات تعتبر أمام طرفي المعارك وأمام الرأي العام منتصرة إذا قامت بأي عمل حتى ولو كان لإزعاج القوات النظامية ليس إلا , وهو عامل يصب دائما في ميزان التفوق النفسي لدى العصابات , وما أدى بمرور الوقت إلى الانهيار النفسي لدى الجيش.

-من عوامل تفوق العصابات النفسي أيضا هو استطاعتها ضرب المؤسسات وتخريب ما يمكن تخريبه من البنى التحتية ومصادر وخطوط نقل الطاقة بعمليات محدودة غير مكلفة , لكون الجيوش النظامية غير قادرة على حماية تلك المؤسسات بصورة محكمة أو متابعة أنابيب أو أسلاك الطاقة الممتدة مئات الكيلومترات … بالمقابل ليس للجيوش النظامية إمكانية الرد على مثل هذه الفعاليات لكون العصابات لا تملك مؤسسات أو خطوط .. وهذا أيضا كان من عوامل دعم التفوق النفسي لدى المسلحين وانهياره لدى الجيش ..

-تعطي الجيوش النظامية للأرض أسبقية متقدمة , لكونها تمنح القوات قابلية التحصن والتحشد والدفاع والمناورة , ولذلك فان من نقاط ضعف القوات النظامية تركيزها على الأرض قبل السلاح والأفراد , في الوقت الذي يعتبر فيه الأفراد لدى العصابات هم المحصلة النهائية للمعارك , حيث يتم تحديد نسبة النجاح في أعمالهم أو فشلها من خلال نسبة الخسائر بالأرواح والمعدات بين الطرفين , كما أن قطعات الجيوش النظامية تعتبر أهدافا واضحة لدى العصابات , على عكس العصابات التي لا تمثل أي هدف أمام الجيوش النظامية نظرا لخصائصها التي تحدثنا عنها في بحث سابق .. إن هذا العامل أدى إلى مذابح يوميه روتينية كان يتعرض لها أفراد الجيش خصوصا في جبهتي الموصل والانبار , حيث كانت أعمال المسلحين عبارة عن كمائن تستهدف الدوريات الآلية والراجلة وخطوط الإمداد والمقاتلين الذين يتنقلون عبر الشوارع الرئيسية في أوقات التحاقهم إلى وحداتهم أو نزولهم إلى مناطق سكناهم .. هذه الأعمال كانت تتصاعد بمرور الوقت من غير أن تبدي القيادات الأمنية أي اهتمام بعامل الردع الضروري في مثل تلك الظروف حتى انتهت بكارثة سقوط الموصل .. كما أن التدريب والتنظيم وفق سياقات العمل الثابتة يوفر للقوات المنتشرة نسبة كبيرة من عامل الاستباق , وهو ما لم تعمل به القيادات الأمنية آنذاك ولم تكن تعي أهميته الكبرى .

-تستطيع العصابات التخلي عن مواقعها بسهولة وتغادرها إلى مواقع أخرى كثيرة , وبإمكانها أن تعود إلى تلك المواقع استنادا الى ظروف تعبوية أو سياسية أو أية ظروف أخرى بعد انسحاب القوات النظامية منها , أو بعد استرخاء القوات بسبب البرود والهدوء الذي يلي المعارك .. اعتقد أن ذلك هو احد العوامل المهمة لتفوق المسلحين نفسيا على حساب قواتنا ليس قبل الكارثة فحسب ولكن لحد هذه اللحظة , حيث يتم تطهير موقع أو قرية أو مدينة بجهد وخسائر كبيرة , لكن بعدها نرى نشاطا فجائيا للمسلحين في نفس المنطقة .

– النجاح في إدارة حرب العصابات من قبل الجيوش النظامية لا بد أن يستند على تصور سوقي شامل , أما الاكتفاء بتلقي أفعال العصابات ومن ثم إصدار ردود أفعال آنية فانه من الممكن أن يؤدي إلى كارثة , وهو ما حدث فعلا .. حيث فقدت الوحدات المنتشرة في المناطق الساخنة خاصية الاستباق والردع وأصبحت تكتفي بردود أفعال ضعيفة جدا أمام أعمال المسلحين , كما أن تلك الردود اختفت بالتدريج حتى أصبح الردع معدوم والأمر مقتصر على الدفاع الهش والغير مجدي مع مرور الأيام .

-تعتبر حرب العصابات محدودة على الصعيد المادي , لكنها غير محدودة على الصعيد النفسي والعاطفي , لكون هدف العصابات دائما هو الحسم النفسي للحرب حينما يكون الحسم المادي غير متاح , ولكون تأجيج حماس السكان وتحريك مشاعرهم واستنفار عاطفتهم يعتبر الذخيرة الأفضل لدى العصابات في صراعها الطويل ضد آلة الحرب المتفوقة والجيوش المنظمة .. لذلك يتحتم على طرفي المعارك إقناع ما يمكن من السكان لكون كسب السكان يعتبر أول مقومات النجاح وأهمها.. ولذلك نرى أن النظر لحرب العصابات من منظور علوم النفس والاجتماع أفضل بكثير من النظر إليها من منظور التعبئة وخواص السلاح … نعتقد هنا أن التضارب بين الفقهين السياسيين للمكونين الأساسيين في العراق والذين تطرقنا إليهما في دراستنا التي نشرت هنا على صفحة المركز الأوربي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات قبل ثلاثة أعوام تقريبا بعنوان ( العراق ونظريات العمق الاستراتيجي ) نعتقد أن هذا التضارب بين الفقهين هو أول عوامل تأييد المسلحين من قبل السكان في المناطق الساخنة , وكان من اكبر عوامل الوهن النفسي لدى قواتنا مقابل التفوق النفسي للمسلحين , خصوصا بعد اندلاع الأحداث الدامية في سوريا , والتي رافقتها دعاية منظمة لصالح المسلحين اشتركت فيها قوى إقليمية ومحلية , وهو أمر كان يصب في صالح السوق العام للمسلحين ( والتعبئة لا تصلح ما يفسده السوق ) كما هو معروف عسكريا .

-فن القضاء على العصابات يتلخص في فن إثارة المجتمع ضدها , وهو أمر بديهي معروف عسكريا .. لكن قبل إقحام القادة الميدانيون وصناع القرار أنفسهم في محاولة إثارة المجتمع ضد العصابات , يجب وضع عدت تساؤلات مهمة من بينها ( هل يمكن إفشال نشاط العصابات في طرح فلسفة اجتماعية يلتف حولها السكان / هل يتمتع السكان بالحماية الكافية من قبل الجيش النظامي , أم أن الأوضاع منفلتة والناس يخشون انتقام المسلحين المسيطرين على زمام الأمور في مناطق سكناهم مع ما عرف عنهم من قسوة , أم إنهم يخشون الطرفين ؟ / هل أن نسبة هواجس البحث عن حياة هادئة لدى السكان أقوى من دوافع الإيمان بأهداف العصابات ؟ / هل أن التبشير الذي تمارسه العصابات بمستقبل أفضل للسكان كان كافيا لحسم الاختيار إلى جانبهم , مع العلم أن هناك متشددون لا يمكن التأثير عليهم من قبل الدولة في حين أن هناك أوساط مترددة وأخرى ترى مصلحتها في هدوء الأوضاع ومنهم من ينتظر نتيجة المعارك ليمنح ولائه للطرف المنتصر ؟ / هل بالإمكان تأسيس مناطق تهدئة يسود فيها الأمن الكامل وتسير فيها الحياة بشكل سهل ) .. اعتقد أن صناع القرار لم يكونوا قد بذلوا الجهد المطلوب لدراسة هذه التساؤلات والإجابة عليها ومن ثم اتخاذ الإجراءات المناسبة بصددها , ما جعلها عامل آخر من عوامل التفوق النفسي للمسلحين.

-تلجا القوات النظامية عادة إلى سلسلة من الإجراءات المساعدة من خلال تسجيل السكان وتوزيع البطاقات التعريفية لهم ولعجلاتهم وترقيم الدور لإحصاء المقيمين فيها خصوصا في القرى , والتفتيش أو الإعلان المفاجئ لحظر التجوال خصوصا في بعض المناطق التي تعتقد العصابات إنها بعيدة عن عيون الجيش , ومن خلال ذلك يمكن إشاعة جو من الشك بين صفوف العصابات يقلل من ترددهم على تلك المناطق ويقلل من حركاتهم وتنقلهم .. في السنوات التي سبقت الكارثة لم تكن هناك أية إجراءات فعالة من هذا النوع عدا إجراءات حظر التجوال ونقاط التفتيش الفوضوية , والتي كانت تثير كراهية الأهالي من غير أن تثمر عن أية نتيجة لصالح الجيش .. والمشكلة أن المؤسسات الأمنية كانت تقوم بإجراءات مماثلة في المناطق الجنوبية للبلد لحمايتها , فكانت نظرة السكان في المناطق الجنوبية تتهم صناع القرار بالتخبط فيما يتهمهم سكان المناطق الساخنة بالطائفية ولنفس الأسباب .

-مثاليا يجب الإيمان بان على القوات النظامية حماية السكان في وقت مكافحة العصابات , لكن واقع الحال يفرض علينا نظريتين يجب القبول بأحدهما , على الرغم من أن كل منهما عليها الكثير من عوامل الوهن .. النظرية الأولى تعتمد على إرهاب وإزعاج السكان كما في العقيدة العامة العريقة لكافة جيوش العالم , والتي تعتبر الأفضل في حال حساب النتائج بصورة جيدة , والتحقق بان لدى الجيش النظامي القدرة على البقاء , وانه ليس بإمكان العصابات حسم الموقف من خلال التعرض لاحتلال التجمع السكاني أو التفكير بذلك , واقتصار أعمال العصابات على الإزعاج فقط , وإلا فان الأمر سوف ينقلب إلى كارثة لمجرد تحقيق العصابات أي تقدم , حيث يرى علم الاجتماع خطورة حساسية الكائن البشري إزاء التحدي باعتباره امتهانا للقيم والأعراف المجتمعية , ما يعني أن الإزعاج سوف تكون نتائجه عكسية في حال إحراز المسلحين أية نجاحات تعبوية من الممكن أن تشجع السكان على الانتقام فيتحول الوضع إلى كارثة … النظرية الثانية تعتمد على استقطاب عاطفة السكان , وهي النظرية التي حاولت القوات الأمريكية في العراق استخدامها في العقد المنصرم , والتي نرى أنها كانت عقيمة وابعد ما يكون عن واقع إدارة المجتمعات المتوترة .. في كل الأحوال كان يجب تجزئة شرائح المجتمع في المناطق الساخنة ودراسة كل شريحة أو توجه أو طبقة بصورة علمية , ومن ثم مد خطوط التعاون معها كل حسب المشتركات التي من الممكن أن تكون محفزة لتلك الشريحة من اجل البدء في حوارات ترتكز على إبداء الحماية الفعالة المتبادلة بين تلك الشرائح والطبقات من جهة وبين القيادات الأمنية والسياسية من جهة أخرى , وهو ما لم تحاول فعله القيادات الأمنية في تلك المناطق , وهو أيضا ما تحدثنا عنه بإسهاب في دراستنا ( العراق ونظريات العمق الاستراتيجي ) .

-نعتقد انه ولهذه الأسباب مجتمعة فقدت المؤسسة الأمنية وعلى كافة مستوياتها آنذاك التوافق النفسي لصالح المسلحين وبالتالي فقدت إرادة القتال , ما أدى إلى تلك الكارثة وما رافقها من انهيار كبير لفرق بأكملها وعلى مساحات واسعة .. وهي الظاهرة التي يجب التركيز عليها في دراستنا هذه وايلائها أقصى اهتمام كي لا تتكرر الكارثة لا حقا …

*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

هشام العلي، باحث متخصص في شؤون الدفاع والتسلح ـ بغداد

اخر المقالات