داعش يعرف من جديد ميزان القوى والتحالفات في الشرق الاوسط

داعش يعرف من جديد ميزان القوى والتحالفات في الشرق الاوسط

015935714 30200 copyداعش يعرف من جديد ميزان القوى والتحالفات في الشرق الاوسط وربما حتى في العالم بأسره
عميقا في الشهر الثالث للمواجهة، يبدو أن نهايتها آخذة في الابتعاد عنها. يتساءل اسرائيليون كثيرون اذا كان هذا هو الواقع الذي سيرافق حياتنا من الان فصاعدا، والجواب المؤسف هو – نعم. مثل متلاكمين يئسا من حسم المعركة، ينغلق مرة اخرى الاسرائيليون والفلسطينيون في عناق، بتوقع ان يوقف الحكم المعركة ولكن لا يوجد اليوم حكم يقرع الجرس – وهم وحدهم في الحلبة.

   اسرائيل، على عادتها، تبحث عن اجوبة من عالم المكعبات الاسمنتية والحواجز. وفي الجانب الاخر، ان كانت السلطة الفلسطينية تعمل على منع المواجهات الجماهيرية مع الجيش الاسرائيلي، ولكنها لا تجتهد حقا بوقف التحريض. ولا يفكر أي من الطرفين في المبادرة الى خطوة توقف الرقصة العنيفة في محاولة للوصول الى واقع آخر.
   سيشك الساخرون في أن تكون المواجهة مريحة للزعامتين وليس لهما مصلحة في وضع حد لها. فهي تخدم القيادة الفلسطينية في رفع الموضوع الى الوعي الاسرائيلي، الاقليمي وبقدر محدود – العالمي. كما أنها تصرف الرأي العام الاسرائيلي عن المواضيع التي تثقل على حياته اليومية: أسهل الحكم للاسرائيليين من خلال التخويف المستمر من السكين الفلسطينية من التصدي لمسائل غلاء المعيشة غير المعقول والتآكل في مستوى الخدمات العامة.
   في الجيش الاسرائيلي ترددوا طويلا في البحث عن اسم مناسب لهذا الواقع الجديد، بحيث لا يتضمن كلمة “انتفاضة”. واختار  الجيش الذي لم يتميز ابدا في براءة الاختراع، في النهاية تعريف “انتفاضة محدودة” وهو اسم غير قابل للالتقاط حقا، ولكنه قريب جدا من الواقع.    وحتى دون تسمية هذا بالاسم الصريح، ففي الجيش الاسرائيلي يتذكرون جيدا كم استغرقهم من الوقت لاخماد الانتفاضتين السابقتين. فمن اللحظة التي يخرج فيها الشيطان الفلسطيني من القمقم – تطلب الامر خمس سنوات لاعادته الى هناك. ويبدو اننا الان ايضا في ذات المكان، في بداية خمس سنوات كهذه.
   في الميدان يوجد ميل هبوط في كمية الاحداث. في القدس نجحت الشرطة، في جهد مثير للانطباع بتخفيض دراماتيكي لمستوى العنف. ستكون عمليات اخرى في القدس، ولكن المدينة المتفجرة كفت في هذه الاثناء عن ريادة المواجهة. فقد أخذت الخليل الريادة – 60 في المئة من المخربين خرجوا من الخليل ومحيطها – والسامرة هي الاخرى بدأت تستيقظ في الايام الاخيرة.
   يعود الجيش الاسرائيل الى اساليب الانتفاضتين السابقتين. من غوش عصيون وجنوبا نصبت حواجز في ارتباط كل القرى بطريق 60، وكل ليلة تعمل القوات داخل القرى لاستفزاز وكشف من يحوز السلاح. هذا مجد ضد من يخططون لعمليات اطلاق النار، وعددهم قليل نسبيا، ولكنها الاكثر فتكا: من اصل 71 عملية في الشهرين الاخيرين، 7 كانت عمليات اطلاق نار.
   ولكن نشاط الجيش الاسرائيلي لا يوقف ضرب السكاكين. ففضلا عن الفصل اللازم الذي وضع في مراكز العمليات، مثل مفترق غوش عصيون ومفترق تفوح، فان ما سيقرر نتائج محاولات العمليات هو السلوك العملياتي للجنود. فمنذ قتل زيف مزراحي في محطة الوقود هذا الاسبوع، يبدو أن معظم الجنود في الميدان فهموا بانهم ببساطة ينبغي أن يمنعوا امكانية الاتصال بالفلسطينيين. الابقاء على مسافة امنية عنهم وعدم السماح لهم بالاقتراب مسافة طعن عن الجنود او المدنيين.
   المفاجيء هو أنه بعد شهرين ونصف من المواجهة، لا ينجح اي من التنظيمات المؤطرة في امتطاء الموجة وقيادتها. هنا وهناك يوجد مخربون ينتمون الى هذا التنظيم او ذاك، ولكن ليس حماس، تنظيم فتح أو شهداء الاقصى هم من يقودون الاحداث. واذا كان هناك جسم يوفر الالهام فهو روح داعش التي تحوم فوق الفلسطينيين ايضا.
   كان محزنا النظر الى تلميذتي الثانوية المقدسيتين هذا الاسبوع اللتين تتجولان دون تصميم في محطات القطار في شارع يافا وفي النهاية تخرجان في هجمة مقص محققة بالذات ضد فلسطيني من بيت لحم. يوم بعد انتحار اسرائيلية في سنهما. كان صعبا الامتناع عن النظر الى وجه الشبه – الاحباط الذي يطفو احيانا ويفيض على ضفتيه في اوساط ابناء العشرة – وعلى الاختلاف. هذه اختارت ان تشنق نفسها وهاتان الاثنتان اختارتا الموت في ظل محاولة قتل الاخرين.
*  *  *
   اذا كان النزاع الاسرائيلي – العربي ذات مرة هو العامل المصمم والقوة المحركة للمنطقة، فان هذه القوة اليوم هي داعش، وهو يعرف من جديد ميزان القوى والتحالفات في الشرق الاوسط وربما حتى في العالم بأسره.
   وقد كان اسقاط تركيا للطائرة الروسية حدثا لم ينته بعد وكفيل بان تكون له آثار عالمية. فأفضل المحللين ورجال الاستخبارات في العالم اجتهدوا هذا الاسبوع ليفهموا ما الذي دفع الاتراك لاتخاذ هذه الخطوة المتسرعة. فهل هذا كمين مخطط له يستهدف نقل رسالة لروسيا ام أن قيادة دنيا قررت بانعدام تفكر ان تطبق بشكل مطلق سياسة صفر تسامح تجاه التسللات الجوية الى الاراضي التركية.
   مهما يكن من امر، فان الكلمة الاخيرة للروس لم تصدر بعد. وتركيا لا تعرف بعد أي ثمان ستدفعه على الخطأ، ولكنها لن تكون قليلة. روسيا لا تنسى ولا تغفر. الغرب هو الاخر كفيل بان يعيد التفكير بموقفه من تركيا، الحليفة الهادئة ولكن المخلصة لداعش.
   ان الهجمات المستمرة التي يقوم بها التحالف الغربي على شبكات النفط الخاصة بداعش مست حتى الان بشدة بالنموذج الاقتصادي لـ “الدولة الاسلامية”. من دخل شهري يبلغ عشرات ملايين الدولارات من بيع النفط، ينجح داعش اليوم في أن ينتج ويبيع نفطا باقل من 20 مليون دولار في الشهر. وهو ينجح في تحصيل بضعة ملايين اخرى من دافعي الكفارة عن الرهائن الغربيين او الاسيويين، ولكن هذا  يكفي من اجل الاعالة الاقتصادية للتنظيم ومشاريع الارهاب العالمية الخاصة به.
   على الارض يتكبد هزائم من الاكراد، وهنا وهناك من منظمات الثوار الاخرى في سوريا ايضا. وبالذات على خلفية ضعف “الدولة الاسلامية” في العراق وفي سوريا، يصعد نجم الفرع البدوي في سيناء. فبعد أن تجرأوا على اسقاط طائرة مسافرين روسية، ازدادت ثقة رجال “ولاية سيناء” لداعش، وكذا حسابهم البنكي ازداد مع الشيك السخي الذي جاء من الدولة الام.
   في الجيش الاسرائيلي ينظرون الى حدودنا الجنوبية – الغربية بصفتها خط المواجهة التالية. وحتى الان كان رجال داعش في سيناء منشغلين اساسا بالحرب ضد الجيش المصري. ولكن الصدى الذي تحصل عليه المواجهة مع الفلسطينيين في وسائل الاعلام العربية من شأنه ان يدفعهم الى اعمال هجومية ضد اسرائيل. وفي غضون وقت غير طويل سنجدنا نلتقي عدوا اكثر تصميما ومزودا بسلاح اكثر تقدما على الحدود المصرية.
زرت هذا الاسبوع سكان بتحات نيتسانا، الاسرائيلين الذين يسكنون على اقرب مسافة من داعش. اناس متفائلون وصلبون يقاتلون يوميا ضد الارض الصحراوية القاسية ويزهرون القفر. اذا كنت تريدون ان تشعروا بالصهيونة الحقيقية، فان اوصيكم بزيارة الحقول الخضراء لكديش برنيع وبئير ميلخا. بعضهم يسكنون على مسافة 50 متر من السياج الحدودي، ولكنهم لا يخافون من داعش. التهديد الاكبر عليهم هو دولة اسرائيل، التي مثل معظم الصهاينة الحقيقيين، لا تحصيهم هم ايضا. فهي ليس فقط لا تفعل شيئا كي تساعدهم على استيطان الصحراء بل وتقاتل ضدهم وضد كل فلاحي الارض.
في نهاية الاسبوع الذي لعب فيه منتخبو الجمهور عندنا دور النجوم كمتحرشين جنسيا وساخرين بالمقعدين، يصدح قول النبي: خرائبك ودمارك يخرج منك. مع الاعداء نتدبر أمنا، فهم لن يقدروا علينا، ولكن كما تقول صهيون في خطاب يشعياهو: من يولد لي اولئك؟
معاريف   27/11/2015
راي اليوم

اخر المقالات