داعش يتحرك بقدر عال من المرونة ويختار أهدافه بدقة بسيناء

داعش يتحرك بقدر عال من المرونة ويختار أهدافه بدقة بسيناء

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات   

«داعش» يسعى إلى موطئ قدم في «مناطق باردة» شمال سيناء

الحياة ـ 16 سبتمبر 2017 ـ لم يكن عادياً الهجوم الذي شنه مسلحون تابعون لتنظيم «داعش» الإرهابي في منطقة «التلول» على الطريق بين مدينتي بئر العبد والعريش شمال سيناء الأسبوع الماضي واستشهد فيه 18 ضابطاً وجندياً، بل يمكن اعتباره محاولة من التنظيم المتطرف، الذي يواجه حصاراً خانقاً من قوات الجيش والشرطة في معاقله التقليدية في المحافظة، لإيجاد «موطئ قدم» في «المناطق الباردة» شمال سيناء، والتي لم تطاولها سخونة الهجمات الإرهابية وصعوبة الإجراءات الأمنية.

وتبنى «داعش» الهجوم الإرهابي، وربطه بالتقدم في العلاقات بين القاهرة وحركة «حماس». ونشرت مواقع جهادية بياناً للتنظيم المتطرف موقعاً باسم «ولاية سيناء» يتحدث فيه عن الهجوم على الرتل الأمني وقتل الضباط والجنود، مشيراً الى أن الترتيبات بين الاستخبارات المصرية و «حماس» لمحاصرة من سماهم بـ «المجاهدين في سيناء»، لن تثنيهم عن شن مزيد من الهجمات.

وتقع مدينة بئر العبد على مسافة 80 كيلومتراً غرب العريش، وهي هادئة في الغالب، ولا تُعد واحدة من أهداف الهجمات الإرهابية لـ «داعش» إلا فيما ندر، إذ كسر هدوءَها العام الماضي هجومٌ شنه متطرفون على نقطة عسكرية استشهد فيه 12 ضابطاً وجندياً.

وينشط المسلحون جنوب العريش والشيخ زويد ورفح، وغالباً ينطلقون من العريش باتجاه الشرق إلى الشيخ زويد ورفح، أو العكس إذ ينطلقون من الشرق (الشيخ زويد ورفح) في اتجاه الغرب إلى العريش. لكن نادراً ما شُنت هجمات انطلقت من العريش إلى الغرب.

وتقع منطقة «التلول» على مسافة 20 كيلومتراً غرب العريش. ونُفذ الهجوم الأخير بإحكام شديد، إذ اختيرت له منطقة وعرة في منحنياتها على طريق العريش – بئر العبد (80 كيلومتراً)، تحيط به الكثبان الرملية والتلال من الجانبين بحيث تحجب الرؤية في تلك المنطقة واستكشاف الطريق أو المنطقة الجبلية المتاخمة له، عكس بقية الطريق الدولي الممهد الذي يمتد في غالبه بشكل مستقيم ومفتوح ويحيط به من الجهة الشرقية ساحل البحر المتوسط، ومن الغرب صحراء منبسطة يسهل استكشاف أي تحرك فيها. لكن في منطقة التلول ولمسافة تمتد إلى نحو 20 كيلومتراً، ينحدر الطريق بمنحنيات عدة وعرة تحيط بها الكثبان والتلال من الجانبين، ما يستدعي خفض سرعات السير في تلك المسافة إلى أدنى سرعة ممكنة. وتخلو منطقة الهجوم تماماً من أي وجود سكاني فيها، علماً أن الوجود السكاني على طول الطريق بين العريش وبئر العبد نادر، فلا توجد تجمعات إلا في منطقة «أبو الحصين» وقرب شركة «الملاحات» وفي منطقة «أبو عرادة» وقرى «مزار» و «الروضة» و «التلول» و «سلمانة» و «السادات».

ولوحظت في الشهور الأخيرة حركة للمسلحين في تلك المناطق التي ظلت هادئة على مدى الأعوام السابقة إلا من هجمات استهدفت أضرحة أو مزارات دينية يعتبر المتطرفون زيارتها من البدع.

وفي الشهور الأخيرة، اقتحم مسلحون شركة «الملاحات» على طريق العريش – بئر العبد، وخطفوا موظفاً وقتلوه، وتردد أن سبب قتله تعاونه مع الجهات الأمنية للإبلاغ عن تحركات المسلحين في المنطقة. كما نصب مسلحون مكامن على الطريق قرب التجمعات السكنية في محاولة لإرهاب السكان وإظهار سيطرتهم على المنطقة قبل الفرار سريعاً مع اقتراب قوات الأمن من الوصول الى المكان. وخطف مسلحون شابين من التجمعات السكنية المطلة على الطريق لتهديد الأهالي وتخويفهم من التعاون مع الأمن للإبلاغ عن تحركاتهم، في محاكاة لتصرفاتهم في مدن العريش والشيخ زويد ورفح.

وقال عضو المجلس القومي لمكافحة الإرهاب مدير المركز الوطني للدراسات الأمنية العميد خالد عكاشة لـ «الحياة» إن «الهجوم الأخير يشير إلى أن التنظيم الإرهابي يتحرك بقدر عال من المرونة، ويختار أهدافه بدقة، فتلك المنطقة الصحراوية الفارغة تماماً من السكان لا يمكن تصور أن تكون مركزاً لتمركز الإرهابيين، لكن طبيعتها تسمح بشن هجوم مباغت والفرار سريعاً». وأضاف: «الهجوم يدل على درجة عالية من الاحترافية لدى تلك العناصر المتطرفة بحيث يستطيع التنظيم الانتقال بمسلحيه إلى مكان غير متوقع، خصوصا أن الأجهزة الأمنية تنشر عند حدود معاقله في جنوب العريش والشيخ زويد ورفح استحكامات أمنية قوية لمنع هؤلاء المسلحين من الفرار أو الخروج من تلك المناطق التي يمكن أن تؤوي إرهابيين بحكم انتشار المزارع والتجمعات السكنية فيها، ولوجود مدقات جبلية يمكن أن تؤدي مباشرة إلى جبل الحلال وسط سيناء، والذي تُمثل كهوفه بيئة مثالية للتخفي».

وأوضح: «وجود إرهابيين في الطريق بين العريش وبئر العبد غير متوقع إطلاقاً لأنه طريق دولي مفتوح طولي لا توجد على جانبيه تجمعات سكنية إلا في مناطق محدودة جداً، ويقع بين ساحل البحر وصحراء منبسطة غير مأهولة. لكن هذه الطبيعة تتغير تماماً عند منطقة التلول التي تشمل منحيات خطرة وتلال وكثبان رملية عدة على الجانبين تخفي الطريق وما خلفها، وهي منطقة معزولة استهدفها التنظيم المتطرف بهجوم نوعي لإيقاع أكبر قدر ممكن من الخسائر في صفوف القوات بشكل مباغت».

وأوضح عكاشة أن تنفيذ الهجوم في تلك النقطة تحديداً يشير إلى أن التنظيم درس بعناية الطريق كله، واختار بدقة موقع الهجوم على الرتل الأمني الذي يتولى تأمين هذا الطريق وتأكد من خلوه من الألغام والمتفجرات… الهجوم نُفذ بسيارة مفخخة قادها انتحاري باغت الرتل الأمني بالخروج بشكل مفاجئ من خلف تلال رملية متاخمة لمنحنى ينحدر بشدة على الطريق، ما منع سائق المدرعة الأولى في الرتل الأمني من تفاديها أو الانطلاق محاولاً تفادي انفجارها، ثم أعقب الانفجار هجوم بأسلحة متوسطة وخفيفة نفذه مسلحون كانوا مختبئين خلف التلال المطلة على الطريق بقوة نيرانية ضخمة لإحداث أكبر قدر ممكن من الإرباك في اللحظات الأولى للاشتباك، وإيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا والفرار قبل وصول قوات الدعم».

وأشار إلى أن المتطرفين اختاروا «أصعب منطقة على الطريق كله وأشدها وعورة، لذا لعبت الطبيعة الجغرافية في تلك المنطقة لمصلحة الإرهابيين… المسافة بين مراكز التجمعات الإرهابية جنوب العريش ومنطقة التلول لا تتعدى 50 كيلومتراً يمكن قطعها بسيارات الدفع الرباعي من داخل الصحراء في دقائق». ولفت إلى أن «هذا الهجوم قطعاً سبق استطلاعاً للطريق، ومن دون شك هناك من قدم مساعدات لوجستية للإرهابيين لتنفيذه… يبدو أن المسلحين يسعون الى موطئ قدم في تلك المنطقة». وختم: «لكن الأكيد أن قوات الأمن ستضع من الخطط الأمنية ما يلزم لتأمين هذا الطريق ومنع أي نشاط إرهابي في المنطقة الصحراوية المتاخمة له بسبب حيويته وأهميته الاستراتيجية كمدخل لشمال سيناء».   

اخر المقالات