داعش تعيد رسم خارطة مذهبية وعرقية طائفية

داعش تعيد رسم خارطة مذهبية وعرقية طائفية

ac5caa6562514a8fbc2073b589f0b2f1رأي اليوم  ـ بقلم: كوبي ميخائيل واودي ديكل
تعد سيطرة داعش على غرب وشمال غرب العراق، استمرارا لسيطرته على شمال شرق سوريا، دليل آخر على تعزيز قوات القاعدة وفروعها في طريقهم وتطلعهم الى إقامة “الخلافة الاسلامية الاقليمية”. هذه مرحلة اخرى في عملية سيطرة المتطرفين الجهاديين، الذين يستغلون ضعف الحكم المركزي في الدول الضعيفة والمستضعفة. وفي اثناء التوسع الاقليمي الواسع، سيطر داعش ايضا على بنى تحتية، مخازن سلاح، مقدرات طاقة وأموال بنوك. كما أن التنظيم يذبح دون رحمة رجال الجيش وابناء الطوائف والقبائل الاخرى ويستمد التشجيع من الانجازات المتراكمة ومن الاهمال الذي تبديه الاسرة الدولية.
تبدد الحدود

إن تطلع داعش الى شطب الحدود التي قررتها القوى العظمى الاستعمارية في اتفاق سيايكس بيكو، يمثل المعارضة لمجرد وجود الدول القومية والسعي الى إقامة خلافة اسلامية تعمل على اساس قانون الشريعة. وبالمقابل، تسعى ايران الى اقامة الهلال الشيعي الذي يتجاوز هو الاخر الحدود. ويجعل هذا الصدام الصراع السني – الشيعي العنصر الهام والفتاك في المنطقة ويعيدها دفعة واحدة الى عهد مهد الاسلام.
لقد أدى الهجوم السني الى شطب الحدود بين سوريا والعراق، بينما المساعدة الهامة التي قدمها حزب الله لسوريا أدت الى تشويش الحدود بين سوريا ولبنان. ومنح الانتصار في العراق ريح اسناد لقوات داعش في سوريا وتعزيز قبضتهم في شرقي الدولة. فوسائل قتالية أمريكية، ولا سيما صواريخ مضادة للدبابات ومركبات مدرعة، سقطت غنيمة تنقل الى سوريا. ورغم انقسام قوات داعش، فليست سوى مسألة وقت الى أن تنتظم وتشرع في الهجوم على جنوب سوريا والعاصمة دمشق.
ان التدخل الايراني في العراق، من شأنه أن يؤدي بدوره الى تشويش الحدود بين مركز العراق وجنوبه وبين ايران. فالمعسكران المتطرفان يؤمنان بان رؤيتاهما لن تنتصرا الا اذا شطبت الحدود واعيد تصميم المنطقة كساحة سياسية ودينية واحدة.
الاردن – المعقل الاخير
إن انحدار الظاهرة الى الاردن وخلق مواقع لداعش في المملكة، في واقع الازمة الاقتصادية والديمغرافية بسبب وجود نحو مليون لاجيء سوري ومئات الاف اللاجئين العراقيين، من شأنه ان يدهور الاردن الى واقع من الفوضى يهدد بقاء المملكة. ويتصدى الاردن سواء في المجال الاستخباري أم في المجال العملياتي لخلايا آخذة في الاتساع لمنظمات الجهاد، التي تتسلل اليه تحت رعاية موجات اللاجئن وقنوات المساعدة والتوريد للثوار في سوريا التي تمر عبره.
لقد هدد قائد قوات داعش في الموصل صراحة لاجتياح الاردن وتصفية الملك عبدالله. ومع ان السعودية أعلنت ردا على ذلك بانه اذا كانت حاجة للدفاع عن الاردن فانها ستبعث بالدبابات، الا ان الاردن لا يمكنه أن يعتمد على مساعدة عسكرية سعودية. فهو بحاجة الى مساعدة فورية لغرض تحسين قدراته الاستخبارية والعملياتية بهدف حماية حدوده مع السعودية والعراق، والى مساعدة اقتصادية، وتوريد مستقر للطاقة، مساعدة مالية وانسانية للتخفيف من ازمته في كل ما يتعلق بالعناية باعداد اللاجئين الهائل لديه. ولكن فضلا عن ذلك يحتاج الاردن الى سند عسكري استراتيجي واضح. يخيل أنه رغم انه لا يمكنه أن يتعرف بذلك علنا، فان السند الاستراتيجي والعسكري الوحيد العملي له هو اسرائيل.
اختبار للاستراتيجية الامريكية
في خطاب في وست بوينت قرر الرئيس اوباما بان “التهديد الاساس اليوم لا يأتي من القيادة المركزية للقاعدة، بل من شركاء القاعدة المتطرفين والمتناثرين”. واقترح تخصيص مصادر لتدريب وبناء قدرات الدول المشاركة في خط الجبهة في مواجهة المتطرفين الجهاديين. في سوريا، بلورت الادارة استراتيجية ركزت على المساعدة المحدودة لقوات المعارضة الاكثر اعتدالا وبناء جيش عصابات مدرب يستهدف القتال ايضا ضد قوات حزب الله، الجيش السوري (الاسد) وأيضا القاعدة والمتطرفين الاسلاميين الاخرين. وقد انهارت هذه الاستراتيجية في سوريا وفي العراق على حد سواء. ففي سوريا، تفتت الجيش السوري الحر في مواجهة القوات الاسلامية، ولا سيما قوات داعش وجبهة النصرة. وتبين ان ليس في قوته وفي تأثيره ان يشكل بديلا لنظام بشار الاسد. اما في العراق، فقد هزمت قوات الجيش العراقي دفعة واحدة ودحرت من شمال وغرب العراق، رغم كونها مدربة ومزودة بقدرات امريكية.
وبالتالي، فان الاستراتيجية الامريكية لبناء شركاء، تدريبهم وتزويدهم وفقا لذلك، لا تنجح في الاختبار العملي. وينبغي أن يضاف الى ذلك تآكل الردع الامريكي، بعد أن اختار الرئيس اوباما، خلافا لوعده، عدم العمل عسكريا في سوريا، بعد تجاوز الخطوط الحمراء في استخدام مواد القتال الكيميائية. كل هذه تضاف الى احساس الخيبة والقلق في اوساط الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة في الشرق الاوسط، المتخوفين من هجرهم في يوم الاختبار.
لقد أمر الرئيس اوباما بارسال حتى 300 مستشار عسكري الى العراق، وبدأت الادارة بفحص خيارات سياسية جديدة فيه. ومع ذلك، هناك جدال في الولايات المتحدة حول خيار التدخل العسكري في العراق، مع التشديد على الاعمال الجوية واستخدام القوات الخاصة. وذلك، بسبب المصلحة والالتزام الامريكي بمنع انشقاق العراق وسقوطه في ايدي جماعات اسلامية متطرفة (سنية وشيعية على حد سواء). والغارات الجوية ليست ناجعة بما يكفي لوقف مقاتلي الجهاد ممن لا يعملون في اطار عسكرية منظمة. ويفهم خبراء عسكريون في الولايات المتحدة، الذين يفكرون باستخدام الطائرات والوسائل غير  المأهولة بان هذه القدرات ايضا غير كافية لوقف القوات الجهادية ودحرهم عن المدن. وبالتالي، فان على التدخل العسكري أن يتضمن ايضا استخداما بريا لقوات خاصة، لغرض دحر الجهاديين عن المواقع الاستراتيجية (مثل منشآت انتاج وتكرير النفط) وحمايتها ولغرض التأهيل والتدريب لقوات الجيش العراقي.
ويؤدي الطريق المسدود الى لقاء مصالح خاص، بينما الولايات المتحدة وايران. فقد كشف الرئيس اوباما النقاب عن انه تجري محادثات بين ايران والولايات المتحدة في الموضوع العراقي، وان الولايات المتحدة دعت ايران الى عدم العمل بشكل يفاقم التوترات الطائفية. وبزعمه، فان بوسع ايران ان تلعب دورا ايجابيا في اقامة حكومة وحدة بين الطوائف. ويبدو ان الولايات المتحدة قلقة من أن تسيطر ايران على الاقاليم الشيعية في العراق من خلال فروعها – الحرس الثوري وغيرها من الفروع الاخرى (توجد أدلة منذ الان على تواجد الحرس الثوري في مدن في العراق كما اطلقت تصريحات ايرانية حول الاستعداد لمساعدة السكان الشيعة في العراق وحماية الاماكن المقدسة للشيعة). ومن جهة اخرى، هناك جهات تعتقد بان على الولايات المتحدة ان تستغل الفرصة لتعزيز مجالات مصالحها المشتركة مع ايران. وهذه المحافل تدرس امكانية التنسيق السياسي بل والعملياتي مع ايران، حفظا لوحدة العراق. ومؤيدو هذا النهج، يرون في نجاح التنسيق لاستقرار العراق رافعة لتحقيق اتفاق في الموضوع النووي (رغم ان الولايات المتحدة تحرص على قطع هذه المسألة عن باقي المسائل الاقليمية) بل والدفع الى الامام بتسوية في سوريا ايضا. في مثل هذا السيناريو، فان النفوذ الاقليمي لايران سيزداد جدا. وهذا ينتج أن السعودية، الاردن، دول الخليج وخصوم ايران في المنطقة يجدون أنفسهم في واقع مقلق جدا والولايات المتحدة تقف في مكانة اشكالية ومشبوهة اكثر في نظرهم. في كل الاحوال، من المتوقع معارضة سياسية شديدة لصورة الحلف المتبلورة، سواء في الولايات المتحدة أم في أوساط حلفائها في المنطقة.
الاثار اللاحقة
ان النجاحات العسكرية لداعش في العراق وفي سوريا تجسد سياقات التغيير في الشرق الاوسط وتعظم دافع المحافل المتطرفة لاستغلال النجاح من أجل توسيع نفوذهم الاقليمي. وفي أساس نجاح داعش ومنظمات الجهاد الاخرى تقبع عدة اسباب بارزة: 1. الضعف البنيوي والادائي للدول القومية العربية. 2. المبنى الشبكي والمتناثر للمنظمات مما يسهل عملها حركتها وخطوط تموينها في المنطقة ويجعل من الصعب التصدي العسكري لها. 3. اهمال الاسرة الدولية وعلى رأسها الولايات المتحدة، والنابع من الحرج والبحث عن حل قابل للتطبيق لمشاكل الشرق الاوسط، الى جانب عدم الاستعداد للتدخل العسكري. 4. تآكل في صورة القوة العظمى للولايات المتحدة وقدرتها على حل المشاكل الاقليمية. اضافة الى الخوف المتعاظم لدى حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة من أنها في يوم الاختبار لن تقف الى جانبهم.
ولما كانت موجات الصدمة تتجاوز الحدود بين الدول يخيل أن الدولة الاكثر تهديدا في هذا المرحلة هي الاردن. فمن هناك كفيلة بان تصل الى حدود اسرائيل والسلطة الفلسطينية، اراضي شبه جزيرة سيناء ودهورة المنطقة الى مواجهة عنيفة واسعة النطاق. وبالتالي حيوي جهد متداخل أمريكي – اوروبي (وكذا اسرائيلي في الظل) لتعزيز الاردن، اقتصاديا وعسكريا. اضافة الى ذلك، فان على الولايات المتحدة ان تعزز اللاعبين المعروفين كـ “معسكر الاعتدال”، ذاك الذي يعارض الجهاد العالمي، في ظل بناء قنوات تعاون بين اللاعبين الذين ينتمون الى المعسكر واستعدادهم للمساعدة في المرحلة الاولى لتحقيق الاستقرار في العراق.
اسرائيل مطالبة بان تواصل الاستعداد لسيناريو انزلاق الاحداث الى حدودها. وفي ظل ذلك، عليها أن تمنع تسلل نفوذ وبناء بنى تحتية لمحافل اسلامية – جهادية في نطاق السلطة الفلسطينية والمساهمة في تحسين قدرة الحكم، امنيا واقتصاديا في السلطة الفلسطينية.
يحتمل أن يكون حان الوقت للاستعداد فكريا بل وعمليا لنشوء فكرة اعادة تنظيم المنطقة السورية الاعراقية واساسها تفكك الدول القومية القائمة واقامة دول على أساس طائفي/عرقي : دولة علوية في غرب سوريا، كردستان في شمال العراق وسوريا، دولة سنية في منطقة شمال غرب العراق وشمال شرق سوريا، ودولة شيعية في مركز وجنوب العراق. يحتمل أن تكون خطوط التقسيم الطائفية والعرقية هي الاكثر طبيعية واستقرارا.
نظرة عليا    صحف عبرية  23/6/2014

اخر المقالات