“داعش”..البحث عن بدائل سريعة لإنقاذ الهيكل التنظيمي

“داعش”..البحث عن بدائل سريعة لإنقاذ الهيكل التنظيمي

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا وهولندا

داعش في نسخته الجديدة.. اعتراف بالهزيمة وادعاء للولادة الثانية

العرب اللندنية ـ 6 ديسمبر 2017 ـ في محاولة لرفع معنويات عناصره، يسعى تنظيم داعش بعد تكبّده خسائر فادحة، للترويج لمزاعم توحي بأنه مستمر في نشاطاته.

وعاد إلى إطلاق أبواقه الإعلامية بإصدار ثان لشريطه المصور الشهير “لهيب الحرب” معلنا فيه عن قيام ولاية ثانية للتنظيم في سيناء وليبيا تأتي كبديل لسوريا والعراق، لكن كل المؤشرات تدل على أن داعش وأمثاله من العصابات الإرهابية في طريقها إلى الاندثار.

القاهرة – بعد مرور ثلاثة أعوام من إصدار تنظيم داعش لشريطه المصور الشهير “لهيب الحرب” الذي يعد الأشرس في مسيرته الدعائية، أطلق التنظيم الجزء الثاني منه، متخذا من سيناء ميدانا بديلا لما زعم أنه “مواصلة الصراع ضد قوى الكفر العالمي”.

وتمكنت قوات الأمن المصرية من القضاء على جزء كبير من قوة التنظيم المسلحة في سيناء، وهو ما اضطره إلى توسيع دوائر ضرباته.

وبدلا من رجال الجيش والشرطة والقضاء والكنائس اتجه أخيرا إلى استهداف مصلين في المساجد، وارتكب منذ أسبوعين مذبحة كبيرة في مسجد بمنطقة بئر العبد في سيناء راح ضحيتها 309 من المدنيين، وأصيب نحو 135 آخرين.

وقصد التنظيم أن يكون الإصدار الدعائي الجديد حاملا رسائل وعناوين انطلاقته الأولى وبدايات فرض سيطرته على مواقع من سوريا، وهي الأجواء التي واكبت إصداره “لهيب الحرب” في جزئه الأول في سبتمبر 2014، الذي تزامن مع تمكّن عناصر التنظيم من السيطرة على أماكن أخرى في العراق.

وبهدف غسل سمعته والتخفيف من ثقل الهزيمة وآثارها حاليا، اعترف التنظيم ضمنيا بخسارته لكافة الأراضي التي سيطر عليها في العام 2014 في كل من سوريا والعراق.

مشددا على أن ما حدث لا يعني النهاية، زاعما أنه لا أحد مهما بلغت قوته قادر على إيقافه.

ومنذ خسارة داعش الأراضي التي كان يسيطر عليها في سوريا والعراق، حاول التنظيم البحث عن بدائل سريعة لإنقاذ الهيكل التنظيمي من التدمير فكريا وماديا.

فاتجه تارة إلى شرق آسيا محاولا تأسيس إمارة إسلامية بجزيرة مراوي بالفلبين، وتارة أخرى شرقا نحو ليبيا وسيناء عبر خلق حالة من الفوضى مستغلا الصحراء الشاسعة بين مصر وليبيا، حيث يسعى أيضا لتكوين إمارات أوسع تكون مقرات للخلافة بأفريقيا في نيجيريا والصومال.

ويستعيد تنظيم داعش في سيناء أجواء نشأته الأولى في كل من العراق وسوريا، من جهة الخلافات الفكرية بشأن التوسع في استهداف المدنيين كتلك التي وقعت بين أبومصعب الزرقاوي وأسامة بن لادن، أو اعتبار سيناء مركزه الجديد بإسناد ليبي كنموذجي العراق وسوريا، معتمدا على وجود عناصر له، ومستفيدا من بعض الدلالات الدينية لمنطقة سيناء عموما.

ويسعى التنظيم إلى إنقاذ أيديولوجيته الفكرية قبل البقاء الميداني، ويبني فكره الأساسي حول كونه “دولة الخلافة الإسلامية الجديدة” التي ستقود أمة الإسلام في المرحلة المقبلة.

الرسالة الرئيسية التي حملها إصدار “لهيب الحرب 2” هي أن “التنظيم يبدأ من سيناء مرحلة جهاد جديدة”، وأنه في وارد استعادة مكانته ورد اعتباره من خلال استخدام نفس الأساليب الوحشية ضد خصومه، لذلك استدعى في الشريط مشاهد قديمة مصورة لممارسات أعضائه الوحشية في حق المدنيين والأسرى.

ويرى خبراء أن إظهار سيناء وكأنها وجهة داعش بعد خسارته في سوريا والعراق تطلب من التنظيم التصعيد في وحشيته عمليا على الأرض لتكرار مستوى ظهوره الأول الذي كان سببا في تمدده بالمدن السورية، وهو ما حققه في هجوم مسجد الروضة ببئر العبد.

ويلفت خبراء في شؤون الحركات الجهادية إلى أن داعش سيناء ليس في حاجة لإعلان مسؤوليته عن اعتداء مسجد الروضة الأخير، فالهجوم مدبر في سياق عدة خطوات لإعلان انطلاقة داعش الجديدة من قلب سيناء.

ورصد متابعون كيفية استثمار هذه الوقائع ومن ضمنها الإصدار المصور الجديد عبر وسائل التواصل ومواقع الإنترنت لاستقطاب مقاتلين جدد لدعم حضور التنظيم في سيناء باعتبارها البقعة المثلى لاحتضانه.

ودأب التنظيم على تنفيذ عمليات كبيرة تمثل رمزية ذات أبعاد طائفية، في محاولة لاستعادة مواقعه وتعزيز الروح المعنوية لأتباعه واكتساب مقاتلين جدد.

ودعا البغدادي خلال المقطع المصور مساعديه إلى تعويض هزائم التنظيم في العراق وسوريا بالتوجه إلى جنوب ليبيا كمحطة إعداد وتحشيد وتوزيع مهام، ومنها التحضير لاستهداف دول الجوار العربي وتحديدا الجزائر ومصر وتونس.

وبرّر البغدادي هزائم التنظيم في العراق وسوريا باعتبارها “حربا فرضتها متغيّرات العالم”، معتبرا ليبيا الساحة القادمة ومن ثم رفع الراية في مصر ودول الجوار.

ونظرا لمحدودية المساحة التي يتحرك فيها التنظيم بسيناء وتبلغ ثلاثة بالمئة، لجأ إلى التمدد مستحدثا ما أسماه “جيش الصحراء” جنوب مدينة سرت الليبية، بالتزامن مع محاولة خلق حضور له في واحة سيوة والظهير الصحراوي لمحافظات الصعيد خاصة محافظة أسيوط وصحراء الواحات لتخفيف الضغط عن سيناء.

وينتقل مقاتلو التنظيم من ليبيا إلى سيناء عبر واحة “جغبوب” عبر الحدود الغربية لمصر، حيث تجد قوات الأمن صعوبة في تأمين المنطقة الحدودية الغربية بالكامل نظرا لطولها ووعورة تضاريسها.

ولفتت مصادر أمنية إلى أن البغدادي يستخدم نفس استراتيجية تمدد تنظيمه السابق في العراق وسوريا عبر تطبيق تكتيك كسر الحدود بعد التمكن من السيطرة على بعض المدن، منطلقا منه لتهديد البلدان المجاورة.

ويرى الخبير الاستراتيجي اللواء طلعت موسى أن حضور الدولة المصرية بكامل ثقلها العسكري والأمني في هذه المرحلة بسيناء يمثل أولوية قصوى، بالنظر إلى ما يمثله هذا التهديد على أمنها القومي، مشددا على أن التنظيم لم ينجح في كل من سوريا والعراق إلا بسبب ضعف الدولة وهشاشة مؤسساتها الأمنية.

ودأب التنظيم في إصداراته المرئية على مخاطبة أعضاء جماعة الإخوان، وتكرر إلحاحه في إصدار “صولة الأنصار” بجزأيه وإصدار “صاعقات القلوب” ثم أخيرا عبر رسائل إصدار “لهيب الحرب 2”، على دعوة أنصار الجماعة وأعضائها للانضمام إلى داعش كسبيل أوحد للخروج من أزمتها وإنقاذ قادتها.

ويجد خبراء أن ظاهرة ما عرف بـ”الإخوانية الجهادية” التي تؤشر لانضمام أعضاء من الإخوان لداعش أو تأسيس البعض منهم لخلايا مسلحة مستقلة هي أحد رهانات داعش لاستقطاب عناصر جديدة بالترويج للمظلومية السياسية، ما يتلاقى مع رهانات جماعة الإخوان على “تصدع وانهيار الدولة المصرية” كسبيل وحيد لعودتها من جديد للمشهد.

وقال إمام مسجد الأزهر بالقاهرة الشيخ أسامة الحديدي إن مواجهة خطط داعش “لا تتوقف فقط على مواجهة أفكاره المتطرفة بل تتطلب حضور الدولة بكامل مؤسساتها”.

ويخوض داعش تحدّيا ضد مقاتلي القاعدة الذي جاهر بمنافسته لسلطة داعش عبر بيانات إدانة لعملياته ضد المدنيين.

ويعد الاشتباك بين مجموعة من تنظيم جند الإسلام القاعدي ومسلحين تابعين لداعش بداية لمواجهة أشمل شبيهة بمواجهات الطرفين في سوريا.

ويضع تنظيم داعش عينه على تحركات القبائل ويظهر حرصه من خلفيات عملياته التي تترك أكثر من أثر في مسارات عدة، على ألا تتطور العلاقات بين القبائل والأجهزة الأمنية المصرية إلى مستويات ما واجهه في العراق، عندما قضت صحوات القبائل السنية العراقية على الجانب الأكبر من قوّته.

اخر المقالات