حقيقة تهديد “الدولة الاسلامية”الى بغداد .بقلم ـ جاسم محمد

حقيقة تهديد “الدولة الاسلامية”الى بغداد .بقلم ـ جاسم محمد

تهديد”الدولة الإسلامية” لمدينة بغداد بين الحقيقة والطموحات

uuuuuحقيقة تهديد “الدولة الاسلامية”الى بغداد

بقلم ـ جاسم محمد، باحث في قضايا الارهاب والاستخبارات

شبكة رؤية الاخبارية

أظهر تنظيم الدولة الاسلامية امكانية فنية في ادارة اركان الحرب في العراق وسوريا، ليظهر بانه ليس تنظيما جهاديا بقدر ما يكون مؤسسة عسكرية عقائدية تجمع الولاء والطاعة والقدرة العسكرية. إن الإستراتيجية التي يتبعها التنظيم في مواجهاته على الارض، مازالت تقوم على الامكانيات الاستخبارية والمخادعة، فهو يفتح اكثر من جبهة في ان واحد ويقاتل على جبهات متعددة. التنظيم يعتمد اسلوب التحشيد الى معركة رئيسية تقع ضمن خارطة حدود دولته التي رسمها بين العراق وسوريا، وفي نفس الوقت يفتح جبهات بمجاميع صغيرة في مناطق جغرافية بعيدة والتي . مايحصل في كوباني التي تعتبر معركة وجبهة رئيسية، ينفذ التنظيم عمليات عسكرية منظمة استطاع فيها السيطرة على بعض مناطق والبلدات في

مدينة الانبار ابرزها بلدة هيت وتهديده  مدينة حديثة وقاعدة “عين الاسد “العسكرية. التقارير من داخل مدينة الانبار كشفت، ان من يقاتل هناك هم من الجماعات المسلحة المتحالفة مع ابو بكر البغدادي اكثر من التنظيم نفسه. إن الخارطة التي يمتد عليها هذا التنظيم، يثير الكثير من التسائولات حول مصداقية تقديرات وكالة الاستخبارات المركزية واستخبارات اخرى والتي قدرت حجم التنظيم خلال شهر اوغست 2014 ب ثمانية عشر الف مقاتلا! رغم ان المرصد السوري قدر حجم التنظيم انذاك ب مائة وعشرون الف مقاتلا، لكن رغم ذلك فأن العمليات العسكرية في العراق وسوريا تعكس بان حجم التنظيم اكثر من ذلك. لقد تصاعد حجم التنظيم في اعقاب اعلان الخلافة وحصل على بيعات من تنظيمات “جهادية” امتدت الى افغانستان والهند والقوقاز ودول اخرى. ان اعلان البيعة الى ابو بكر البغدادي يعني تدفق مقاتلين جدد الى التنظيم، وربما يكون ذلك وراء اندفاعه بأتجاه بلدة كوباني عند الحدود السورية التركية، رغم ان كوباني والمناطق التي يتواجد فيها التنظيم تمثل خارطة اهتمام وطموحات تركيا ابرزها التخلص من حزب العمل الكوردي.

الموقف الميداني للقوات العراقية

محافظة ديالى، حوض حمرين

يتمثل بأحراز تقدم واسترجاع مناطق من سيطرة التنظيم في حوض حمرين، محافظة ديالى، وهذه العمليات تدار بالاشتراك مع الميليشيات الشيعية المسلحة  ومتطوعين”الحشد الشعبي”. وتأتي امكانية القوات العراقية بالتقدم في محافظة ديالى، تحديدا المناطق التي لاتمثل حاضنة وملاذ الى التنظيم، ليبرهن ان الحواضن والملاذات هي من تحدد وجود التنظيم قبل قوته العسكرية او قدرة الجيش العراقي.

محافظة صلاح الدين

أما في محافظة صلاح الدين، فأن الجيش العراقي وقوات التي تقاتل بدعم “الحشد الشعبي” مازالت لم تستطيع تحرير المدينة وحافظت على اطراف  ومشارف محافظة صلاح الدين، بسبب تمترس مقاتلي التنظيم والجماعات المتحالفة معه في المربع الامني للمحافظة، وتراهن الجماعة على سحب الجيش الى مواجهة حرب الشوارع، التي يحاول الجيش تجنبها، وهذا مافشل قدرة القوات العراقية من احراز تقدم. يشار ان القوات العراقية سوف تشهد تحديا اكبر كلما تقدمت شمالا تحديدا في منطقة ” بيجي” التي تمثل ابرز معاقل التنظيم، وكانت تمثل غالبية ضباط وجنود الجيش العراقي من النظام السابق ماقبل 2003. الانتقادات الموجهة الى اهالي وعشائر محافظة صلاح الدين، بأنهم لايرغبون الدخول في مواجهة ضد “الدولة الاسلامية” رغم رفضهم لها، وهنالك اعداد اضطرت ترك منازلا، لانها لاتريد ان تكون وسط المواجهة مابين “الدولة الاسلامية” والجيش العراقي وهذا ما اكدته شهادات من اهالي صلاح الدين.

محافظة الانبار

المشهد يختلف في محافظة الانبار، كونه منقسم مع غالبية الى جانب تنظيم “الدولة الاسلامية” والجماعات المسلحة المتحالفة معها، بعد ان اعلنت “مجلس ثوار العشائر” عام 2014، وبدئت تفضل تنظيم  ابو بكر البغدادي على دخول الميليشيات الشيعية الى الانبار حسب وصف البعض منها، وهذا يعكس بأن تنظيم “الدولة الاسلامية” نجح بالفعل بتغذية روح العداء والطائفية مابين العراقين. المشكلة في الانبار تكاد تكون معقدة ومركبة، فهي تدفع بلائمة الخلافات ما بينها وبين ممثليها في البرلمان والكتل السياسية على الحكومة العراقية. اهالي الانبار سبق لهم ان طهرت مدنها من تنظيم القاعدة عام 2005 ـ 2006، لكنها اليوم اصبحت منقسمة على نفسها مابين مؤيد الى جماعة ابو بكر البغدادي واخرى للحكومة.
الانتقادت توجه الى الكتل والقيادات السياسية لمحافظة الانبار، بعدم مشاركتها المواطن العراقي، السكان المحليين محنتهم، واختارت هذه القيادات البقاء في عمان ـ الاردن واربيل ـ اقليم كوردستان العراق، لتبرهن بأنها فعلا لا تمثل الاصوات التي اوصلتها الى البرلمان والحكومة. مازال اهالي الانبار يعيشون مأساة انسانية بسبب التهجير القسري وترك منازلهم والبعض راح ضحية المواجهات مابين قوات الجيش وتنظيم “الدولة الاسلامية” والبعض اتجه الى اقليم كوردستان والمحافظات الوسطى منها كربلاء وبابل وبغداد واغلبهم من ذوي الدخل المحدود. فألكارثة في العراق لا تضرب الا المواطن ان كان سنيا او شيعيا امام طبقة سياسية حاكمة، لم تاتي بخير لهذا البلد.

تهديد مدينة بغداد

مازال الوضع الامني في بغداد يواجه تراجعا، وتشهد بغداد عدد من التفجيرات خاصة في المناطق الشيعية المغلقة ابرزها مدينة الكاظمية المقدسة في جانب الكرخ وبغداد الجديدة في جانب الرصافة والمناطق القريبة من حزام بغداد. السبب يكمن بقرب ومحاذات هذه المناطق الى اطراف ـ حزام بغداد الذي عرف بأنه يمثل ملاذات امنه الى التنظيم، فسبق ان استعرض التنظيم على سبيل المثال منتصف عام 2014 في مدينة ابو غريب وتنفيذ غزوات هدم الاسوار منها سجن ابو غريب غرب مدينة بغداد والذي لايبعد اكثر من عشرين كلم وكذلك في سجن الحوت، بلدة التاجي، شمال بغداد، دون ان تتمكن القوات العراقية من ايقاف تلك العمليات التي اخذت طابع استعراضي يتكرر يوميا بتفجير سيارات مفخخة ودخول “انغماسيين” انتحاريين الى داخل مقرات ودوائر الدولة منها دائرة مكافحة الارهاب في بغداد الرصافة و وزارة الخارجية والعدل واخراج اعداد المعتقلين من الخط الاول للتنظيم.

إن وجود التنظيم في محافظة الانبار بدون شك يمثل تهديدا الى مدينة بغداد كون المحافظة  قريبة من بغداد ولا تبعد الا عشرات الكيلومترات من بغداد، بالاضافة الى التداخل السكاني مابين مدينة بغداد والانبار، اما عامرية الفلوجة فتعتبر امتداد لوصول التنظيم الى محافظة بابل  و”مثلث الموت”. إن وجود التنظيم في محافظة الانبارلم يكن وليد اليوم، فقد كانت القاعدة ـ تنظيم “التوحيد والجهاد” وتنظيمات سلفية جهادية اخرى موجودة في الانبار مابعد عام 2003، لكن المشكلة هي بوجود متغيرات جديدة ابرزها قدرة وقوة هذه الجماعات التي بدئت شهيتها تنفتح بالتوسع امام تراجع القوات العراقية في محافظة الانبار ابرزها سيطرتها على بلدة “كبيسة” و”هيت” خلال شهر سبتمبر 2014، وماهو معروف عن هذا التنظيم  انه يستغل حالة “النصر” ليكمل على خصومه بالاندفاع السريع. التنظيم يستغل حالة الوهج التي يعيشها ورفع معنويات مقاتليه بالاندفاع نحو المدن لتتحول حركته الى قفزات ميدانيا.

التقارير من داخل مدينة الانبار كشفت بان التنظيم يتحرك بخلايا عمل صغيرة لكن بتسلح وعتاد كبير وربما هذا كان وراء الكثافة النارية التي يستخدمها التنظيم في مواجهاته الميدانية، بالاضافة الى التقنية  منها قاذفات محمولة مضادة للطيران والدروع  والهندسة العسكرية  والقنص من اعالي المباني والتمترس في المدن. ورغم ذلك فأن انتشار التنظيم في الانبار لا يعني تهديدا الى مدينة بغداد التي باتت اليوم محصنة نسبيا اكثر من تاريخ اجتياح مدينة الموصل في 10 يونيو 2014. الخطر الكامن في مدينة بغداد ربما ليس في عمليات عسكرية واسعة بقدر رهان التنظيم على تنفيذ عمليات انتحارية في مدينة بغداد، من الداخل وان استمرار هذه العمليات الانتحارية، من شانه يؤجج النعرات الطائفية داخل مدينة بغداد ان استمرت طويلا خلال هذه المرحلة.

قدرات الأمن والدفاع

إن قدرة التنظيم بألاستمرار والمطاولة بتنفيذ عمليات انتحارية ضد اهداف نوعية او سهلة داخل مدينة بغداد يثير الكثير من التسائولات: إن كانت هذه الخلايا تعتمد بتنفيذ عملياتها على مخزونها من السيارات المفخخة والمتفجرات، ربما اسهل، لكن مايحدث الان من عمليات انتحارية وتفجيرات يتعدى المخزون، وهذا ما يعطي اشارة انذار، الى ان قوات الامن والدفاع في بغداد مازالت مخترقة، رغم الاجرائات الاحترازية التي اتخذتها الحكومة ورغم الحشد الشعبي. وهذا يتطلب من الحكومة العراقية، بمراجعة خططها الامنية وإستراتيجياتها، وعدم الاعتماد على طيران التحالف والاميركي، لان الفيصل هو بقدرة ادارة الملف الامني، فمازالت شخصيات تدير اركان حرب العراق وهي غير مؤهلة وغير حاصلة على شهادة الاركان، ونفس المشكلة تنطبق على بعض القيادات الميدانية.

وهذا يعني ان الحكومة العراقية برئاسة حيدر العبادي مازالت تعيش هاجس تشكيل الحكومة وادارة الاصلاحات اكثر من مواجهة الارهاب في العراق وتحديدا في بغداد. الحكومة العراقية الجديدة اتخذت بعض الخطوات بالاتجاه الصحيح، والتي ربما تمثل رغبة عامة المواطن البغدادي والعراقي، ابرزها عدم حصر وزارة الدفاع والداخلية برئيس الحكومة، رغم عدم تسمية مرشحيها لحد الان وحل مكتب القائد العام للقوات المسلحة واحالة عدد من الضباط من ذوي الرتب المتقدمة الى التقاعد والاكثر هو قرار رئيس الحكومة باعادة النظر بالرتب التي حصل عليها القادة العسكريين دون استحقاق منها “الدمج ” والتي كانت تمنح “هبة” من قبل الكتل السياسية المشتركة في الحكومة والتي حولت الامن والدفاع الى خزان بشري، مع استهلاك الى موازنة وميزانية الدولة العراقية.
إن حجم الخطر الذي تتعرض له مدينة بغداد ربما لايكمن في قوة التنظيم بقدر وجود ملاذات وخلايا انتحارية فاعلة داخل مدينة بغداد، اما العامل الثاني فهو قدرة وامكانية مؤسسات الامن والدفاع في ادارة الملف الامني والدفاع خلال هذه المرحلة الحرجة الذي يفوق اهمية نشر القوات على الارض داخل المدن.
فلحد الان مازالت قيادة اركان الدفاع العراقية تعاني من  الترهل والنقص في الخبرات والكفائات وتخضع للتسييس والفساد والمحاصصة. هذه التطورات تعكس مدى ترابط الامن بالعملية السياسية في العراق، لكن تبقى الخطوات التي اتخذتها الحكومة الان بالاتجاه الصحيح، لاخراج البلد من حافة الخطر.

 

*نشر في شبكة رؤية الاخبارية

اخر المقالات