حقائق عن التدريب في بناء القوات المسلحة

2387974302 4e314e0572 zحقائق عن التدريب في بناء القوات المسلحة

بقلم ـ هشام العلي ـ باحث في الدفاع و التسلح

يتطلب بناء القوات المسلحة وتهيئتها لمواجهة تطورات الحرب ومفاجئاتها تركيزا كبيرا على الاعداد الكفوء للافراد , وذلك من خلال بناء قاعدة تدريبيه مستمره يتم النظر اليها على انها الركيزه الاساسيه لرفع قدرات المقاتلين في استخدام الاسلحة

على مختلف انواعها , اضافة الى تعزيز القدرة على الاشتباك القريب , خصوصا في الحرب شبه النظاميه والتي فرضت نفسها بالحاح بسبب عدم تكافوء اطراف الحرب الحديثه ما جعل الطرف الاضعف في الصراع يتخذ اسلوب حرب العصابات وهي مسألة طبيعية وازليه عرفتها الحروب في كل زمان ومكان .
 يعتبر التدريب في المفاهيم العسكريه العامة هو العملية الفعاله والمطلوبه باستمرار لاعداد المقاتلين من اجل بلوغ الكفاءه الفنيه والمهنيه والنفسيه للاداء القتالي الامثل والذي يصب في غاية ( كسب المعركة باقل الخسائر) , حيث يتم اعداد المقاتل لاستخدام السلاح وحماية نفسه وتجهيزاته وايقاع اكبر ما يمكن من خسائر في صفوف العدو . ويخطئ جدا من يعتقد ان التدريب هو وسيلة تمهيديه لتعليم المقاتلين في بداية التحاقهم للخدمة من خلال الحاقهم بدورات لتعلم استخدام السلاح واجراء الفعاليات القتاليه وزيادة اللياقه البدنية فحسب , لكون التدريب الحقيقي هو فعاليات تمارسها الوحدات العسكرية باستمرار ليلا ونهارا ولكافة الرتب والمراحل من اجل تناقل الخبرات واتقان الفعاليات القتاليه حيث يتم صنع معارك وهمية تتكرر دائما ويعيشها المقاتلون حتى يكونوا دائما على مستوى يؤهلهم لمواجهة المعركة الحقيقية باقل ما يمكن من ارتباك في تحديد الواجبات والاهداف مع الاداء المتناغم السليم والعمل كفريق مشترك يملك لغة واحدة وخواص سيكولوجية تؤهله للعمل كجهاز واحد , كما تؤهل الضباط والقيادات على كافة المستويات للمعرفة الدقيقة بخصائص الاسلحة ومميزات الجنود وصفات الافراد ما يرفع كفائتهم في الميدان ويجعلهم قادرين على الموازنة بين الموقف العام والطوارئ من جهة والامكانيات البشرية والمادية من جهة اخرى ما يؤدي الى اتخاذ القرارات الصحيحة التي تصب في مفهومي التعبئة وفن العمليات .

 من خلال خبراتنا في العمل ضمن الوحدات العسكرية المقاتلة قبل اكثر من عقد كنا نرى ان التدريب المستمر للمقاتلين يعزز لديهم الثقة بالنفس وخاصية الابداع الذاتي مع الحفاظ الدائم على المهارات والحيلوله دون تعرضها للضعف مستقبلا , اضافة الى تطوير القدرات الذهنية والحسية وجعلهم اكثر كفاءة في اجتياز العوائق والمعضلات والمفاجئات التي تكثر اثناء الحرب , كما كنا نرى ايضا ان اي تهاون في النشاطات التدريبية يؤدي الى تراخي منتسبي الوحدات بكافة مستوياتهم , وبالتالي يؤدي الى الشعور بالملل ومن ثم الاحباط .
وكان السبب الرئيسي لاهمال الجانب التدريبي انذاك هو فعاليات الانتشار والتخفي والمناورة التي كانت تضطر لممارستها الوحدات لتضليل الجهد الجوي المعادي المتفوق , واحيانا عندما تنتشر الوحدات لمسك  مواضع قتاليه حينما تشك القيادات في ان الحرب اصبحت على الابواب.. ما دعانى الى التطرق لهذا الموضوع هو ظاهرة قرارات التدريب التي يتخذها الغرب وفي مقدمتهم واشنطن لغرض دعم المقاتلين السوريين ومن ثم الجيش العراقي من اجل ( رفع قدراتهم القتاليه وتاهيلهم لدحر النظام السوري والقضاء على المسلحين في العراق ) وهي ظاهرة لا تخلو من غرابه حيث لا يمكن ان يقتنع فيها اي مختص بالعلوم العسكرية ولا يمكن ان نرى كمختصين اية جدوى منها كونها مجرد فعاليات يتم من خلالها تعليم المقاتل كيفية اقتحام المباني والتقدم التقليدي في الميدان وتكرار تلك الفعاليات من قبل المقاتلين لمرات معدودة , حيث يتم ايهام المقاتل بان تلك الفعاليات سوف تؤهله لاقتحام ميدان المعركه والتمرس في حرب العصابات والمدن .. في الحين ان الاشتباك القريب الفعلي سوف يبدد كل تلك الاوهام حيث يحتاج ذلك المقاتل الى الاستعداد النفسي والعاطفي والى الثقة بالنفس والقيادة والى الكفاءة في العمل الجماعي وذلك ما لم يمنحه اياه ذلك التدريب الذي ربما استمر لعدة اسابيع او ربما ايام وعلى يد المستشارين الغربيين .

 اعتقد ان البنتاغون والغرب بصورة عامة يدركون ذلك جيدا ويعلمون ان تلك الفعاليات التدريبية لا ترتقي الى قاعدة التدريب المعروفه عسكريا بقدر ما هي مجرد دروس للتعليم العملي على ممارسة بعض الفعاليات القتاليه . لكن مع ذلك يصر الغرب على اعلان ( دعمه ) لجهود الحكومة العراقية في قتال مسلحي ما يعرف بالدولة الاسلامية وجهود المعارضة السورية المعتدله في قتال النظام السوري من خلال ارسال مستشارين ( لتدريب المقاتلين ) ذلك الذي نراه مجرد محاولة للتملص الغربي من الازمة الاخلاقية التي فرضتها حربي العراق وسوريا وايهام العالم بان هناك دعم فعلي من قبل الغرب . قد تكون بعض الفعاليات التعليميه مجدية بالنسبة لمقاتلي المعارضة السورية وبعض فصائل الحشد الشعبي في العراق لكونهم يملكون استعدادا نفسيا لاقتحام المعركة مدفوعا بعاطفة عقائدية لكن تبقى هناك شكوك في قدراتهم على اتخاذ القرارات الصحيحة والتناغم في العمل الجماعي اثناء الاشتباك والذي يفرض مفاجئات ومعضلات تتطلب تمرس عالي في القيادة والسيطرة وذلك ما لم تمنحه اياهم فعاليات التدريب الغربية ايضا . اما عن الجيش العراقي فاعتقد ان خضوعه لما يسمى ( التدريب ) على الطريقة الامريكية هو مجرد مضيعه للوقت لعدم وجود ارادة حقيقية للقتال وللاسباب التي ذكرتها في مقالة سابقة بعنوان ( المعركة الحديثة ومأزق الجندي العراقي ) , ولذلك اقترح ان يتم العمل على تكثيف الدورات الاساسية للمقاتلين الملتحقين حديثا وعلى كافة مستوياتهم مع اطالة فترة تلك الدورات ما امكن اضافة الى تحصين الوحدات المقاتلة وتاهليها لتكون قادرة على الاحتفاظ بمبدأ الاسناد المتبادل ومن ثم التركيز على وضع مناهج تدريبية مستمره تلازم المقاتلين في تلك الوحدات لتاهيلهم نفسيا وعاطفيا وفنيا للقتال الليلي والنهاري ومواجهة احتمالات الميدان وهذا الاقتراح ليس مجرد خطة انية يمكن تنفيذها خلال يوم وليلة بقدر ما هي استراتيجية بعيدة المدى لاعداد جيش مؤهل يمتلك الكفاءة والمهنية لمواجهة الخطر الذي يهدد الامن الوطني في العراق بصورة تزداد خطورتها ساعة بعد ساعة . اما المستشارون الغربيون فمن الممكن الاستفادة من خبراتهم في اجراء بعض الفعاليات التعليمية على ان يتم تحويلها الى ممارسات مكثفة ومتكرره ومستمرة تلازم المقاتلين دائما كي نستطيع ان نطلق عليها عنوان التدريب) )

اخر المقالات