حادثة “شارلي ايبيدو” ارهاب كامن في اوربا

حادثة “شارلي ايبيدو” ارهاب كامن في اوربا

 80170634 80170633حادثة “شارلي ايبيدو” ارهاب كامن في اوربا

خطر “الجهاديين” الاجانب على أوربا

رؤية ـ جاسم محمد، باحث في قضايا الإرهاب والإستخبار

ذكرت السلطات الفرنسية يوم 07.01.2015  أن هجوما مسلحا استهدف مقر صحيفة “شارلي إيبدو” الساخرة في باريس أسفر عن مقتل 11 شخصا وإصابة عشرة آخرين خمسة منهم حالتهم خطيرة. وكانت وكالة الأنباء الفرنسية ذكرت أن العملية قام بها شخصان قبل أن يلوذا بالفرار. وتحدثت بعض الأنباء عن وقوع ضحايا وقال مصدر قريب من الصحيفة “حوالى الساعة 11,30 اقتحم رجلان يحملان رشاش كلاشنيكوف وقاذفة صواريخ مقر شارلي إيبدو في الدائرة الحادية عشرة من باريس وحصل تبادل إطلاق نار مع قوات الأمن” ما أدى إلى وقوع جريحين.

الهجوم، هذه المرة جاء بتوقيت مابعد انتهاء اعياد الميلاد، وانتهاء حالة انذار الامن المشدد في باريس والمدن الفرنسية. اما الهدف فسبق ان تم استهداف الصحيفة في قنبلة في وقت سابق، كون صحيفة شارلي  ايبيدو نشرت صور كارتون ساخرة الى الرسول (ص) عام 2005 واعقبه عدة مرات. المهاجمون كانوا على مستوى عالي من التدريب من الطريقة التي تم التحرك فيها والهدؤ، وطريقة حمل السلاح، ممايعني انهم تدربوا جيدا على تنفيذ مثل هذه العمليات.التحقيقات الاولية كشفت الاشتباه باخوة اثنين، سعيد وشريف الكواشي شمال فرنسا، ومشتبه ثالث يدعى مراد في الثامنة عشر من عمره سلم نفسه للسلطات الفرنسية، بعد  ورود اسمه على التواصل الاجتماعي، التحري والتحقيقات مستمرة وهنالك اعتقالات لعدد من المشتبه بهم. الحادث شهد ادانات دولية وعربية واسعة وحملات تعاطف في اوربا مع الضحايا، باعتباره هجوم ارهابي.
اصبحت اوروبا واحدة من بين المناطقة الجغرافية التي تمدد اليها ” الجهاد” رغم البعد الجغرافي نسبياً. الاوروبيون كانو حريصين على مكافحة الارهاب في دول  الصراع لكي لايقترب كثيراً من الضفة الأخرى للبحر الابيض المتوسط. لكن رغم هذه السياسات الاحترازية، تحولت اوروبا الى مناطق لتدفق اللاجئين الى سوريا ، ابرزها من بلجيكيا وهولندا والمانيا وبريطانيا. تزايد في الآونة الأخيرة عدد الإسلاميين الأوربيين الذين يلتحقون بالجماعات المتطرفة للجهاد في صفوفها. وينشغل السياسيون بالبحث عن الأسباب وراء الظاهرة، وتعديل القوانين للتحكم فيهم.
وعبرت وزارة الداخلية الألمانية عن قلقها من تنامي ظاهرة سفر متشددين ألمان للانضمام في صفوف تنظيم “الدولة الإسلامية”. وكشفت استخبارات دول الاتحاد الاوربي عن وجود شبكات عمل نشطة تقوم بتجنيد الشباب داخل اوربا خاصة من النساء السلفيات لغرض الالتحاق بالقتال في سوريا. الدراسات اظهرت بان بعض الفتيات ومنهن القاصرات توجهن للقتال في سوريا، بعد ان تعرفن على شباب مقاتليين على النت وشبكة التواصل الاجتماعي.
بعض الشباب قرر الالتحاق ب “الدولة الاسلامية” في العراق وسوريا بعد ان تعرض الى غسيل ايدلوجي بعد عرض صور الى قتل اطفال واغتصاب نساء، وهي تخاطب الشباب تحت اسم النخوة والدفاع عن الحرائر والحرمات. هذه الصور وغيرها من المواد الاعلامية الي يعرضها”الدولة الاسلامية” وغيره من التنظيمات، هي مواد مدروسة ومعدة مسبقا لكسب اعداد جديدة من المقاتليين. يشهد تنظيم “الدولة الاسلامية” والتنظيمات “الجهادية” الاخرى تصاعدا بالتمويل واعداد المقاتليين في كل مرة يتعرض له التنظيم من ضربات، كونه يستثمر الصور الفضيعة والمروعة اعلاميا بطريقة عكسية.
الخطر الذي يواجه دول الاتحاد الاوربي
ومما يزيد من الخطر الذي يواجه دول الاتحاد الاوربي هو أن معظم الاوربيين الذين توجهوا إلى سوريا انضموا إلى تنظيمات”جهادية” اعتبرت الغرب هدفا لها. وكما هو مفصل في تقرير وكالة الأمن والاستخبارات العامة الهولندية  بعنوان “تحول الجهادية في هولندا” الذي صرح به “روب بيرثولي” رئيس الوكالة الى معهد واشنطن، فإن الخطة الحالية لمعالجة الحركة الجهادية تتألف من:

•    الحد من المخاطر، مثل إلغاء جوازات السفر ورصد سفر الأفراد الذين يشكلون خطراً محتملاً عبر الحدود.
•     التدخل في نشاطات السفر عندما تبرز أسباب جدية تدعو إلى القلق، خاصة إذا كان الأمر يتعلق بالأطفال.
•    إيجاد أولئك الذين يعملون على تجنيد المقاتلين وإحباط عملهم ومحاكمتهم عندما يكون ذلك ممكناً.
•     منع التطرف، ومن المرجح أنه أصعب الفصول من حيث التنفيذ إذ لا بد للحكومة من أن تعمل مع المجتمع المسلم وأن تستخدم كل المعلومات والسلطة التي يتمتع بها هذا المجتمع.
•    مراقبة وسائل الإعلام الاجتماعية، الذي يشكّل أمراً أساسياً. وتقوم سياسة الحكومة الهولندية على مراقبة المنتديات وإرسال إشعار لمقدمي خدمات الإنترنت بإغلاق المواقع حالما يتم استخدامها لنشر الفكر المتطرف.
الخلايا الفردية
الخلايا الفردية، او الذئاب المنفردة المتوحدة ربما هي الاكثر احتمالا في اوربا، هذه الخلايا تنشط كون تقوم على القدرات الذاتية ويقوم بها شخص واحد دون وجود ارتباط تنظيميا مباشر اي عدم وجود اتصالات مباشرة مع التنظيم. هذا النوع من الخلايا ممكن ان يقوم بمحاولة صنع قنابل بامكانيات ذاتية وفقا لدروس خضع لها على النت، وباستخدام الكلور اومواد كيميائية متوفر في السوق يمكن تحويلها لاغراض ارهابية. وهذا النوع من العمليات يعتبر تحدي كبير الى الاستخبارات عموما، لعدم وجود اتصالات يمكن مراقبتها او كشفها بوقت سابق. المشكلة التي تواجهها دول الاتحاد الاوربي، احيانا صعوبة التنسيق وسرعة تنفيذ الاجرائات ضد المشتبه بهم، كون دول الاتحاد الاوربي تسمح لمواطنيها التنقل في داخلها بدون جواز سفر او سيطرة على الحدود داخل دول الاتحاد.

سياسات أوربية

صرح رئيس الوكالة الحكومية للجمعيات الخيرية في بريطانيا  2014 إن التطرف الإسلامي بات المشكلة الأشد فتكا بهذه الجمعيات، معتبرا بأن من المستغرب أن المدانين بالارهاب أو غسيل الاموال لا يتم منعهم تلقائيا من تأسيس الجمعيات أو تمتعهم بعضوية مجالس إداراتها. وفي ذات السياق، عقدت الدول الأوروبية التسع المعنية أكثر بملف المقاتلين الأجانب، اجتماعا في مايو 2014 في بروكسل بحضور ممثلين عن الولايات المتحدة وتركيا والمغرب والأردن وتونس. وسبق ان اعتمدت فرنسا قبل هذا الاجتماع خطة في محاولة لمنع مجندين للقتال في سوريا وقد تبنت بلجيكا إجراءات مماثلة في أبريل 2013 وأنشأت بلجيكا وفرنسا فريقا غير رسمي يضم وزراء الداخلية في عشر دول أوروبية منها بريطانيا وهولندا وإسبانيا. وكشف وزير الداخلية الألماني “توماس دو ميزيير” عن انضمام نحو 550 ألمانيا إلى صفوف تنظيم داعش في سورية والعراق وهو عدد يفوق العدد المعلن عنه حتى اليوم وكان المنسق الأوروبي لمكافحة الإرهاب “جيل دو كيرشوف” أكد في تصريح له تزايد أعداد “الجهاديين”الأوروبيين الذين توجهوا إلى سورية والعراق وانضموا إلى التنظيمات الإرهابية فيهما إلى نحو ثلاثة آلاف. وحسب تقرير الأمم المتّحدة ونقلًا عن ذي غارديان، فأن 15 ألف شخص من 80 دولة التحقوا بالجماعات الأصولية في العراق وسوريا. وعلى المستوى الأوروبي 3000 مواطن غادروا من أجل “الجهاد” حسب الأرقام الّتي طرحها المنسق الأوروبي من أجل مكافحة الإرهاب “جيل دو كرشوف”. وتمثل بلجيكا والمملكة المتّحدة وفرنسا  أكبر عدد من الجهاديين الغربيين.

وتحاول  بعض الحكومة الحكومات الاوربية ان تمد يد المساعدة الى الراغبين بالتخلي عن “الجهاد” بجهود داعمة من وزارات العدل التي من المقرر ان تاخذ خطوات واجرائات قضائية لمعالجة هذا الفكر المتطرف، هذه الاجرائات ممكن ان تتضمن تخفيف العقوبات وطرق التحقيق، ولا يستبعد ا تكون هنالك معالجة فكريا اي بالمناصحة على غرار ماتعمله بعض الدول العربية في المنطقة. لقد اعتبرت المانيا ألمانيا تنظيم”الدولة الإسلامية” تنظيما إرهابيا وتحظر أنشطته في 12 سبتمبر 2014، ورغم ان هذه الخطوة جائت متأخرة لكنها تبدو اكثر جرأة من باقي الدول الاوربية في مواجهة تنظيم “الدولة الاسلامية”. فقد أعلنت ألمانيا أنها تعتبر “الدولة الإسلامية” تنظيما “إرهابيا” واعتبرت أية أنشطة دعم وتأييد وترويج له مخالفة للقانون.  وهذا يعني انه ينبغي على دول الاتحاد الاوربية الاخرى اتباع خطى الحكومة الالمانية بحظر التنظيم، لآن ذلك من شأنه ان يعطي تلك الجماعات ذريعة تحت باب التعبير عن حرية الراي والتجمع واللتظاهر في ساحات اوربا. هذه الاجرائات يجب ان تصاحبها اجرائات ‘ستخبارية إستباقية لكشف هذه التنظيمات داخل اوربا وخارجها، لان هذه الجماعات من شأنها تتجه الى العمل السري في الاتصال وتنفيذ الاعمال الارهابية. ماتحتاجه دول اوربا هو اعادة النظر بسياساتها وقوانينها إتجاه التنظيمات الاسلاموية المتطرفة الى جانب تنظيمات اليمين المتطرف وغيرها من التنظيمات الراديكالية، من اجل شرعنة الخطوات التي تتخذها وزارات الداخلية والاستخبار ولكي لاتتعارض مع المحاكم الدستورية وقوانينها.

تبقى وسائل التواصل الاجتماعي ومحركات الانترنيت وخوادمه تحديا في وجه السياسات الاوربية، رغم ان المفوضية الاوربية في بروكسل استضافت في شهر ديسمبر 2014 ممثلي عن بعض محركات الانترنيت ابرزها مندوب Google , Facebook للتعبير عن قلقها، وطلبت فرض رقابة اكثر على بعض الحسابات التي تدعو الى العنف والكراهية او دعاية للتنظيمات”الجهادية. هذه الخطوة نتج عنها اعلان الاتحاد الاوروبي  يوم 4 يناير 2014 عن عزمه على تشكيل خلية مستشارين في بلجيكا يمكن للحكومات الاعضاء ان تستشيرها في مجال مكافحة الدعاية الجهادية وقال المسؤول عن مكافحة الارهاب في الاتحاد الاوروبي “جيل كيرشوف” ان  الفكرة تكمن في ان تستضيف بلجيكا خلية خبراء يمكنها تقديم اجوبة فورية للدول الاوروبية حول مشكلة تواصل حادة جدا، في مواجهة المتشددين الجهاديين. هذا الاعلان يعتبر خطوة جديدة من داخل المفوضية، وانتباه المفوضية  الى سياسة وتعريف جديد سمته” الدعاية الجهادية” وهو بالفعل ما تحتاجه دول اوربا وكذلك دول المنطقة التي تشهد نشاطا لهذه الجماعات، كون تنظيم دولة داعش وغيره من الجماعات اعتمدة “الجهاد” الاعلامي الى جانب نشاطاتها على الارض، إن مواجهة الدعاية الجهادية” يعني خسارة التنظيم الى واحدة من مصادر التجنيد وتدفق المقاتليين الاجانب.
ان حادث “شارلي ايبيدو” حادث يعكس بأن اوربا لم تكن بعيدة عن الارهاب في منطقة الشرق الاوسط، ويعكس ذلك القصور في سياسات الدول الاوربية بفهم وتعريف الارهاب والجماعات” الجهادية” ان لم تكن اوربا متورطة بغض النظر عن تدفق المقاتليين الى الشرق الاوسط بهدف الاستقطاب. ابرز تداعيات هذه العملية هو اذكاء العداء الى المسلمين. مابات مطلوبا من دول الاتحاد الاوربي والغرب هو اعادة فهم تعريف الارهاب وتعريفاته واعادة سياساتها، بدعم دول المنطقة بمواجهة الارهاب اكثر من دعم الجماعات المسلحة.

نشر في شبكة رؤية الاخبارية

اخر المقالات