جيوش افتراضية موازية، في مواجهة الهجمات الالكترونية

جيوش افتراضية موازية، في مواجهة الهجمات الالكترونية

 المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والإستخبارات

اعداد مهدي سلمان الرسام، باحث في علوم الامن والاستخبارات

دفعت الحروب الالكترونية الأخيرة الى البحث عن نظام دفاعي سري لتقويم أجهزة الأمن والمخابرات والاستخبارات في أغلب بلدان الشرق الأوسط ،  مما دفع البعض تكوين جيوش الكترونية لصد الهجمات الافتراضية من الانترنت ونظام التشغيل والبرامج المختلفة، التي تشكل تهديداً على الأمن والاقتصاد ناجمة عن تدمير نظام الدفاع الالكتروني وسرقة الملفات من المنظومات الأمنية ، وقد توالت أهمية هذا النظام من خلال تفاقم الحروب والتسقيط السياسي بل والأعلام الذي بدأ يأخذ منهجاً آخر في تعتيم الصورة الحقيقية للعدو،  مما دفع بعض المنظمات الإرهابية الى تأسيس جيوش الكترونية هدفها ضرب المؤسسة العسكرية وتهديد الأمن .

لقد برزت تلك التحديات مؤخراً من خلال تطور الثقافة الالكترونية وصناعة التكنولوجيا خاصة بعد تنامي الصراع العربي الممتد من جنوب افر يقيا حتى أوروبا، مما يبرر  تكوين جيل جديد من الحروب والصراعات النفسية المؤهلة للتدمير الذاتي بديلاً عن المعركة .

المنظومات الدفاعية البديلة

من المستبعد ان تكون التكنولوجيا والثورة الرقمية بديلاً عن مؤسسات الدفاع والاستخبارات كونها مجرد نظام افتراضي،  لكنه في الوقت نفسه يكون وسيلة للدفاع والهجوم خاصة بوجود منظومات استخبارية وشبكات وطنية حساسة تكاد تكون مكشوفة أمام الجميع،  مما يدعو الى أحكام الخطط والتدريب على حماية المقرات الحساسة ومؤسسات منظومات الصواريخ وذخائر الأسلحة والأجهزة الرقمية المرتبطة بالحكومة كونها تكون مجال مؤهل للاختراق .

ونجد مثالاً على ذلك وزارة الدفاع الروسية التي صرحت بداية 2017 عن إنشاء قوى دفاعية مضادة تابعة لوزارة الدفاع الروسية،  والتي تعتبر تحولاً عاماً وناجحاً في تغيير مسار الحرب،  من خلال تحديد الضربات بنسب عالية والتحليل الأرضي والبعد الافتراضي،  للحصول على نتائج مسبوقة وغير مدمرة دون اللجوء الى استخدام الموارد البشرية والخسائر المادية .

وهذا واضح من خلال مسلسل الفضائح وما تناقلته وسائل الإعلام المختلفة في الحصول على وثائق وملفات سرية حكومية بسبب الاختراق الالكتروني والذي أصبح عبارة عن مليشيات افتراضية مؤخراً .

تنفيذ الهجمات المنظمة ونظام الاستخبارات

بدأت الحروب الالكترونية منذ أواخر التسعينات ومؤخراً تمت الاستعانة ببعض المخترقين ( الهاكرز ) لضرب الأفراد او بعض السياسيين او مواقع حكومية خدمية ، وذلك انتقاماً للمعارضين أو لنهج سياسة الدولة التي غالباً ما تكون ذات نهج مغاير لما ترومه الشعوب،  وبسبب سياستها الخارجية التي تتعارض مع أبناء الداخل ، أو ربما تكون بعض المنظمات الإرهابية التي تريد السيطرة على عصب المؤسسات الأمنية والاختراق من خلال بناء منظومة استخبارات خاصة بها متدربة على برامج التدمير والاختراق .

لقد امتهنت بعض المؤسسات الإجرامية هذه المهنة،  وأوجدت لنفسها عناصر من الشباب المنخرطين للحصول على الأموال وممارسة النشاطات في فضاء وحرية متلازمة على أرضية ووجهة تخدم مصالح البعض منهم ، ناهيك عن استخدام الإعلام الكاذب وتشويه الصور والمبررات القتالية وأساليب الحرب النفسية .

ان نظام الاستخبارات والمخابرات والأمن الوطني بات يشكل أمراً مهماً وحصناً دفاعياً لأمن الدولة، وخصوصاً وانه يعتمد على عناصره المتدربة والواعية التي تجيد استخدام التكنولوجيا ونظام المراقبة والعمل الاستخباري السري،  الذي يعتمد بالأساس على دقة المعلومات والأبعاد والتحليلات ولابد ان يكون رجال هذه المؤسسات ملمين بدورهم السيادي الذي لا يقبل الشك،  وعليه لابد من التأكيد على كيفية حماية الملفات الخاصة بأمن الدولة وأجهزة الداخلية والدفاع ومراكز التسلح،  ومنظومات الإطلاق التي تخزن على شكل بيانات دورية وموقوفات قابلة للتغير من خلال الشبكة العنكبوتية .

كذلك مراقبة البريد الالكترونية وأسماء الشخصيات والسفارات والنشاطات الدبلوماسية التي تحركها على الأغلب الهواتف النقالة أو مراكز الشبكة العنكبوتية،  والتي هي بالأساس مصدر اختراق واضح المعالم مع وجود أنظمة فك الشفرات والرموز والثغرات الغير محسوبة .

وحدة قيادة التحكم وتعقب الهجمات

تعد بريطانيا من الدول المهتمة لأعداد الجيوش الالكترونية ونظام وحدة التحكم والتعقب،  حيث قامت بتأسيس اللواء 77 الذي يعمل على صد الهجمات المعادية ومراقبة المواقع التي تدعو الى الإرهاب،  مما يتطلب المزيد من الحرص والأهمية في والمتابعة ويتطلب جهوداً ومؤهلات لإنجاح هذا المشروع الافتراضي،  الذي اثبت نجاحه على مدى السنوات التي تلت .

وقد تعتبر الصين هي الأخرى مهمته ايضاً على نطاق سري غير معلن في تكوين وإنشاء محطات رصد ومراقبة من خلال تأسيس وحدات عسكرية خاصة،  هدفها شن الهجمات الالكترونية وسرقة الأسرار العسكرية للدول المعادية او التي تحاول تفكيك رموز التنين الصيني .

إننا في الوقت الذي نراهن على نجاح هذا التطور التقني والتكنولوجي إلا هناك بعض الدول لا زالت تفتقر الى تلك الحكمة ولا تهتم بهذا الأمر الذي لا يأبهون له،  بسبب جهل أنظمتهم التي تعمد على النظام العسكري القديم، أو التدريبات لعناصر الاستخبارات وإيجاد المعلومات ميدانياً،  إذ تعتبرها مصدراً موثوق به وذو أهمية قصوى وهي غير متفاعلة لمواكبة التطور العلمي،  الذي أصبح يعمل على غطاء جوي وفضاء ممغنط يمسك بكل زمام الحكومات من خلال تسريب المعلومات والأنظمة الدفاعية المجردة من الحماية والقبة المحصنة ،  ربما بسبب انشغالها ببيع النفط والدولار والأسهم أو الانخراط خلف المتظاهرين والمؤيدين للربيع العربي وبعض النشطاء البسطاء، الذي ينشدون الحرية وهم لا يدركون ان الحرب النفسية هي التي باتت تحكم السلاطين وتعبث بأمم الدول .

ولابد من الانتباه الى ان الهجمات الالكترونية قد تشكل مصدر خطر لا يستهان به وهي على عدة أنواع،  منها الفيروسات التي تعتبر مثال للأسلحة الحالية من خلال إصابة برامج البيانات وأنظمة التشغيل وإعطابها بشكل دوري بواسطة الثغرات المبينة ،  وكذلك نظام الاختراق وبرامج التدمير عبر وسائل الهواتف الذكية او أنظمة التشغيل المعتمدة قانوياً لدى مؤسسات الاستخبارات وهو يشكل تهديداً كبيراً على سحب الملفات خلال دقائق .

 مواكبة التكنولوجيا وأجهزة الاستخبارات

لقد ظهرت تجربة جديدة خلال السنوات التي خلت تشير الى أهمية حماية أنظمة الاستخبارات ومؤسسات المخابرات والأمن الداخلي حيث بدأت الهجمات الافتراضية تلعب دوراً مهماً وفعال في إقصاء وتدمير سجلات الحكومة والعقود والمستندات المهمة بل وحتى اختراق معلومات وبيانات المواطن ، وبما ان المواطن العربي أصبح ملماً بالفضاء والحرية والتعبير عن الرأي في مجالات واسعة فهذا لا يعني سلب الحريات وانتهاك الخصوصية بل ان اغلب المجموعات الارهاربية اتخذت من هذا الغطاء سبيلاً لتنفيذ عملياتها الإجرامية والحث عبر وسائل الإعلام والتقنيات المختلفة لجلب الشباب وتعليمهم فن الحرب البديل وإعطائهم دورس عبر الانترنت مجانية لتعلم الاختراق وتدمير المواقع والتجسس بوسائل تقليدية .

إذن على الحكومات ومدراء المؤسسات الحكومية الحساسة زج عناصرها في وحدا تدريب على المعدات الالكترونية وأنظمة الحماية ودروس في نظام المراقبة والنظر بجدية لخطر هذه الحرب التي أصبحت تجربة تقودها دول عظمى للسيطرة على مقدرات الدول التي تجهل هذه التقنية الفريدة التي تعتمد على مواجهة العقل والتطور والصناعة بدلاً من تجنيد العناصر وتجنب الاشتباك وإهدار الوقت والخسائر المادية والبشرية . علينا ان نعي أن الجيوش القادمة الحديثة هي الجيوش الالكترونية التي تتيح بناء السيطرة والنفوذ من خلال التحكم عن بعد .

*حقوق النشر محفوظة للمركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

اخر المقالات