توسع “الدولة لاسلامية” في سوريا، الاسباب والنتائج

توسع “الدولة لاسلامية” في سوريا، الاسباب والنتائج

489215072-300x200

“الدولة الاسلامية” وإستراتيجية الاندفاع القوي على الارض

بقلم ـ جاسم محمد، باحث في قضايا الارهاب والاستخبار

اعتبر “تنظيم الدولولة الاسلامية”، داعش سابقا، مدينة الرقة عاصمته، وشهدت اهتماما من قبل زعيمها ابو بكر البغدادي وتنظيمه محاولة منه ان يعطي صورة ايجابية عن ماهية “الامارة الاسلامية”. هذا الاهتمام تصاعد اكثر مابعد سيطرته على مدينة الموصل ومدن عراقية اخرى يوم 10 يونيو 2014، لتحتفل الرقة اولى مدن داعش بالغنائم العراقية من الاسلحة والصواريخ، بعد ان استعرض مقاتليه بغنائم اسلحة الجيش العراقي المهانة. إن ابرز تداعيات سيطرة الدولة الاسلامية على الموصل ومدن عراقية اخرى، هو تصاعد بيعة فصائل “جهادية” ووجهاء عشائر الى الخلافة الجديدة واميرها.
هذا دفع “الدولة الاسلامية” الى توسيع عملياتها وسيطرتها على مدن اخرى خاصة في سورية مستفيدة من حالة النصر التي حققتها في العراق والتي اعطت المقاتلين والجهاديين دفعة معنوية قوية جدا، وهذا ربما احد ابرز الاسباب التي دفعت التنظيم الى التوسع حول مدينة الرقة على وجه الخصوص وتهديد الحسكة والسيطرة على دير الزور.

مدينة الرقة
تقع مدينة الرقة على الضفة اليسرى لنهر الفرات قبيل التقائه نهر البليخ، ويعني اسمها الأرض الملساء التي يغمرها الماء ثم ينحسر عنها. تبعد عن مدينة حلب نحو 190 كم، وتنقسم إلى قسمين قسم قديم، وآخر حديث. ويعود إنشاء القسم القديم من المدينة إلى عام 1887م، إذ أن المدينة التاريخية هجرت بعد غزو المغول واجتياح تيمورلنك. منذ أواسط السبعينيات يعتمد اقتصاد الرقة على سد الفرات وعلى الزراعة وعلى الحقول النفطية المجاورة. الرقة تعتبر من المدن التي تملك امكانيات اقتصادية متواضعة وسبق ان زارها بشار الاسد قبل اشهر من سيطرة داعش عليها عام 2012 اي بعد اندلاع “الثورة السورية” واعطت زعامات الرقة العشائرية انذاك  البيعة الى الحكومة.
الهجوم على الفرقة 17 ـ عند الرقة
تمكن تنظيم “داعش” من السيطرة على الفرقة 17 لقوات النظام الواقعة في ريف مدينة الرقة الشمالي ودارت يوم 24 و25 يوليو 2014 اشتباكات عنيفة وقعت بين قوات النظام و”داعش” في محيط الفرقة، قبل أن يتمكن الأخير من السيطرة عليها وأسر عدد كبير من أفرادها. ويمثل سقوط الفرقة 17 في الرقة بيد مسلحي تنظيم “داعش” صفعة قوية لقوات النظام السوري، نظراً لأهميتها العسكرية وما تحتويه من مخزون تسليحي واستراتيجي ومركز قيادة في المنطقة الشرقية. وقد أسفرت المواجهات عن مقتل العميد هيثم السليمان، نائب قائد الفرقة 17، إثر سيطرة “داعش” على الفرقة. أكد تنظيم “داعش” مقتل العميد سمير أصلان قائد الفرقة، كما عرض صوراً قال إنها لجثث جنود من النظام بعد أن تم قطع رؤوسهم. اهمية الفرقة تعود بانها موقع عسكري محصن ممكن ان تستخدمه داعش بطرقة عكسية وخسارتها يعني خسارة النظام الى احدى مقرات السيطرة والقيادة في المنطقة الشرقية ويرجح بأن “الدولة الاسلامية” حصلت خلال الهجوم على الفرقة على وثائق ومعلومات بالاضافة الى ماسوف تحصله من معلومات  بعد التحقيق مع الاسرى.
إستراتيجية الاندفاع
إن اعتماد “الدولة الاسلامية” الى إستراتيجية الاندفاع الشديد وخطتها بالسيطرة على مدن سورية اخرى ابرزها الحسكة، شمال شرق سوريا، والانجازات التي حصلت عليها في الرقة باعتبارها معقل التنظيم يعود الى لاسباب التالية:
•    الرقة هي معقل “الدولة الاسلامية” قبل اجتياح الموصل في 10 يونيو 2014  خلالها حاول ان يجعلها نموذج  في الحوكمة والادارة .
•    التحالف وبيعة القبائل، تعتبر الرقة من المدن السورية المعروفة بطابعها ولهجتها القبلية، فبعد ان كانت معروفة بولائها لنظام الاسد بايعت غالبية العشائر “الدولة الاسلامية” تحت الترغيب والترهيب، بعد ان سيطرة الجماعة على الرقة. ابرز هذه العشائر هي عشيرة البريج التي تتبع عشيرة الفضالة واحدة من اكبر العشائر السورية وكذلك عشيرة البكارة وغيرها من العشائر .
•    استقدام المقاتلين الاجانب ـ المهاجرين بصحبة عوائلهم ابرزهم من الشيشان، الذين يتمتعون بامتيازات افضل من غيرهم من المهاجرين. شهادات سكان الرقة ذكرت بان عوائل المهاجرين من المقاتلين الاجانب يتمتعون بامتيازات ويعيشون برفاهية ويسكنون بيوت راقية ربما كانوا يفتقدونها في بلدانهم بالاضافة الى المرتبات والزعامة. لقد نجح ابو بكر البغدادي باصطحاب قيادات اجنبية وعربية ابرزها من العراقيين من الخط الاول المقربين منه للسيطرة على الرقة بدلا من المقاتلين المحليين، هذه الخطوة ممكن وصفها بأنها إستراتيجية امنية يتبعها البغدادي لأبعاد اي تهديدات بالخروج عن زعامته.
•    اعتمدت “الدولة الاسلامية” على اتباع استراتيجية خشنة في السيطرة على المدن ومنها الرقة اي بقوة السلاح، لكن في الاشهر الاخيرة بدء داعش يعتمد بالتوازي الى عنصر القوة إستراتيجية ناعمة اي ارسال مندوبين الى الفصائل والى العشائر لمبايعته والقاء السلاح بدلا من المواجهات المسلحة، هذه السياسة ظهرت اكثر بعد توسع التنظيم في العراق وسيطرته على الموصل. وهذا وفر للتنظيم الكثير من عناصر القوة وخفض الاستنزاف.
•    إن ضعف جبهة النصرة وتراجعها حتى في معاقلها في الشحيل، معقل ابو محمد الجولاني ودير الزور  وتراجع فصائل اسلاموية وثورية اخرى كانت تقاتل ضد “الدولة الاسلامية” منها فصائل احفاد الرسول والجبهة الاسلامية وكذلك الثوارـ الجيش الحر، رفعت من منسوب “الدولة الاسلامية” عسكريا وميدانيا.
•    شكلت “الدولة الاسلامية” “جيش الانصار”و يتكون من مسلحين من عشائر عربية في مدينة الرقة وبلدة سلوك ومدينة تل أبيض بحيث يتم تجنيد مقاتل من كل عائلة لـصد اي هجوم  عن تل ابيض ونواحيهاومقاتلة وحدات حماية الشعب الكردي والكتائب المقاتلة التي تقاتل إلى جانبها في ريف تل أبيض ومنطقة جرابلس ومنبج، وهو يوازي قوات الاحتياط في الجيش النظلمي الجيش الرديف و يحمل هويةً عشائرية بحتة. وقد توافقت على تشكيله 14 من عشائر المنطقة، هي عشيرة المنيف، عشيرة حلاوة، عشيرة داود، عشيرة الجميلة، كامل عشائر قيس، عشيرة الصيالة، عشيرة النعيم، عشائر الفدعان وشمّر وعنزة، عشيرة طي، عشيرة البوظاهر، عشائر العفادلة، عشائر المجادمة، قسم من المشهور، وكامل العشائر في سلوك وتل أبيض. ويرفع التشكيل الجديد شعار حماية مناطقهم من الـ PKK حزب العمال الكردستاني. الهدف الرئيسي من الجيش هو مواجهة الكورد في الحسكة وشمال شرق سوريا بالاضافة الى جبهة النصرة.

•    المصاهرة والزواج، اتبع داعش سياسة المصاهرة والتزاوج مابين المقاتلين الاجانب والسكان المحليين، وهي سياسة سبق ان اتبعتها القاعدة في العراق واليمن من اجل الحصول على الحماية الاجتماعية والملاذات الامنة خاصة في المجتمعات القبلية. عمليات الزواج القسري وفرض تعاليم “الدولة الاسلامية” حول المدينة وفق شهادات المحليين الى مدينة منقبة بالسواد.

•    السياسة الناعمة، الى جانب فرض احكام داعش بالقوة وقطع الرؤوس فهي تحاول ان تكسب السكان من خلال تقديم بعض الخدمات وتوفير الاحتياجات الرئيسية وهو تحول جديد عند “الدولة الاسلامية” بعد اعلان خلافتها في 10 يونيو 2014. هي تحاول ان تظهر الى المحليين بانها هي من تدير شؤون “الخلافة” وامارتها في الرقة لكسب سكان ومقاتلين جدد، وبالفعل شهدت الرقة تدفق اعداد من السكان من دير الزور ومناطق اخرى، كونها تعتبر تعيش حالة امنية شبه مستقرة نسبيا الى امدن الاخرى التي تسيطر عليها الجماعات المسلحة والنظام.

إن “النصر” الخاطف الذي حققه داعش في العراق وكذلك في دير الزور بعد احتلالها مدينة الموصل، اعطاها الكثير من الوهج والدعم اللوجستي والمعنوي. ماهو معروف عن داعش وفق  قراءة رسائل العدناني المتحدث الرسمي للتنظيم وزعيم التنظيم البغدادي، انه يستثمر حالة “النصر” العسكري ليندفع اكثر والقضاء على الخصم بشكل تام ميدانيا، لذا فهو يندفع من مدينة القائم العراقية الى دير الزور للسيطرة على حقل الشاعر الذي يعتبر واحد من اكبر الحقول الغنية بالنفط والغاز، ليوظف هذا الانجاز الميداني بالتحشيد وشن هجومه الجديد على الحسكة، ضمن إستراتيجيته بالسيطرة على المنطقة الشمالية الشرقية في سوريا. التحدي الاكبر الذي يواجهه هو تشكيلات الكورد الذين سبقوا ان الحقوا خسائر كبيرة في صفوف داعش في مواجهات معبر اليعربية  وتل ابيض وغيرها من المناطق.
وربما يواجه تحدي ثانوي وهو جبهة النصرة في الشمال الغربي عند ادلب وريف حلب، بعد ان خسرة معقلها السحيل ودير الزور. مايحصل عليه التنظيم الان من انجازات يثير الشكوك بأمكانية الاحتفاظ به مع احتمالات الاستنزاف والانشقاقات.

إن مايحصل من تمدد وتوسع الى “الدولة الاسلامية” مابين العراق وسوريا وسط صمت الولايات المتحدة والغرب ودول اقليمية، يثير الكثير من المخاطر ويهدد امن المنطقة والامن الدولي. لقد تحولت سوريا واجزاء من العراق الى منطقة استقطاب ومنخفض ارهابي يستقطب مجاميع جديدة من جيل جديد ربما الجيل الرابع من القاعدة يتحرك بمرونة ويعيش برفاهية بعد ان كان يعيش في المناطق المعزولة وكهوف افغانستان والمناطق النائية. هذا التنظيم من المرجح ان يبحث عن اهداف غربية خلال هذه المرحلة، تمنحه مصداقية جهادية و تهمش القاعدة ويضع نفسه بديلا عنها في تبني عولمة الجهاد.

* نشر في شبكة رؤية الاخبارية

اخر المقالات