#داعش يلفظ أنفاسه الأخيرة

#داعش يلفظ أنفاسه الأخيرة

تنظيم “داعش” يلفظ أنفاسه الأخيرة

 

يُجمِعُ المحللون هذه الأيام أن تنظيم “داعش” يلفظ أنفاسه الأخيرة كمنظمة سيطرت على مساحات شاسعة من العراق وسوريا وفي هذه المساحات استطاعت إنشاء ما يشبه مؤسسات الدولة من شرطة وجيش ومؤسسات صحية وتعليمية ووزارات خدمية.

لقد كانت دولة “داعش” هي المكان الذي تهفو إليه قلوب كل متطرف لدرجة أنها جمعت أكثر من 35 ألف جهادي من مختلف أعراق ودول العالم في مكان واحد وتحت علم واحد وقيادة واحدة في مشروع يشابه لحد كبير المشروع الصهيوني في عام 1948؛ والذي جمع كل يهود العالم في منطقة جغرافية واحدة ثم قام بالتنكيل وطرد السكان الأصليين من العرب الفلسطينيين واستبدالهم بمستوطنين يهود.

منذ إنشاء التحالف الدولي في عام 2014 والأراضي تُقضم باستمرار من تنظيم “داعش” والقوات “الداعشية” في حالة انسحاب تكتيكي مستمر حتى أنها خسرت الآن 90% من أراضيها في العراق و40% من أراضيها في سوريا لصالح قوات محلية، وهذه الهزائم ولَّدت شعورا بالمرارة يعتصر قلوب أنصار “داعش” فجاءتهم التوجيهات عبر المتحدث السابق لـ”داعش” أبو محمد العدناني حيث يقول في تسجيل (إن ربك لبالمرصاد): “ابذل جهدك في قتل أي أميركي أو فرنسي، أو أي من حلفائهم، فإن عجزت عن العبوة أو الرصاصة، فاستفرد بالكافر، فارضخ له بحجر، أو انحره بسكين، أو اقذفه من شاهق، أو ادعسه بسيارة، وإن عجزت، فاحرق منزله أو سيارته، أو تجارته، أو مزرعته، فإن عجزت فابصق في وجهه، وإن لم تفعل، فراجع دينك” وإن هذه الفتوى الصادرة في تسجيل العدناني هي الفتوى التي يرتكب بموجبها الجهاديين جرائم القتل الأخيرة حيث صار قتل (الكفار) في حد ذاته هدفا من أهداف التنظيم بعد أن كان قتلهم مجرد وسيلة للوصول إلى دولة الخلافة والتمدد.

الآن حلم الدولة يتبخر في أذهان أنصار “داعش” وبعد أن مُنعوا من أداء فريضة (الجهاد) في سوريا ولذلك فقد قرر عدد من أنصار “داعش” الجهاد ضد أوطانهم ومواطنيهم واتجهوا إلى الأهداف السهلة فكثرت في الفترة الأخيرة حوادث الدهس بالسيارات والتي يتبناها تنظيم “داعش” بفخر، بالإضافة إلى الهجمات البشعة باتجاه دور العبادة للأقليات الدينية والطائفية مثل الهجمات الإجرامية الأخيرة التي تمت في الأسبوع الماضي في مصر وراح ضحيتها عدد كبير من الأبرياء.

عمليات إرهابية من نوعية تفجيرات الكنائس التي حدثت في مصر لا يستطيع أي جهاز أمني التصدي لها مهما كان هذا الجهاز قويا، فالتنظيم أعلن في أحد إصداراته أن جميع كنائس مصر مستهدفة بالعمليات وحراسة كل كنائس مصر غير ممكنة لأي جهاز أمني وإذاً فلا بديل لجهاز الأمن المصري من اختراق “داعش” وهذا الأمر مستحيل حاليا لأن تنظيم “داعش” ليس مثل الجماعات الإسلامية الأخرى يسهل اختراقها، بل له جهاز أمني مُعقَّد شبيه بأجهزة الأمن المملوكة للدولة، وهذا الجهاز الأمني يقوم بالتدقيق في تصرفات كل عناصر التنظيم  ويقوم بتصفية كل عنصر يشك في ولاءه للمخابرات الأجنبية بشكل بشع ومروع وتصفية الجواسيس هي جزء ثابت في أي إصدار من إصدارات “داعش”.

الأزمة الحقيقية والتي يجب أن ينتبه إليها خبراء مكافحة الإرهاب أن الانتماء إلى “داعش” في حد ذاته علامة على مرض نفسي وليس علامة على تطرف ديني، فعندما نرجع إلى سِيَر حياة أبطال عمليات “داعش” نكتشف أن أكثرهم كانوا أناسا غير متدينين وربما كانوا أناسا مجرمين وتم القبض عليهم في جرائم مثل القتل والسطو المسلح واستخدام العنف وقضوا فترات من عمرهم في السجون؛ وهناك وبسبب ضغوط السجن نجح التنظيم في استقطابهم إلى صفه وهذا الأمر على عكس نشطاء “القاعدة” والذين أكثرهم هم أطباء ومهندسون وشخصيات ناجحة في مجتمعهم وتم غسيل عقولهم للانضمام إلى “القاعدة” عبر خطاب ديني يخاطب وجدانهم.

بعد تفجير الكنائس تصاعدت الأصوات العلمانية المتطرفة للمطالبة بإصلاح المناهج الدينية أو حتى بإلغاء تدريس الدين من المدارس وهذه الأصوات الحمقاء تحقق للتنظيم تمدد كبيراً على المدى المتوسط والمدى البعيد فالمناهج الدينية (الحالية) تم تنقيحها بعد أحداث الـ11 من سبتمبر بضغوط من الإدارة الأميركية؛ وهي في غالبها (الأعم) تقوم بتقديم خطاب ديني معتدل منافس لخطاب “داعش”، وإن إلغاء تدريس الدين أو تقديم خطاب ديني مزيف (خطاب ديني علماني) لن ينجح سوى في دفع الشباب نحو تبنّي خطاب “داعش” والتي لها من الحجج ما تستطيع أن تقول أن خطابها الديني هو أكثر أصالة من خطاب التعليم الرسمي.

في الحقيقة لم أسمع “داعشياً” واحدا يقول إن أحد أسباب تفجيره لنفسه هو أن المنهج التعليمي كان سببا في اعتناقه لفكر “داعش”؛ أو تأثرا بخطاب الأزهر أو هيئة الإفتاء أو هيئة كبار العلماء (السعودية) أو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، بل إن متطرفي “داعش” يعلنون بشكل صريح تكفير هذه الهيئات وتجريم دراسة المناهج العلمية التي تقدمها باعتبارها هيئات علماء سُلطة.

أعود فأقول إن فكرة الانضمام لـ”داعش” والتي تشابه في رأيي فكرة الانتحار لها أسباب نفسية أكثر منها فكرية فمستوى القمع الشديد الذي رآه عدد كبير من الشباب والمأساة السورية بكل تفاصيلها مع المأساة العراقية مع ظاهرة التمدد الإيراني للدول الإسلامية؛ هي ما دفعت هؤلاء الشباب إلى الانضمام إلى تنظيم “داعش” بغية إنهاء أزمة المشروع الإيراني وتفكيكه سِلماً أو حرباً، وحل مشكلة الاحتقان السياسي في جمهوريات (ما بعد الربيع العربي). فإن القضاء على “داعش” كنمط تفكير هو أمر أقرب للاستحالة. وربما تنجح قوات التحالف في طرد “داعش” من مناطق سيطرته في العراق وسوريا، ويستطيع الجيش المصري تسليم سيناء (متوضئة) لكنه لن يقضي على “داعش” الفكرة فالأزمة باقية ما بقيت مسبباتها، وعلاج الأعراض دون علاج أصل المرض هو مثل الحراثة في البحر.

الجزيرة

اخر المقالات