تنظيم داعش مازال في صحراء الانبار، قراءة استشرافية

تنظيم داعش مازال في صحراء الانبار، قراءة استشرافية

كتب، الدكتور عماد علو، خبير في الشؤون العسكرية والاستراتيجية
مستشار المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

تنظيم داعش مازال في صحراء الانبار قراءة استشرافية في اشكال غير مألوفة من القتال ضد الارهاب

 بعد سلسلة هزائمها المنكرة التي تعرضت لها على ايدي القوات المسلحة العراقية بكافة مسمياتها ، ستتحصن عصابات داعش وقياداتها في صحراء الانبار بعد خسارتها لمعظم الاراضي والمدن والبلدات التي احتلتها منذ عام 2014 .

 جغرافية صحراء الانبار

ستحاول عصابات «داعش الارهابية”»  الاحتماء بجغرافيا صحراء الانبار الشاسعة و الوعرة تضاريسا” والمعقدة مناخيا” والتي تعد جزءاً وامتدادا” لهضبة الجزيرة العربية، سطحها متموج تظهر عليه بعض التلال الصغيرة وكذلك الكهوف ، ووديان عميقة طويلة تمتد من الحدود مع سوريا إلى الحدود مع الأردن مثل وادي حوران ، وقد عملت السيول والرياح على تنويع سطحها حيث يصل أعلى ارتفاع للهضبة الغربية بالقرب من الحدود الأردنية إلى ما يزيد على 800 متراً فوق مستوى سطح البحر وتنخفض في مناطق الحبانية إلى 75 متراً فوق مستوى سطح البحر.

ويقطع نهر الفرات طريقه في الهضبة الغربية والتي تنحدر صخورها تدريجياً باتجاه منخفضات الثرثار والحبانية والرزازة، وفي بعض المناطق يكون مجرى نهر الفرات وعراً ولذا تظهر الصخور الكلسية والجبسية على ضفاف مجرى نهر الفرات. وتميز صحراء الانبار بقلة سقوط الأمطار والتباين الكبير بين حرارتي الليل والنهار وانخفاض الرطوبةـ  ترتفع الحرارة فيها صيفاً إلى52 درجة مئوية، وتنخفض شتاءً فتصل إلى 9 درجة مئوية. الرياح فيها شمالية غربية وجنوبية غربية أحياناً تبلغ أقصى سرعة لها 21 م/ثانية، يبلغ معدل سقوط الأمطار شتاءً إلى 115 ملم.

وبعد أن حررت القوات المسلحة العراقية مدن وقرى محافظة الأنبار، ركزت قيادة العمليات المشتركة جهودها وقدراتها بقوة على معركة تحرير مدينة الموصل ، التي انخرطت بها في قتالات مدن شرسة لم يسبق لها مثيل في الحروب الحديثة حيث تميزت بوجود اعداد غفيرة من السكان المدنيين طلب من القوات العراقية تأمين سلامتهم من تأثيرات القتال ضد عصابات «داعش الارهابية »داخل مدن محافظة نينوى ، وقد حققت القوات العراقية انجازات شهد لها القاصي والداني .

وعندما تنتهي معركة تحرير الموصل بنصر ناجز سيتعين على القوات المسلحة العراقية التعاطي مع تكتيكات قتالية مختلفة تماما” عن تلك التي اتبعتها في معاركها السابقة ضد عصابات داعش التي يبدو أنها لجأت الى صحراء الانبار حيث انتشر آلاف من عناصر عصابات داعش الارهابي في المعسكرات والقواعد السرية ، المزودة بالأنفاق والخنادق المخفية والمموهة والمحصنة تحت الارض، التي تشتمل على مقرات للقيادة والسيطرة مزودة بأحدث التقنيات فضلا” عن نقاط تموين وامداد ودعم لوجستي .

معسكرات في وادي غدق ووادي الحسينية وصحراء بلدة راوه

و تشير المعلومات الى وجود اربع معسكرات اساسية في وادي غدق ووادي الحسينية وصحراء بلدة راوه،  و هذه المخيمات او القواعد اكثر القواعد أمنا” ومحصنة لقادة وعناصر عصابات « داعش الإرهابية» ،   وهذه القواعد تشتمل على منشئات تحت ارضية وانفاق تشبه مدن النمل” ، وهي تمثل اكبر قواعد لتنظيم “داعش”  في الشرق الأوسط.

 القوات العراقية ، تكتيكات حرب العصابات

وعليه فان “القوات المسلحة العراقية”  بكافة مسمياتها سوف تتعاطى مع اسلوب قتالي جديد سيهدف الى تفادي مواجهات واسعة مع الجيش العراقي ، والاستعاضة عنها باستخدام تكتيكات حرب العصابات وكمائن صحراوية ، والغارات بمجموعات قتال صغيرة ضد اهداف رخوة أو ضعيفة الحماية ، تتعاون فيها الخلايا النائمة مع مفارز أو مجموعات داعش الهجومية ! بهدف استنزاف موارد الجيش العراقي ، واحداث حالة من عدم الاستقرار والبلبلة في مناطق اعالي الفرات خصوصا” تلك القريبة من الطريق الدولي الذي يربط العراق بكل من سوريا والاردن ! والذي سيعتبر هدفا” حيويا” رئيسا” لعصابات داعش في حالة اعادة فتحه لأغراض التجارة والتنقل بين العراق وكل من سوريا والاردن .

ان معركة صحراء الانبار ستكون اختبارا” صعبا” لقدرات الاستخبارات والاستطلاع الميداني للقوات المسلحة العراقية بسبب المساحات الشاسعة والتضاريس الارضية المعقدة ، مما سيتطلب انفتاحات قتالية واسعة باستخدام منسق للمشاة الآلي والدرع ! بالإضافة الى تكتيكات استخدام القوة الجوية وطيران الجيش بأسلوب الصيد الحر فضلا” عن دوره في الاستطلاع وتقديم الاسناد السريع للقوات العسكرية العراقية في حالة اشتباكها مع كمائن او مفارز عصابات داعش الارهابية.

وتسعى الحكومة العراقية للتعاقد مع شركات امريكية لتأمين الطريق السريع الدولي على عمق خمسة كيلومترات على كل جانب واعادة بناء وتشغيل منشآته ، و تركيب كاميرات مراقبة ومعدات حماية اخرى على طول الحدود، وسيتم توظيف اكثر من 5 الاف شخص مما يعنى وجودا امنيا مكثفا على الارض”. لذلك فان عرقلة ومنع تنفيذ هذا المشروع هو ايضا هدف” لعصابات  داعش.

وقد شرعت القوات العراقية بتسيير دوريات في صحراء الأنبار الغربية لاستطلاع المنطقة استعداداً لإطلاق معركة في أعالي الفرات،  لاستعادة آخر ثلاث بلدات في عانة وراوه والقائم تسيطر عليها عصابات داعش في محافظة الانبار، ولكن بدء العملية رهن بانتهاء معركة الموصل، حيث ما زالت قوات الأمن تواجه تحديات.

وكانت الحكومتان العراقية والسورية قد توصلتا إلى اتفاق على تنسيق الغارات الجوية والمعلومات الاستخباراتية، لإضعاف وتدمير «ولاية الفرات»، أبرز ملاذات قادة «داعش الارهابي»، ولكن التحدي سيصبح أكبر عندما سيجري الحديث عن عمليات برية في صحراء الانبار .

*حقوق النشر محفوظة للمركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

emadallow@yahoo.com

اخر المقالات