تنظيمات القاعدة والصراع على البيعة

تنظيمات القاعدة والصراع على البيعة

البيعة والتكفير عند” التنظيمات الجهادية”9f6054ce1b5548ad9fe3a4f10ce54214

 بقلم ـ جاسم محمد

شهد عام 2013 تصاعد الخلافات والانشقاقات داخل تنظيم القاعدة والعلاقة مابينه ومابين فروعه ابرزها
“الدولة الاسلامية في العراق والشام” والتي انتهت بخروج  جبهة النصرة بزعامة الجولاني في ابريل 2013 وخلع التنظيم المركزي الى تنظيم العراق في فبراير 2014. وشعدت البيعة اهتماما في معناها ومضمونها داخل التنظيمات” الجهادية” بعد ان ظهرت للسطح ووسائل الاعلام الخلافات  والتي تقوم اساسا على اعطاء البيعة من عدمها.
ألسلطة التشريعبة في “الدولة الإسلامية” هي السلطة التي تتولى استنباط الأحكام الشرعية فيما يتعلق بشئون البشر من عبادات ومعاملات ونظام حكم، أي السلطة التي تضع القواعد لضبط أمور الدين والسياسة لدينا، وتصدر قوانينها في حدود المقاييس التي أتت بها الشريعة الإسلامية، أي وفقًا لمبادئ الشرع. وهي لاتفصل مابين الدين والسياسة، فمن يحكم هو الخليفة وهو ولي الامر.

البيعة

البيعة في مفهومها اللغوي، وفقا لتعريفات الموسوعة الحرة، هي إعطاء شيء مقابل ثمن معين أو إعطاء العهد بقبول ولاية أو خلافة. وأما البيعة في مفهومها الإسلامي العام فهي كلمات تعبر عن نية وعزيمة على الوفاء والأداء، ويصحب ذلك بسط يدٍ ومصافحةٍ توثق ذلك كله ويداً بيد، ومن هنا جاء التعبير” ولا تنـزعوا يداً من طاعة ، وكذلك في بيعة العقبة قال القوم، ابسط يدك ، فبسط يده فبايعوه، فالبيعة تعهد بالوفاء وتوثيق له “.
ووفقا لتعريف الشيخ سعد البريك “البيعة هي إعطاء العهد من المبايع على السمع والطاعة للإمام في غير معصية، في المنشط والمكره والعسر واليسر وعدم منازعته الأمر وتفويض الأمور إليه”. وفي  دراسة، “مراجعات فكرية” كان تعريف البيعة هو الاقرب في التنظيمات القاعدية حيث تقول الدراسة في بيعة الإمامة يجب أن يكون المُبَايَعُ له مستوفيا لشرائط الإمامة؛ من قرشية وغيرها، وقد تستثنى بعض الشروط لمن غلب بالقهر .أما في بيعات الناس وعهودهم على الطاعات؛ فلا تلزم هذه الشروط، لأنها بيعات خاصة، فقد يبايع الناس من ليس بقرشي ولا مجتهد ولا حر.

شروط النسب و البيعة

إن شروط النسب القرشي في الامامة عند بعض التنظيمات السلفية التكفيرية والقاعدية جعلها تعطي لنفسها اسماء وكنى غير صحيحة في النسب وكثيرا ما تسمي نفسها بالحسني والقرشي لغرض حصول كسب واجماع على البيعة. ان هذا النهج يخالف الدين الاسلامي وتعاليمه التي تدعي هذه الجماعات القاعدية نسبا لايمت لها بصلة. اغلب قيادات هذه الجماعات هم من الفتوة ومن قطاعي الطرق ومن الذين ارتكبوا جرائم بحق المجتمع والبعض ضد افراد عوائلهم. التقارير المعلوماتية حول التنظيمات القاعدية في سوريا والعراق على سبيل المثال تؤكد بان التنظيمات التي تقدم الرواتب والتمويل تحصل على مقاتلي اكثر، ليتحول ” ألجهاد” بمنظور البعض الى مهنة مرتزقة تقاتل بالنيابة. وقد كشفت تقارير استخبارية تناولتها وسائل الاعلام، عن التحاق مجموعات من غير المسلمين من داخل اوربا وبريطانيا بالقتال في سوريا، للكسب المادي. ان ممارسات التنظيات ” الجهادية” الموزعة على خارطة القاعدة ومنها سوريا وليبيا والعراق ومصر، تعكس اهمية الغنائم والسيطرة على الثروات ومنها النفط والمعابر الحدودية ومخازن الاسلحة التي لم تسلم من السرقة. اغلب التنظيمات قامت ببيع وتدوير اسلحتها الى تنظيمات اخرى والتخلي عن القتال مقابل الكسب المادي. اعترافات قائد الجبهة الاسلامية في سوريا “زهران” اشار في حديث سابق له ان ماتحصل عليه الجبهة من تبرعات شهريا والتي تصل الى اكثر من مئة الف دولار لايكفيها الا لمدة اسبوع، فاي نوع من الحياة يعيشها” المجاهدين”. هم يقاتلون من اجل الزعامة والغنائم، ويقاتلون بالنيابة وفق مصادر التمويل. باتت هذه التنظيمات تتقاتل مع بعضها من اجل اخذ اسير اجنبي  للحصول على الفدية.

الباحث المتخصص في الحركات الإسلامية مروان شحادة يقول:
•    إن أهمية البيعة في الفكر الإسلامي الحركي، قديماً وحديثاً قد شكلت مباحث البيعة أحد الأركان الأساسية للفقه السياسي الإسلامي والفرق والمذاهب الإسلامية.
•     تعتبر البيعة في الوقت الحاضر إحدى المسائل التي هيمنت على حركات الإصلاح منذ سقوط الخلافة العثمانية عام 1924، الأمر الذي أدى إلى انفراط عقد الدولة الإسلامية التي هيمنت على مجمل العالم العربي والإسلامي لعدة قرون.
•     لا خلاف من حيث التأسيس لدى المذاهب الإسلامية والفرق المختلفة على اعتبار البيعة أهم العقود التي تؤسس ـ اسست ـ  للسلطة في التاريخ الإسلامي(..).

 أنواع  البيعة
 
•    البيعة العامة، وهي ما عرفت ببيعة الخلافة الإسلامية أو بيعة الحكام، وفيها يبايع المسلمون خليفتهم أو حاكمهم على السمع والطاعة في مقابل أن يحكمهم بما فيه مصلحة الأمة وعلى أساس الكتاب والسنة المطهرة والطاعة
•    البيعة الخاصة، اي أن هناك بيعات كثيرة في الإسلام غير بيعة الحكم أو الإمامة العامة تخصصت كل بيعة إسلامية بأمر أو مجموعة أمور تخص الشريعة الإسلامية  فقها أو تصوفا .

وفي دراسة، للباحث نجم الشمال، يصف فيها البيعة بانها طاعة عمياء لأمراء مجهولين يعيشون في السراديب، وأوامر تصدر لتنفذ، بالقتل وسفك الدماء، والتفجير والتكفير، وعمل يتم من خلال خلايا عنقودية، يقود كلاً منها أمير، والجميع ملزم بطاعته، وهو ينفذ أوامرغيره، وتحركات تتم كلها في الظلام وإلى الظلام، لتقلب حال بعض الشباب الذي ضل طريقه إلى سراديب جماعات العمل السري، وتحوله إلى قنابل ومتفجرات، لا ندري متى تنفجر ولا في أي مكان.

ووضعت  صحيفة الوطن السعودية ثلاثة محاور عن البيعة:

•    كيف تتم البيعة من الجماعة لفرد بعينه ومدى تنازع إمارة الفرد مع سلطات ولي الأمر
•     انعكاس هذه المبايعة على مفهوم المواطنة حيث تولي بيعة الجماعة لأميرها كافة الصلاحيات له ويفتقد الأشخاص ولاءهم للوطن إلى الجماعة وأميرها.
•    هل البيعة عقد سياسي ديني لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر؟، أم إنه إجراء تنظيمي لدى الحركات الإسلامية لا يصل إلى مستوى البيعة العظمى للإمام؟

شروط البيعة والتكفير

وقد وضع الفقهاء شروطاً لصحة عقد البيعة لا يتوفر في هؤلاء المزعومين الذين ينازعون ولي الأمر واحداً منها، وهي أن يكون المتولي لعقد البيعة من أهل الحل والعقد، قبل البيعة العامة؛ فلا عبرة لبيعة العامة إن لم يبايع أهل الحل والعقد. بعض الفقهاء يعتبر ان البيعة فيها مخالفة الى الكتاب والى الستة النبوية، كونها تعطي البيعة الى انسان غير معصوم، وربما فيها معصية الله. فالتاريخ الاسلامي مابعد وفاة الرسول (ص) ظهرت الكثير من الخلافات بسبب البيعة ووصلت الى القتال. اليوم البيعة، الى التنظيمات الجهادية، تعيد ذلك التاريخ مملوء بالخلافات والخوارج والقتال والسيف. البيعة عند السلفية “الجهادية” تعني تكفير الحكومات المدنية والخروج عن طاعتها. وهذا يعني إنها تاغي جميع مظاهر الدولة المدنية الحديثة بضمنها الدساتير، والتي تتخذ البعض منها الاسلام مصدر رئيسي في التشريع ونظم الحياة. هذا النوع من البيعة يحرض على القتل، ويدفع الكثير من الشباب الى تبني العمل السري في التنظيمات الجهادية، ليتحولوا في ليلةوضحاها الى ميادين القتال والسوح القاعدية. ولتتحول هذه  التنظيمات الى تهديد للأمن القومي. في الوقت التي تعتبر فيه البيعة خروج عناصر التنظيم عن طاعة الدولة والقانون في الحكومات المدنية، فان البيعة ايضا اصبحت تهديدا الى وحدة تلك التنظيمات” الجهادية” لتعلن الحرب بعضها على الاخرى من اجل الزعامة في خلافتهم الاسلاموية الافتراضية. هذه التنظيمات تدعو الى خلع الانظمة والحكام وان كانوا منتخبون من قبل شعوبهم وابدالهم بأمراء حرب يحكمون وفق مظرية ودستور قطع الرؤوس وقتل كل من يختلف معهم. فهي لا ترى إماماً شرعياً يجب طاعته الا اميرها، وتدعو الى قتال الانظمة.
أما عن مفهوم البيعة لدى الحركات السلفية الجهادية وفي مقدمتها تنظيم القاعدة، فمن المعروف أن القاعدة تشكلت من فصيلين أساسيين من فصائل السلفية الجهادية العالمية، وهما تنظيم الجهاد المصري، والسلفية الجهادية السعودية، وبسبب وجود خبرة طويلة لدى” تنظيم الجهاد المصري” الذي يتوافر على خبرة من العمل داخل مصر، فقد شكلت أدبياته مرجعاً أساسياً لتنظيم القاعدة.
 وتأتي كتابات الشيخ عبدالقادر عبدالعزيز “السيد فضل إمام” والشهير بالدكتور فضل، كإحدى أهم وأعمق الكتابات التي تصدت للشأن “الجهادي” الحركي والتأسيس السياسي، فقد كان أميراً لتنظيم الجهاد قبل أن ينسحب تاركاً الإمارة الى أيمن الظواهري بسبب خلافات منهجية، وفي مقدمتها مسألة عولمة” الجهاد” عن طريق تأسيس “الجبهة العالمية لقتال اليهود والصليبيين والأمريكان”، ولا تزال كتابات عبدالقادر عبدالعزيز تتمتع بأهمية استثنائية وخصوصاً كتابيه “العمدة في إعداد العدة”.

الفتاوى “الجهادية”

وسط تمدد سوح القتال القاعدية، فقد كثرت فيها الخلافات والدويلات الاسلاموية والامراء، وكل امير يوظف الفتاوى” الجهادية” لصالحه وفق مصالحه. الملاحظ إن التنظيمات الجهادية دائما تتخذ مرجع “شرعي” يعطي الفتوى لصالح التنظيم. وفي السنوات الاخيرة شهدت نوعية الفتاوى وشخوصها الكثر من التدني في نوعية الفتاوى وموضوعاتها على عكس الجيل الاول من القاعدة ومنظريه. هذه الفتاوى تعكس حالة التمرد والفوضى داخل التنظيمات والابتعاد عن التنظيم المركزي. الفتاوى الجهادية تقوم على اساس السمع والطاعة لمصلحة امير الجماعة وليس لمصلحة الامة او الوطن، فهي تغيب الوطن والمواطنة.

“أهل الحل والعقد”
وقد اختلف العلماء في مَنْ هم أهل الحل والعقد؟ فقد قال بعضهم: هم الأشراف والأعيان، وقال آخرون: هم العلماء ووجوه الناس، أي “عظماؤهم بإمارة أو علم أو غيرها”. وذهب فريق منهم إلى أنهم “العلماء وأهل الرأي والتدبير، وهذا الخلاف بين العلماء لا مبرر له؛ لأنه كان ينبغي أن تكون تسميتهم بأهل الحل والعقد مانعة من الخلاف فيهم؛ إذ المتبادر أنهم زعماء الأمة وأولو المكانة وموضع الثقة من سوادها الأعظم، بحيث تتبعهم في طاعة من يولونه عليها، فينتظم به أمرها وتكون بمأمن من الإضرابات، والرأي عندنا أن أهل الحل والعقد في الأمة هم ممثلوها الحقيقيون الذين تدين لهم بالزعامة والطاعة، سواء كانوا من أهل العلم أم السياسة أم الإدارة أم المال.
جاء هذا في الوقت الذي رأى فيه الجهاديون” وخاصةً من انضم منهم لتنظيم القاعدة، أن الإعلان عن إقامة إمارات إسلامية منفصلة، في عدد من الدول الإسلامية، ومنها أفغانستان، والعراق، وسيناء، وأخيراً سوريا، دليل قاطع على أن إعلان الخلافة الإسلامية عن طريق تنظيم القاعدة عام 2016، ما هو إفتراض ، بعد أن تسبب الصراع على “البيعة” بين أمراء التنظيم في شق الصف “الجهادي” وتشتيتهم.
أكد الشيخ محمد نجاح “الشهير بأبومصعب”، أحد القيادات السابقة بتنظيم القاعدة أن ما يحدث بإقليم الشرق الأوسط من الجماعات والتنظيمات الجهادية، بإعلان الإمارات الإسلامية في عدة دول إسلامية، بدأت في أفغانستان، ثم في العراق بأكتوبر من عام 2006، وإعلان من يطلقون على أنفسهم “أصحاب الرايات السوداء” إقامة الإمارة الإسلامية في سيناء عقب الثورة، وأخيراً انفصال “جبهة النصرة” ببلاد الشام عن إمارة العراق، وإعلان إمارة خاصة بهم، كلها أمور تؤكد أن ما ردده تنظيم القاعدة من قبل بإعلان دولة الخلافة بالعالم الإسلامي سوف يكون خلال عام 2016، ما هو إلا كلام .
إن واقع عمليات تنظيم القاعدة الان وفروعها الحالية لا تمت بصلة إلى مسارعمليات تنظيم القاعدة الرئيسي مطلع التسعينيات من القرن الماضي. لقد خسرت القاعدة التأييد في الشارع العربي بل  ساهمت في تعميق الشرخ بينها وبين الشارع العربي وفي تعميق الهوة بينها وبين قادة التيار السلفي غير “الجهادي”. وضمن رسائل بن لادن التي نشرت في ذكرى مقتله  ووفقا للرواية الأميركية، ذكر في رسالة كتبها “آدم غادان” المتحدث باسم القاعدة ومستشارها الإعلامي، في  يناير 2011 إلى جهة غير معلومة، انتقد ممارسات دولة العراق الإسلامية وحركة طالبان الباكستانية، ودعا التنظيم إلى النأي بنفسه علنا عن الجماعتين. وشكلت علاقة القاعدة مع الجماعات المرتبطة بها محط خلاف بين قادة التنظيم. وأضافت تلك الرسائل إن هذا يظهر أن هناك عصيانا للقادة وهو مظهر من مظاهر ضعف التنظيم المركزي. ويبدو ان رؤية “غادان كانت في محلها في اعقاب خلع التنظيم المركزي الى “الدولة الاسلامية في العراق والشام” عام 2014، وربما تشهد فروع قاعدية اخرى انشقاقات اكثر.

*باحث في مكافحة الإرهاب والإستخبارات

اخر المقالات