تطور فكرة الدولة بين المجال الديني والمدني

تطور فكرة الدولة بين المجال الديني والمدني

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا وهولندا

اعداد : الدكتور عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب أستاذ بجامعة أم القرى بمكة

لم يعاني المسلمون من أزمة الدولة منذ العهد النبوي، رغم أن هناك خلافات حول من الأحق بالسلطة، بل كانت الدولة على هامش الاهتمام الفقهي بسبب أن الدين لم يدعو إلى الدولة بقدر أنه دعا إلى أسس قيام الدولة مثل ( وأمرهم شورى بينهم ) ( وشاورهم في الأمر ) ( فإذا عزمت فتوكل على الله ) ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ).

وأكثر ما حذر الدين الإسلامي أمته من التفرق ( ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون ) بل أمر بالمقاربة والصلح ( فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين ) وأمر بمقاتلة من يخرج على الأمة ( فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله )، لكن إذا عادوا إلى الأمة فلا محاسبة لهم على بغيهم، ( فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتو الزكاة فإخوانكم في الدين ).

وهناك دعوة شاملة للدخول في السلم والنهي عن الصراع ( يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين ) وامر المسلمين بالتعاون مع كافة الشعوب ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب )، وأكد على وجوب التعامل مع جميع مكونات الدولة ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) في تحقيق العدل والمساواة بين جميع مكونات الشعب دون أي تفرقة سواء كانت دينية أو عرقية أو مذهبية.

وتطرق إلى أسس الحكم بين المسلمين ( وان احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم ) أي لا تفرض الشريعة جبرا على غير المسلمين لكن إذا وافقوا فلا مانع.

كذلك لم يكن عند المسلمين أزمة خلاف بين العالم والدين وبين الإيمان والعقل، رغم ذلك حافظ الدين الإسلامي على عدم انحراف العلم مثل دحضه لنظرية النشوء والارتقاء عند دارون التي تنطوي في بنيتها الاجتماعية والدينية على عنصرية تدعي الترقي اقتصر على أقوام إنسانية محددة مهيأة للتطور والتقدم يقصد بذلك الغرب، فيما يعتبر بقية العالم متخلف، أما عن تطور خلق الإنسان فالدين حسم الأمر ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ) وعن وجود مخلوقات غير الإنسان أيضا حسمها الدين ( ويخلق ما لا تعلمون ).

بل تحدث الله سبحانه وتعالى عن الخلق كخبر يقيني لا يحتمل النقض ( ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتين طائعين ) ولا يحتاج المسلمون إلى تقارب بين الدين والعلم، وإن كان الغرب حسم أمره واتخذ طريقا منفصلا بينهما بسبب أن الدين الإسلامي لم يعيق العلوم بل يدعو إلى تقدمها دون أن يتدخل في مسيرتها، لكنه يضع مبادئ أخلاقية تحفظ العلم من الانحراف.

تميزت العصور الوسطى بغياب مفهوم الدولة بشكلها الحالي، حيث انتشرت مسميات مختلفة، منها الإمبراطورية، والسلطنة، والممالك، أغلبها في أوربا حكمت باسم الدين، وكان لسلطة الكنيسة التحكم في الدولة وسياساتها، انتشرت الحروب الدينية لمدة ثلاثين عاما وانتهت عام 1648 بتوقيع اتفاقية وستفاليا في أوربا واضعة حدا للحرب الدينية وسلطة الكنيسة على الحكم بإنشاء نظام جديد للدولة في أوربا.

الدولة كائن اجتماعي لأن أحد أهم مكوناتها هم البشر الذين تجمعهم روابط مشتركة، فكان عدد الدول بين الحربين العالميتين 40 دولة ارتفع العدد في الوقت الحاضر إلى أكثر من 185 دولة.

لا خلاف بأن فلسفة الدولة الذي تأثر بمفكرين في الغرب في منتصف القرن السابع عشر وحتى منتصف القرن الثامن عشر وهم توماس هوبز وجون لوك وجان جاك روسو الذي صاغ نظرية العقد الاجتماعي مع أبو زيد المسلم.

لكن هوبز ركز على أهمية الحكم المطلق لحماية المجتمعات السياسية من الفوضى، التي أتت بعد الحرب الأهلية بين الملك والبرلمان في بريطانيا التي أطاحت بالملك، وتولى كرومويل السلطة منفردا، والحدث الثاني كانت الحرب الدائرة في أوربا التي عرفت بحرب الثلاثين عاما التي انتهت بضرب سلطة البابا والإمبراطور وإقرار سيادة الملوك والأمراء وبدء الفكر العلماني في أوربا الذي يعني تقليص حكم الملوك نيابة عن الله والتي يعتبرون سلطتهم مستمدة من الكتب المقدسة.
اعتبر هوبز أن حالة الطبيعة التي سبقت تكوين المجتمع والتي يعتبرها أنها كانت فيها حياة الفرد حربا بين الجميع، أي أن الإنسان في ذلك الوقت لم يتمكن من إدارة مصالحه دون

صدامات مع باقي أطراف المجتمع.

فكانت حياة الفرد منعزلة وصعبة وفاسدة، أي أن هناك حاجة لإنشاء الكيان الاجتماعي لضمان أمن الفرد والأسرة بشكل منظم وممنهج، واستخدم فكرة العقد الاجتماعي لتكون الأساس التي يبنى عليها المجتمع، أي تنازل الأفراد عن بعض مصالحهم لصالح السلطة المطلقة الحاكمة تكون مسؤولياتها سن التشريعات وتنظيم المجتمع الناشئ وخلق السلطة المركزية التي تراعي تطبيق القوانين وتلزم أفراد المجتمع بها وكذلك السلطة المطلقة للحاكم الذي لا يخضع للرقابة والمحاسبة والتي كانت اللبنة الفكرية الأولى لثقافة السلطة المطلقة بعد مرحلة تقويض حكم الملوك الإلهي المطلق.

لكن هذه الصيغة كانت بحاجة إلى صيغة شرعية من المجتمع ذاته، ولكن التطور الفكري والبشري للإنسانية لا حدود له، فبعد هوبز بخمسة عقود ظهر فكر جون لوك الذي وضع أساسا مختلفا لقواعد الحكم والشرعية السياسية، وكذلك جاك روسو.

لكن يبدو أن المسلمين تسربت الفردية إلى نظرية الفقيه نحو الشريعة نفسها وهو ما كان سائدا في أوربا بأن الحاكم يحكم نيابة عن الله، فقيام الجمهورية الإسلامية عام 1979 ووضع قضايا الدولة والمجتمع السياسي في قلب النقاشات الدينية، التي ذهبت في مسارات جديدة ولم تكن معروفة في المدارس الفقهية حتى وقت قريب، ما يعني أن الغرب يتقدم في نظم الحكم والمسلمون يتأخرون في تطبيق ما تخلوا عنه وهو ما جعلهم يستنسخون الحروب الدينية بين الأوربيين.
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات

رابط مختصر http://wp.me/p8HDP0-aMa

Dr_mahboob1@hotmail.com

دكتور عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب

اخر المقالات