تحول جديد في حرب العصابات والجماعات الارهابية. بقلم بشير الوندي

تحول جديد في حرب العصابات والجماعات الارهابية. بقلم بشير الوندي

كتب، بشير الوندي، باحث في علوم الاستخبارات

المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

مباحث في الاستخبارات (69)
مدخل

حرب العصابات شكل من أشكال القتال بين مجموعات مسلحة وقوات نظامية , وقد تقوم بها مجموعات محلية ضدَّ محتل أجنبي، فهي أسلوب عسكري يلجأ إليه الطرف الأضعف للتغلب على خصم قوي عندما يجد أن المواجهة النظامية ليست في مصلحته.وتتميز حرب العصابات بطابعها الفجائي المباغت، لاستنزاف العدو وجره إلى تعبئة دائمة وتكبيده خسائر فادحة بجهدٍ قليل، كما تلجأ في بعض الأحيان إلى تخريب المنشآت والبنى التحتية الحيوية بالنسبة له.ولحرب العصابات تسميات متنوعة .. حرب الكر والفر .. الحرب الثورية . ..حرب المستضعفين … الحرب الشعبية , وغيرها.

وتعتبر حرب العصابات من أكبر اختبارات الاستخبارات بل انها بالفعل حرب الاستخبارات وسنتطرق في مقالنا الى خطورة اساليب حرب العصابات وافضل الطرق لمواجهتها مع الاخذ بالاعتبار اسقاط الاعتبار الايديولوجي او الاخلاقي من تلك الحرب , بمعنى ان اسلوب حرب العصابات لايقتصر على الثوريين والمعارضة الوطنية المسلحة لكنه يشمل الارهابيين وعصابات المرتزقة ايضاً .

اساليب المسلحين في حرب العصابات

سنتطرق بشكل مختصر لاساليب حرب العصابات ومعرفة تكتيكات القائمين عليها , لان غرض مقالنا هو معرفة افضل الاساليب لمواجهتها وليس الترويج لها .
تتمحور ميزة وقوة المسلحين في حرب العصابات على مدى تحكمهم بالمكان والزمان , فهم يختارون مكان المعركة والزمان والوقت وينقضوا سريعا وينسحبوا بشكل أسرع, وهي ما أسماها الزعيم الصيني الراحل (ماو تسي تونغ) بانها حرب البرغوث , مفسراً اياها بان الكلب وحجمه لايقاس بالبرغوث , ولكن كثافة البرغوث وصغره ومهاجمته بشكل جماعي وسريع على جسم الكلب أو ذيله يضطر الكلب الى الهرب كوسيلة وحيده للعلاج.

وغالبا ما يكون هناك وصل جغرافي يغذي المسلحين من جهة استخبارية ودولة معينة في جميع الأشكال , لبقاء ديمومتها واستمرارها وبدون ذلك لايمكن لها ان تستمر لان حرب العصابات هي حرب تحتاج الى اموال طائلة للمؤون والتسليح ومعيشة المقاتلين واحتياجات عوائلهم , وهو امر لاطاقة به للافراد .وغالبا ما تسود حاله التفرد والدكتاتورية في القرارات العسكرية والمالية لقادة التنظيم المسلح بالاضافة الى السرية البالغة والتحوط , وهناك دوما شعور بالخوف والظلم والطمع والحسد بسبب الاسلوب غير نظامي في الهرم القيادي , فالمسلحين غالبا ما يكونوا مستغلين من قبل الممول أما دينيا أو قوميا أو سياسيا وحتى اقتصاديا.
وعادة ما تتشكل حرب العصابات في بداياتها بمجموعة صغيرة تؤمن بمبدأ أو عقيدة والعمل  من خلال تنظيم عقائدي , فضلا عن اعتمادها التام على مركزية التخطيط وعلى التوجيه والتثقيف السياسي لمواجهة التفوق المادي المعادي، ولتقنع به رجالها بالتقشف والمثابرة والصمود والمقاومة.

كما تحرص تلك العصابات الى كسب التاييد الشعبي في اماكن تواجدها ومحيطها الجغرافي تحت مسميات مختلفة مع التأكيد على وحشيته في الرد على اي تعنت او غدر او تعاون مع الدولة النظامية  .
كما يسعى النوع الثوري منها على العمل على الفوز بالتاييد الدولي لقضيتها بوسائل متنوعة، مثل: إنشاء حكومة مؤقتة، أو فتح مكاتب سياسية في الدول المختلفة، فضلا عن استدرار العطف والتأييد في المحافل الدولية المتعددة.

وتعتمد العصابات المسلحة على خوض حرب استنزاف ضد الجيوش النظامية متجنبة الحسم من خلال انتهاج عقيدة « الحركية » من الناحية العسكرية، وتكتيكات انهاك العدو النظامي الذي لايعرف في عقيدته العسكرية  إلا استراتيجيتي الحسم والردع.
اما في الجانب السياسي , فإنهم يحرصون تماما على الحسم فيه ، من خلال مداومة الضغط السياسي على العدو حتى لا يجد مفرا من التسليم بمطالب العصابا سياسيا, وهو امر لاينطبق في اغلبه على العصابات الارهابية والتكفيرية .

ويحرص رجال العصابات الى التحلي بالمرونة التامة عسكرياً , فإذا استطاع العدو أن يكسر هجومهم في معركة الحسم التي قرروها فانهم يتراجعون تكتيكياً الى مرحلة تشابه التجمد دون الاستسلام ومن ثم الانطلاق مرة اخرى حال التمكن  حتى ينهك العدو باشعاره انه أمام حرب لانهاية لها .

ويتخذ التكتيك العسكري في حرب العصابات شكلين رئيسيين، هما الكمين والإغارة،وباساليب الكر والفر والمباغتة والانسحاب السريع , وهم يحذرون من حصار العدو، والتملص فورا من القتال عند شعورهم بالحصار.
كما يحرصون على محو أية آثار عند الانتقال أو التوقف للراحات ويستخدمون مخازن صغيرة مخفاة للاعاشة والذخيرة لا يعرف طريقها إلا عدد محدود، وباساليب مبتكرة في الاخفاء والتخزين.
ان معظم ماذكرناه عن اساليب المجاميع المسلحة قد ينطبق على الثورية منها الا انه لاينطبق على داعش والقاعدة , فمنذ 2003 ولحد الان تقوم في العراق حرب عصابات في الصحراء أعقبها حرب مدن منذ 3 سنوات مع الفارق بأن الإرهاب يقاتل لأجل القتل اي انه يريد القتل ولا يستهدف السلطة لوحدها بل انه يستهدف السلطة والشعب والمعتقدات الدينية والعادات والتقاليد , وهي نقطة في صالحنا علينا استغلالها.

مواجهة حرب العصابات

ان الاساليب التي تستخدمها العصابات تعد اساليب خطرة ومبتكرة وغير نظامية , ومن ثم تحتاج الى اساليب مبتكرة لمواجهتها.
وتواجه الجيوش النظامية حرب العصابات بعده أساليب اهمها :
1- المواجهة التقليدية : ففي المواجهة التقليدية , يتخذ الجيش إجراءات دفاعية ووقائية ويستمر بالمواجهة والقتال المتحرك وتحمل الضربات , وغالبا ما تكون حرب استنزاف للجيوش الجرارة بطيئة الحركة امام المسلحين خفيفي الحركة .
2- المواجهة الشعبية : بإنتاج قوه مسلحة شعبية تكون هي في الامام تقاتل العصابات, حيث تذهب الجيوش إلى تأسيس جيش شعبي اومليشيا شعبية كضد نوعي , لتقف تلك القوات أمام  الجيش وتأخذ زمام المبادرة وهي تتبنى المواجهة بدلا من الجيش فيما يكتفي الاخير بدعمها وتسليحها وتدريبها وحماية خطوط امدادها , وغالبا ما تنجح هذه الطريقة والأسلوب في القضاء على الفصائل المسلحة أو تضعيفها  .
لكن القوات الشعبية لها في ذات الوقت محاذير ابرزها , اهمية سيطرة الجيش عليها كي يضمن مستقبلاً بعد انتهاء المعارك ان يبقى السلاح بيد الدولة , كما ان من المحاذير ان لاتأخذ اشكالاً او قوالب حزبية او مذهبية او طائفية لان تلونها سيؤسس للانقسام المجتمعي المستقبلي.
3- المواجهة العنيفة :وهو أسلوب التدمير الشامل ونسف كل إمكان تواجد المسلحين كما في جريمة عمليات الأنفال , فبعد أن عجز الجيش من الانتصار على المسلحين اضطر النظام إلى حل المواجهة العنيفة واستخدام سلاح غير تقليدي وهو الكيمياوي وتدمير كل منطقه الخطر وساحة عمل المسلحين.
4- المواجهة المرشقة : ويتم من خلال استخدام وحدات كوماندوز محمولة جوا وهي خاصة ومدربة على حرب العصابات ومرشقة تمتاز بسرعة الحركة والمطاولة , وتكون مدعمة بسلاح الطيران السمتي .
5- المواجهة الاستخبارية: ففي حرب العصابات تعتمد الاستخبارات المصادر النوعية ضمن التنظيم المسلح ولا تفيد إنتاج شبكات مخبرين في كل مكان خلافا لحرب المدن التي تحتاج فيها لشبكة كبيره من المخبرين المنتشرين في كل الاحياء والازقة ,  لكن في حرب العصابات وطابعها السري وعمليات القتال المتحرك تذهب الاستخبارات إلى الاعتماد على المصادر لتقليص الوقت وتنظيم رد الفعل ومن ثم التطور للفعل والهجوم.
كما ان على ضابط الاستخبارات ان يتواجد في تخوم مناطق المسلحين لا ان يكون بعيدا عنهم او في العاصمة ويبحث دوما من خلال أعوانه عن عناصر متعاونين ليجندهم هم وعناصر من عوائلهم وذويهم واصدقائهم.
كما تقوم الاستخبارات بالتواجد في منطقه الوصل الجغرافي ومعرفة الطرق والمسالك التي تمد العصابات بالسلاح والمؤون وضربها مما يؤدي بضرر مادي ومعنوي للمسلحين ويرعب الممولين.
6- المواجهة الشاملة : وهي الأوسع والأكبر, وفيها تتوزع الأدوار على القوات الأمنية والعسكرية والاستخبارية والدبلوماسية والإعلام والمؤسسة الاقتصادية والمؤسسة الدينية والحرب النفسية بالاضافة الى العمل على توفير الخدمات ومكافحة البطالة وتسيد القانون وضبط اداء الأجهزه الأمنية وتوسيع العمل الاستخباري وقطع الوصل الجغرافي الداعم للمجاميع المسلحة وترحيل عوائل المسلحين إلى مناطق أخرى ضمن مجمعات سكنية وتطوير التعليم ومكافحة الجهل والأمية والتشدد الديني والقومي وتعويض المتضررين وشمول عوائل المسلحين من غير المجرمين بالتعويض بالاضافة الى كل الاجراءآت التي تؤدي لنزع فتيل الازمة .
ان أفضل الخيارات الأمنية هي المواجهة الاستخبارية ممزوجة بالمواجهة الشعبية والمرشقة , كما ان أفضل الحلول هي المواجهة الشاملة ضمن خطة استراتيجية تستهدف الإنسان والأرض.

حرب من نوع غريب

ان العراق في مقدمة العالم بمعاركه مع الارهاب وحروب عصاباتها طيلة اكثر من اربعة عشر عام , ولابد ان نتحلى بكل مامن شأنه التصدي لحرب العصابات لاسيما وان للعراقيين خبرة هائلة في اساليب عصابات البعث ووالقاعدة وداعش .

ان ما واجهه العراق هي حرب عصابات من نوع غريب , فالمتعارف عليه في حروب العصابات ان تكون معارك الكر والفر في المناطق الحدودية والقرى والأطراف لا في المركز,  بينما في العراق يحدث العكس اذ ان العاصمة ضلت تتعرض لحرب عصابات لعدة سنوات بينما كانت الأطراف أقل خطورة , وهو امر ملفت للغاية وله اسبابه التي تعود الى التواجد العسكري في مراكز المدن لاسيما العاصمة بغداد بالاضافة الى ان ديموغرافية محيط العاصمة مرتب منذ عهد حكومة صدام ليكون حزام امني طائفي استغله الارهابيون وبقايا البعث كحاضنة للمسلحين وقواعد ’امنة للانطلاق والانسحاب وان كان الوضع قد تغير نسبيا بفعل انشغال الارهابيين في حرب الموصل الا انه وضع قابل للعودة مرة اخرى .

خلاصة

ان حرب العصابات هي حرب غير نظامية لايمكن مواجهتها الا بوسائل غير نظامية وبنشاط استخباري يشل قواعد العصابات ويقطع امداداتها , حيث تلعب الاستخبارات دورا هاما في  تخفيف اضرار حرب العصابات العسكرية من خلال خدع الاستخبارات والايهام والمناورة والسيطرة الاستخبارية والتجنيد والزرع وكل أنواع العمل الاستخباري. كما ان الاجراءات الشاملة الحكومية لمنع تمكين الارهابيين من ايجاد موطئ قدم لهم وكافة الاجراءآت التي تفضح اساليب الارهابيين وتصنع وعي مجتمعي يحاصر تحركاتهم المشبوهة لاسيما وان من حسنات الارهابيين في العراق مدى حقدهم على الشعب العراقي وتواجد المقاتلين الاجانب بينهم ممن لايهمهم مستقبل العراق , والله الموفق.

اخر المقالات