خطر المقاتلين الاجانب على امن فرنسا مازال قائما

خطر المقاتلين الاجانب على امن فرنسا مازال قائما

كتب، ميشيل حنا الحاج، كاتب ومفكر عربي

مستشار المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات

الارهاب الذي افرزته الحرب السورية يهزم الحزب الاشتراكي الفرنسي ورئيسه هولاند

عوامل عدة ساهمت في هزيمة الحزب الاشتراكي في انتخابات الرئاسة الفرنسية. ولكن أحدها وربما أبرزها، كان تفاقم الارهاب في فرنسا لدرجة أن عملية مسلحة قد وقعت في الشانزيليزيه قبل الانتخابات بيومين. وكانت الهزيمة التي مني بها الحزب الاشتراكي هزيمة منكرة بكل معنى الكلمة، لدرجة ان ترتيبه في تلك الانتخابات قد جاء الخامس او السادس بعد ان كان في المرتبة الاولى. وكان الحزب قد ظل يتمتع بالمرتبة الاولى او الثانية، بتبادل المواقع مع الحزب الجمهوري، على مدى 32  عاما.

لكن فجأة تبدل كل شيء، فبات الحزب الجمهوري في المرتبة الثالثة، بل ويقترب من الرابعة، والحزب الاشتراكي في المرتبة السادسة، حيث انه لم يحصل الا على   ستة بالمائة ( 3.  6)  أو أكثر قليلا من أصوات المقترعين، مقابل قرابة اال 21 بالمائة  حققتها مارين لوبن، و 24 بالمائة حصل عليها ايمانويل ماكرون، قائد حزب “الى الامام” وهو حزب وسطي جديد عمره عاما واحدا. أما فيون، المتهم بالفساد، وممثل الحزب الجمهوري الديغولي في الانتخابات والذي طالما تناوب على السلطة في فرنسا مع الحزب الاشتراكي، فقد حصل على  أكثر قليلا من عشرين بالمائة  من الأصوات   (01. 20 ) .

وهنا تبرز فداحة الخسارة التي مني بها الحزب الاشتراكي  المسمى بالاشتراكي، مع انه لم يسلك مسلك أو مفاهيم الأحزاب الاشتراكية المعروفة في العالم، مما أدى الى وصف هزيمته بالعقاب التاريخي له على سلوكه الخاطىء، بل وتنبأ البعض بتفكك الحزب وتلاشيه، مما هيأ الفرصة لتنامي الحزب اليساري الفرنسي(أقصى اليسار واسمه فرنسا الأبية) الذي يقوده “ميلونشون”  والذي حقق ايضا  قرابة العشرين بالمائة من الأصوات في الجولة الاولى للانتخابات الرئاسية الفرنسية (حصل على 58. 19)  ، مما وضعه في المرتبة الرابعة بفارق بسيط عن المرتبة الثالثة التي حققها الحزب الجمهوري الديغولي الذي حل ثالثا.   وهذا يطرح احتمال ان يبلغ حزب فرنسا الأبية الدرجة الثانية في انتخابات رئاسية قادمة بعد خمس سنوات (دورة 2022).

وكانت مؤشرات اعتراف الحزب الاشتراكي بفشله في قيادة الدولة الفرنسية في مرحلة رئاسة فرنسوا هولاند، قد بدأت بالظهور لدى موافقة هولاند على عدم ترشيح نفسه  لدورة رئاسية ثانية تاركا المقعد لرئيس وزرائه “فالس” الذي استقال ليرشح نفسه، لكنه خسر ايضا بعد أيام قليلة مقعد المرشح للرئاسة لمصلحة منافسه في الحزب  وهو هاموند الذي   عزز بدوره قيادة الحزب الى الفشل الذريع.

وكان هولاند فد ارتكب  أخطاء كثيرة منها فشله في معالجة قضايا اقتصادية وقضايا اخرى كثيرة لكن اهمها قضية الفشل في المحافظة على الوضع الامني في البلاد التي  افترسها الارهاب اكثر من مرة خلال مرحلة حكم الرئيس هولاند، وهو الفشل الذي تذرعت به مارين لوبين في معركتها الانتخابية معلنة الحرب على الارهاب وعلى الهجرة والحدود المفتوحة والعولمة.   وكانت من ابرز العمليات الارهابية التي جرت على الأراضي الفرنسية، العديد من عمليات  الدهس والطعن التي وقعت في جنوب فرنسا في عام 2014 وما تبعها من عمليات كبرى في عامي 2015 و 2016  كعملية تشارلي أبيدو، والعملية الثلاثية في باريس والتي كانت عملية مسرح  باتيكلان من ابرزها وقد حصدت 130 ضحية، وكذلك عملية الدهس الكبرى في نيس والتي حصدت 85 ضحية، ثم عملية طعن الأب الفرنسي الطاعن في السن في كنيسة سان تيتيان في محافظة نورماندي، وعمليات أخرى كثيرة كان آخرها العملية التي نفذت في الشانزيليزيه قبل الانتخابات الفرنسية بيومين.

والسبب في كون فرنسا المسرح الأوسع للعمليات الارهابية دون غيرها من الدول الأوروبية، يعود لثلاثة أسباب جوهرية

أولها ان الشريحة الأكبر من التواجد العربي والاسلامي في اوروبا هو تواجدهم في الجمهورية الفرنسية، حيث تتواجد نسبة عالية من العرب والمسلمين تتفوق في عددها على اولئك المتواجدين في المانيا والذين وفدوا عليها مؤخرا وبلغ عددهم مليون لاجىء. ومرد هذا العدد الضخم من التواجد العربي والاسلامي، هو مرحلة الاستعمار الفرنسي لبعض الدول العربية وخصوصا الجزائر حيث اعتبرت  فرنسا رعاياهم رعايا فرنسيين، وكذلك نتيجة هيمنتها على المغرب العربي  وعلى تونس  ومواقع اخرى في البلاد العربية.

ثانيها   أن فرنسا هي موطن انطلاق الثورة الفرنسية التي منها انطلقت وثيقة حقوق الانسان، وهي لذلك أشد حرصا من غيرها من الدول في مراعاة تطبيق حقوق الانسان حتى على اولئك الذي يشاركون لاحقا في عمليات ارهابية ضدها ةويعلنمون باضطراب سلوكهم.  فمن ارتكب مذبحة نيس في تموز (يوليو) 2016، كان محكوما بالسجن لمدة ستة أشهر مع وقف التنفيذ.   والذي نفذ عملية ذبح الكاهن الفرنسي المسن في كنيسة “سان تيتيان” كان موضوعا تحت المراقبة الأمنية، بل ووضع  سوار في ساعده يكشف لرجال الأمن عن تحركاته، ومثلهما من نفذ عملية اطلاق النار في الشانزيليزيه، فقد كان معروفا أيضا لرجال الأمن وموضع تحقيق منهم معه بين فينة وأخرى. ومع ذلك لم يسع  رجال الأمن لتوقيفه تفاديا لوقوع ضرر لاحق، لعدم توفر أدلة كافية تأذن لهم بذلك  ولا تتجاوز ما تأذن لهم به قوانين حقوق الانسان.

ثالثا أن الرئيس فرنسوا هولاند استوعب المسألة السورية استيعابا خاطئا، وظل يشجع على تزويد المعارضة بالسلاح  متهما الرئيس بشار الأسد بأنه يقتل شعبه وأن عليه أن يرحل كخطوة نحو حل المسألة السورية.   لكن الرئيس هولاند لم يوجه لنفسه بعض الأسئلة   ومنها: 1) ما الذي يجري حقا في سوريا، وهل كان الرئيس السوري يستهدف فعلا شعبه، أم أن أولئك يصابون بالخطأ نتيجة تواجد المسلحين بين صفوفهم متخذين منهم دروعا بشرية كما يحدث الآن في الموصل مثلا.   2)

وأن المسلحين الذين يقاتلون على الأراضي السورية ليسوا جميعا بالضرورة سوريين، بل أكثرهم من المرتزقة أو من المقاتلين الاسلاميين المتشددين الذين جاءوا من كل أصقاع الأرض كأفغانستان والشيشان ودولا اسلامية أخرى. وقد حول تواجد أولئك في سوريا، الأراضي السورية الى ماكينة لتفريغ الارهاب والارهابيين الذين تنامى وجودهم تدريجيا وتنامي معهم الارهاب والارهابيين الذين كان بعضهم ينفذون العمليات الارهابية في فرنسا، أو يشجع الذئاب المنفردة المتأثرة بمفاهيمهم، على تنفيذها. 3)   لم يسأل الرئيس هولاند نفسه ولو لحطة واحدة، عندما كان يصر على مطالبته برحيل الرئيس الأسد، من سيحل  محله.

هل يحل علوش قائد جيش الاسلام في موقع القيادة،  أم يحل محله أبو محمد الجولاني قائد جبهة النصرة المنتمية لتنظيم القاعدة والتي تتطلع لتحويل سوريا الى أفغانستان أخرى ليصبح اسمها سوريستان، أم ترى يحل محله أمير تنظيم أحرار الشام  الذي لا يقل تشددا عن جبهة النصرة وغالبا ما تعاطف معها، أم يحل محله امير تنظيم نور الدين زنكي او امير كتائب الرسول وغيرهم من الكتائب المسلحة   الاسلامية التي اجتمعت مرارا في الرياض وبلغ عددها مائة تنظيم.

لكن اكثر من 95 منهم تنظيمات اسلامية متشددة باستثناء جماعة مؤتمر القاهرة وجماعة مؤتمر موسكو، وهؤلاء لا يتجاوز عددهم الخمسة في مجموعهم  وليسوا مسلحين وليس لديهم مقاتلين يؤازرونهم.  أما جيش سوريا الحر، فقد كشفت عملية درع الفرات عن مدى تعاونهم مع تركيا، وعن مدى ولائهم  لها واندمامجهم في صفوف قواتها المسلحة مما يعني في نهايف المطاف، لو استلموا سدة القيادة في سوريا، ابتلاع تركيا لنصف سوريا خصوصا الشمالي منها، كما ابتلعت من قبل اقليم الاسكندرون، وربما السعي لتفكيك سوريا كي لا تبقى سوريا دولة قوية وقادرة على المطالبة باستعادة ما ابتلعت تركيا من اراضيها.

اذن  ارتكب  هولاند  سلسلسة كبير من الأخطاء  شكلت القضية السورية الجانب الأهم منها، مما أدى في النهاية، لا الى عجزه فحسب عن اعادة ترشيح نفسه لدورة رئاسية ثانية فحسب، بل لخسارة حزبه الانتخابات  وتدهور موقع الحزب  ليصبح في مؤخرة الأحزاب التي كان يحسب لها حساب، مع احتمال بتفكك حزبه  وانجراف بعض اعضائه للالتحاق بالحزب الجديد الآخذ في التنامي وهو حزب فرنسا الأبية، الحزب الذي يمثل أقصى  اليسار، والذي بات في الموقع الرابع، بل والقريب جدا من الموقع الثالث، وهو الحزب الذي يقوده  جان – لوك ميلونشون.

المفكر والكاتب: ميشيل حنا الحاج.
الشخصية الاعلامية العربية الأولى  لعام 2017 كما أسمته رابطة الاعلاميين العرب.
المستشار في المركز الأوروبي لمكافحة الارهاب والاستخبار- برلين

الكاتب ميشيل حنا الحاج

اخر المقالات