الفارق بين عمليات الذئاب المنفردة وغزوات داعش. بقلم ميشيل حنا الحاج

الفارق بين عمليات الذئاب المنفردة وغزوات داعش. بقلم ميشيل حنا الحاج

 اعداد ميشيل حنا الحاج، مفكر وكاتب عربي

المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

 الاهتمام بقضية الذئاب المنفردة، يزداد يوما بعد آخر. اذ كلما خفت الاهتمام بها، تقع حادثة أخرى هنا أو هناك، تعيد اشعال المخاوف منها. فبعد أن انخفض الاهتمام بها بعد أربع عمليات ذئاب منفردة في المانيا خلال أسبوع واحد، وقعت  حادثة أخرى، في نيس الفرنسية هذه المرة، تمثلت بحادثة دهس كبرى في 14 تموز 2016، أدت الى مقتل 85 مواطنا فرنسيا، وتلاها بعد أيام قليلة هجمة واحتجاز رهائن في كنيسة في سان اتيان دو روفراي، الواقعة في منطقة النورماندي الفرنسية، التي انطلقت منها قبل سبعين عاما، قوات التحالف الغربي، بادئة مرحلة تحرير فرنسا ودول أوروبية أخرى، من سطوة ديكتاتور هو أدولف هتلر الذي أشعل الحرب العالمية الثانية، وارتكب مجازر عدة اتسم بعضها بالوحشية وبالابتعاد عن المفاهيم الانسانية.

وها هي تشهد اليوم عملية وحشية من نوع آخر، تمثلت باستخدام السكين لجز رقبة راهب مسن يبلغ من العمر 84 عاما، اضافة الى جرح بالسكاكين، مواطنين فرنسيين من المصلين في الكنيسة.

 وانبرت الدولة الاسلامية التي ارتكبت في الأعوام الثلاثة الماضية، أعمالا وحشية تضاهي ببشاعتها ما ارتكبه هتلر من اعمال بشعة، لتنسب لنفسها المسؤولية عن العملية البشعة في الكنيسة رغم تشكيك البعض بذلك. وكان الاعلامي الفرنسي الجنسية هشام عبود (مدير جريدة) من أوائك المشككين، محذر المسؤولين الفرنسيين من الانقياد وراء ادعاء ذاك التنظيم، مذكرا بأن الدولة الاسلامية قد خسرت مساحات جغرافية واسعة من أراض كانت تسيطر عليها، فاهتزت هيبتها، وخسرت عددا كبيرا من مقاتليها.

اما نتيجة قضائهم في ساحة المعركة، أو نتيجة هرولتهم هاربين مغادرين صفوفها…فمن أجل هذا الوضع الهش الذي تواجهه الدولة الاسلامية، باتت تلك الدولة بحاجة لأي نوع من الدعاية لنفسها، لتلميع صورتها التي باتت مهتزة، ولتؤكد للمنتمين لصفوفها، بقاءها حية بل وقوية أيضا.  

 ومن أجل ذلك حذر الاعلامي المذكور (وأنا أوافقه الرأي) في لقاء له مع القناة الفرنسية الناطقة باللغة العربية، من التسرع باعتماد ادعاء الدولة الاسلامية عبر وكالة أعماق، بكونها تقف وراء تلك العملية من حيث التخطيط والتنفيذ، مرجحا بأن العمل لم يكن الا من نتاج رجلين تأثرا بمعتقدات الدولة الاسلامية، لكنهما لم يكونا بالضروة قد انضويا فعلا تحت صفوفها، أو نفذا عمليتهما بناء على أوامر صادرة من قيادة الدولة الاسلامية، أي انهما كانا مجرد ذئبين منفردين لا أكثر.

ويرجح هذا الاحتمال أيضا، ضآلة النتائج المترتبة على هذه العملية، ونوعية السلاح المستخدم، اذ عودتنا الدولة الاسلامية على هجمات أكبر من حيث الحجم، ومن حيث النتائج وعدد المشاركين في التنفيذ، قياسا على ما نفذته سابقا من عمليات ارهابية في فرنسا (وخصوصا في عام 2015)، كعميلة شارلي أبيدو، والعمليات الباريسية الثلاث المتلازمة في نهايات عام 2015، والتي كان أبرزها المجزرة السابق ذكرها  في مسرح باتكلان الباريسي.

 والواقع أن هناك فوارق واضحة بين العمليات التي تنفذها الذئاب المنفردة في الدول الغربية، وتلك التي تنفذها الدولة الاسلامية (داعش) في تلك الدول وفي غيرها من الدول، وتسميها غزوات، اقتداء بالغزوات لنشر الدين الاسلامي في زمن آخر الأنبياء والرسل النبي محمد (ص) ، وفي  مرحلة الخلفاء الراشدين.

فمن نتائج العملية الارهابية المنفذة، من حيث الحجم، وعدد المشاركين في تنفيذها، والنتائج المترتبة عليها، يمكن التمييز بين كونها عملية داعشية، أو عملية ذئاب منفردة التي ينفذها في الغالب شخص واحد، ولذا يوصف بالذئب المنفرد. وكنت قد شرحت بايجاز هذه النقطة في الفصل الأول، وأعيد الآن ايرادها لكن بتفصيل أوسع وايضاح أكبر.

 الفارق في الحجم والنتائج

 النتائج التي تؤدي اليها عمليات الذئاب المنفردة، تظل محدودة من حيث الحجم والآثار، مقارنة بما تؤدي اليه عملية تنفذها الدولة الاسلامية. والمقصود بالنتائج، هو عدد الضحايا التي تفرزها غزوة مدروسة  لفترة ممتدة في الزمن، اذ تستغرق الدولة الاسلامية زمنا طويلا في الاعداد لها بحرفية ومهنية واضحة، خلافا لعملية محدودة النتائج، ولا يسبقها اعداد طويل وكاف من قبل منفذي عمليات الذئاب المنفردة.

 فغزوة “تشارلي هيبدو” في فرنسا في مطلع عام 2015، التي طالت مجلة تنشر صورا كاريكاتورية ومنها صور مسيئة للرسول (ص)، افرزت نسبة عالية من الضحايا وسبقها اعداد طويل كما كشفت التحقيقات، وقد ادعى تنظيم القاعدة أنه كان وراءها، كما ادعت الدولة الاسلامية أيضا المسؤولية عنها.

 ومثلها عملية باريس ذات الثلاثة مواقع (أبرزها كان في مسرح باتوكلان)  في نهايات عام 2015، فقد حصدت  مائة وثلاثين  قتيلا وعددا كبيرا من الجرحى. ولم يختلف الأمر بالنسبة للعملية (أو الغزوة الكبرى) التي نفذتها الدولة الاسلامية في عام 2016 في مطار ومحطة قطار في عاصمة  بلجيكا.  فالمقارنة بين هذه الغزوات المتسمة بالاحتراف والتخطيط الدقيق، وما نفذته الذئاب المنفردة مؤخرا (أي في عام 2016)، يكشف عن فوارق كبرى من حيث مرحلة التخطيط  والاعداد، والأهم من حيث النتائج.

ذلك أن معظم عمليات الذئاب المنفردة الأخيرة، قد أفرزت عددا محدودا من الضحايا قياسا بعدد ضحايا غزوات الدولة الاسلامية، اضافة الى كون عمليات الذئاب المنفردة، لم تحظ بتخطيط سابق،  بل لاتسمت باعداد سطحي وقد يكون ابن ساعته، وتنقصه الخبرة والاحتراف.

 فهجمة القطار في ولاية بافاريا الألمانية قبل أسبوع تقريبا والذي استخدم فيها الذئب المنفرد المهاجم  فأسا، قد أدت الى جرح خمسة لم يكونوا من المواطنين الألمان.  والعملية التي نفذت في متجر للتسوق في ميونيخ، أفرزت مقتل  عشرة ضحايا. والعملية الثالثة التي تبعتها في المانيا وتمثلت بقيام أحد السوريين  باستخدام الساطور، أدت الى مقتل امرأة وجرح اثنين قبل تمكن رجال الشرطة من القاء القبض على المهاجم، والحيلولة بينه وبين الحاق الأذى بآخرين.

أما عملية الذئاب المنفردة الرابعة في المانيا خلال أسبوع واحد فقط، وتمثلت بقيام أحد اللاجئين السوريين بتفجير نفسه في وسط جمهور ازدحم لمشاهدة حفل موسيقي في مدينة “أنسباخ”، فقد أفرزت جرح أحد عشر شحصا، ثلاثة منهم جراحهم خطيرة. أما العملية التي نفذت في كنيسة سانت اتيان بنورماندي، فقد أدت الى ذبح كاهن وجراح قليلة لحقت ببعض المصلين في الكنيسة.

  قياس مع الفارق

 ولكن المقارنة على ضوء ما تفرزه عمليات الذئاب المنفردة من ضحايا قليلة العدد نسبيا، مع تلك التي تفرزها غزوات الدولة الاسلامية، قد يكون قياسا مع الفارق. ذلك أن بعض عمليات الذئاب المنفردة، قد أنتجت أيضا عددا كبيرا من الضحايا، ومثالها الهجمة التي نفذت في أورلاندو في شهر آذار 2016، اذ أدت هذه العملية الى مقتل 49 من رواد الملهى الليلي الذي هوجم. ومثلها عملية مدينة نيس الفرنسية في الرابع عشر من تموز (يوليو) 2016، التي شكلت مذبحة بكل معنى الكلمة، حيث بلغ عدد ضحاياهت 85  انسانا بريئا، كما جرحت أكثر من مائتين بينهم أطفال، دهستهم شاحنة تبريد وهم يتسكعون على رصيف الشارع وليس في منتصف الطريق.

 ومثلها المقارنة بالنسبة للاعداد  والتخطيط الذي تمارسه الدولة الاسلامية قبل تنفيذ غزواتها الكبرى في خارج منطقة ولايتها الجغرافية. اذ يستغرق الاعداد لغزوات الدولة الاسلامية فترة زمنية  طويلة، وتشرك في تنفيذ العملية، عدة عناصر وليس عنصرا واحدا كما يحدث في حالات الذئاب المنفردة التي ينفذها شخص واحد فقط بمفرده وبعد تخطيط قصير المدى، رغم أن التحقيقات قد كشفت بأن المهاجم المنفرد في ميونيخ.

ربما كان يفكر في تنفيذ تلك العملية منذ عام تقريبا.  كما أظهرت التحقيقات حول عملية مدينة نيس، بأن منفذ العملية قد تردد مرارا على الشارع الرئيسي في المدينة الذي تمت فيها عملية الدهس،  ودرس احتمالات وكيفية تنفيذ ما ينوي تنفيذه، خصوصا وأن الشارع مخصص للمشاة، ولم يكن من المفترض أن تتمكن شاحنة من دخوله.  ومثل هذا وذاك، كان وضع منفذ عملية الملهى الليلي في اورلاندو، اذ تردد المهاجم على الملهى مرارا قبل تنفيذ العملية، كما ذكر لزوجته أكثر من مرة، نيته لمهاجمة الملهى الذي يتردد عليه مثليون، ويقال بأن المهاجم كان واحدا منهم، وكثيرا ما تردد عليه قبل تنفيذ هجومه الدامي.

 الفارق الجوهري بين منفذي عمليات الذئاب المنفردة  ومنفذي غزوات الدولة الاسلامية.

 منفذو غزوات الدولة الاسلامية، هم في الغالب أعضاء منظمون  ومنتمون رسميا للدولة الاسلامية. وهم اما منطلقون من الرقة أو الموصل حيث توجد قيادات الدولة، أو هم مواطنون  مقيمون في الدولة التي ستنفذ الغزوة على أراضيها، بل وفي أغلب الأحيان يحملون جنسيتها كما كان الحال بالنسبة لمهاجمي مسرح باتكلان الباريسي، وكذلك بالنسبة لمن هاجموا مطار ومحطة قطار في بلجيكا.

فهم اذن خلايا نائمة اتطلقت في موعد ما، لتنفيذ عملية كلفوا بها من قيادتهم المتواجدة في سوريا أو في العراق. ولكنهم رغم تواجدهم بعيدا عن المنطقة الجغرافية التي تسيطر عليها الدولة الاسلامية، يكونون قد اعتنقوا عقيدتها  وأفكارها، وانتظموا رسميا في صفوفها، وكانوا على اتصال دائم  بها، والأرجح تزودوا أيضا منها أو من مصادرها،  بالتمويل اللازم،  وبالأسلحة  وأدوات التفجير المستخدمة في  الغزوة.

 وتسبق كل غزوة، مرحلة طويلة من الدراسة للعملية وسبل تنفيذها بنجاح، والوقت الملائم لتنفيذها. ويقود الدراسة خبراء في التخطيط الاستراتيجي  والاستخباري والعسكري، الأمر الذي يتسبب عادة بنتائج وضحايا  كثر من الأبرياء.

 أما الذئاب المنفردة، فهم كما ورد سابقا، لا ينتمون رسميا للدولة الاسلامية،  وليسوا على اتصال بها، رغم كونهم متأثيرين بأفكارها وطروحاتها، وحضها المتواصل على كراهية الآخر غير المنتمي لصفوفها أو لعقيدتها.  وهم منفردون بعملهم بكل معنى الكلمة. اذ يقومون بالتخطيط لعمليتهم بشكل منفرد، ويمولون عمليتهم تلك وما تحتاجه من شراء أسلحة أو خلافه من أدوات التنفيذ، من أمولهم الخاصة.  وهذا ما يفسر لجوء المهاجم في قطار بافاريا الألمانية، الى استخدام الفأس في هجومه ذاك.

 فمرد بدائية  ومحدودية السلاح المستخدم، ناتج عن ضعف موارده المالية.  ومثله  كان المهاجم الآخر في العملية الثالثة خلال أسبوع واحد في المانيا. اذ استخدم أيضا الساطور ( نظرا لضعف موارده المالية كما يبدو)، لقتل امرأة وجرح اثنين من المارة، قبل أن يسيطر عليه رجال الشرطة الألمانية.  وذلك عكس المهاجم في ميونيخ، حيث استخدم رشاشا حربيا تمكن من شرائه بأمواله الخاصة التي وفرتها له حقيقة كونه منحدرا من أسرة ثرية.

وفي دكا، عاصمة بنغلادش، استخدم المهاجمون الذين أثبتت التحقيقات عدم انتمائهم للدولة الاسلامية وانفرادهم بذاك العمل من تلقاء أنفسهم …استخدموا أسلحة رشاشة، نظرا لقدراتهم المالية الكبيرة الناتجة عن كونهم ينتمون أيضا لأسر ثرية جدا كما قالت تحقيقات بنغلاديش الرسمية.

أذن الذئاب المنفردة تعمل دائما بشكل مستقل ومنفرد، وغالبا ما لا يسبق هجمتها اعداد مسبق أو كاف،  ولذا جاز اطلاق تسمية الذئاب المنفردة عليهم كما سبق وكررت.

* حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

ميشيل حنا الحاج، مفكر وكاتب عربي

اخر المقالات