الفئات والشرائح التى يستقطبها تنظيم “داعش” لصفوفه

الفئات والشرائح التى يستقطبها تنظيم “داعش” لصفوفه

 المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات 

لماذا نجح داعش في استقطاب البعض دون الآخر؟!

مرصد الأزهر ـ 19 نوفمبر 2017  ـ في أواخر عام 2013 كان العالم على موعد مع ظهور تنظيم وحشي أُضيف لقائمة التنظيمات الإرهابية الأكثر فتكًا ودموية .. “داعش” ذلك التنظيم الذي ظهر بين ليلة وضحاها من العدم لينشر دمويته في كل بقاع الأرض، منفذًا أجندة تخريبية هدفها الأول والأساس “تشويه الدين الإسلامي” وتفكيك بلدانه لدويلات صغيرة متناحرة ومتقاتلة.

تتار العصر الحديث الذين لم يسلم من شرورهم عسكري ولا مدني، سني أو شيعي، كهل أو طفل، رجل أو امرأة، غربي أو شرقي، مسلم أو مسيحي.

ورغم بدء انحصار هذا التنظيم بعد فقده للكثير من مناطق سيطرته، وانحصار أعماله الإجرامية الوحشية في البلدان التي تمكن من النفاذ إليها، إلا أننا لا يمكن أن نمر مرور الكرام على الفئات التي انضمت له طواعية وشكلت قوامه الأساسي في العراق والشام، وحتى على مستوى ذئابه المنفردة المنتشرة عبر العالم.

ولعل السؤال الأبرز الذي يُطرح في أذهان العامة بشكل دائم: “لماذا ينجح الدواعش في التأثير على البعض ومن ثم استقطابه لصفوفهم، ولا ينجح مع غيرهم؟”، يمكن الوصول لإجابة منطقية لهذا السؤال، إذا قمنا باستعراض الفئات والشرائح المنتمية لداعش، والتي يمكن تقسيمها لثلاث فئات أساسية:

1ـ فئة المضطربون نفسيًا

يمكن القول بأن فئة “المضطربون نفسيًا” أحد أبرز وأهم الفئات التي تنضم لداعش، تلك الفئة التي تعاني في الأساس من مشاكل نفسية وخلل في سلوكياتها الإنسانية، وليس المقصود بـ”المضطربين نفسيًا” هنا الأشخاص المصابين بأمراض نفسية وعصبية، بل المقصود هؤلاء المتطرفون سلوكيًا وفكريًا، ممن يتبنون ثقافة العنف والتشدد والغلظة مع الآخرين ومع المجتمع والوسط المحيط بهم.

هؤلاء يجدون في الخطاب الداعشي المتطرف، وفي الممارسات الداعشية الدموية ما يروي ظمأهم للعنف والقتل والسلب والنهب، وهو ما يحرك لديهم الرغبة في ممارسة سلوكياتهم الشاذة العنيفة بشكل مقنن، ومغلف بستار ديني. ويكون لسان حال أغلب المنتمين لتلك الفئة: “إذا كنت سأتمكن من ممارسة العنف ضد كل من يخالفني الرأي أو التوجه، وسأتمكن من التنكيل بالآخرين، فلماذا لا انضم لداعش؟”.

2ـ فئة محدودي الثقافة الدينية

هذه الفئة لا يستهان بها في قوام التنظيم الداعشي، فهم من أكثر الفئات انضمامًا للتنظيم ونشاطًا به، الفئة التي يعاني أغلب من ينتمي لها من قلة الثقافة الدينية رغم جودة التعليم الذي تلقته، وبالتالي فإن الخطاب الداعشي المبهر بدعايته المكثفة.

وطريقة داعش في عرض النصوص وتحليلها تداعب المشاعر الدينية لديهم، فيعتقدون ــ مع قلة ثقافتهم الدينية ـــ أن ما تقدمه داعش هو صحيح الدين.

وبالتالي يكون لدى هؤلاء حلان لا ثالث لهما: إما الدعم المعنوي للتنظيم وإعلان قناعتهم الكاملة بكل ما تقدم عليه يد داعش، بل وتبريره للآخرين ممن يتواجدون في وسطهم المحيط أو أخدهم القرار بالانضمام الفعلي لداعش؛ نصرةً للدين، ومساندةً للمجاهدين ــ من وجهة نظرهم ـــ هذه الفئة

وبسبب قلة وعيهم وثقافتهم الدينية لا يستطيعون التأكد من المعلومات الدينية التي تقدمها داعش، أو التحقق من صحتها، لأنهم ببساطة غير محصنين دينيًا بالقدر الذي يسمح لهم فهم ما تفعله داعش من استئصال النصوص واجتزائها وتوظيفها لخدمة أجندتهم الهدامة.

ولعل خطورة هذه الفئة تكمن في الشريحة التي اختارت تأييد داعش معنويًا دون الانضمام لصفوفه، فهم بمثابة القنابل المؤقتة التي تعمل – عن قصد ودون قصد – على تمهيد الطريق لدى غيرهم في تقبل الفكر الداعشي على أساس أنه الفكر المترجم والمعبر عن صحيح الدين أما بالنسبة للفئة التي انضمت فعليًا فخطورتهم ربما ستظهر على المدى المتوسط والبعيد، عندما يعودون إلى بلدانهم الأصلية بعد أن مارسوا العنف بشكل عملي.

وأشهر مثال على تلك الفئة “إسلام يكن” الشاب المصري خريج المدارس الأجنبية .. الفنان الذي انضم لصفوف التنظيم وتفاخر بحمله للسيف وقتله للأبرياء.

فهو مواطن مصري كان طبيعيًا حتى نجح الخطاب الداعشي في تحويله لمسخ يكنى بـ”أبو سلمه بن يكن” بدعوى “تطبيق الشريعة”، مستغلة قلة ثقافته الدينية.

ولا يمكن نسيان أن تلك الفئة (فئة قليلي الثقافة الدينية) تضم أيضًا بين صفوفها من شربوا الفكر المتطرف في بلدانهم الأصلية، وتشكلوا عليهم منذ صغرهم، وتشكل بناء عليه وجدانهم الديني والإنساني.

3ـ فئة من يمكن اللعب على وتر عاطفتهم الإنسانية

هذه الفئة يتم اللعب على وتر عاطفتها الإنسانية، بالإضافة للعاطفة الدينية، وكثير من المنتمين لها من بلدان شبه القارة الهندية ودول جوارها التي تعج بالعديد من الجماعات الإرهابية على شاكلة داعش.

ويتواجد بها أيضًا صراعات سياسية ومذهبية تستغلها داعش وأخواتها من أجل تأجيج الصراع وحرق الأرض؛ لسهولة النفاذ لتلك البقعة من العالم وتثبيت أقدامهم بها، ونظرًا لظروف تلك المنطقة المناخية والجغرافية.

ونظرًا للطبيعة القبلية لسكانها، تلجأ داعش للعب عليهم عاطفيًا وإنسانيًا من أجل نصرة ومساندة أشقائهم في الدين ممن يُقتلون على أيدي الكفار والمشركين – حسب وصف داعش – في كشمير وغيرها من مناطق الصراع.

ولعل أبرز مثال على ذلك الداعشي الهندي الذي ظهر في أحد الفيديوهات وهو يتوعد الهند بالدمار والخراب، والثأر لقتلى المسلمين في كل من الهند وكشمير. ودعا المسلمين في الهند على وجه التحديد للنفير من أجل نصرة أشقائهم المسلمين ممكن يقتلون على أيدي أعداء الله – حسب وصفهم .

يعتقد كثير منا أن الفئة الأكثر انضمامًا لداعش هي فئة من يعانون من الناحية المادية والمتضررين بشكل كبير من الأزمات الاقتصادية، ولكن الحقيقة أن هذه الفئة رغم تواجدها ضمن القوام المكون لداعش، ولكنها لا تشكل غالبيته.

ويمكن القول بأن جزء لا يستهان به من تلك الشريحة ينتمي في المقام الأول إلى الفئات التي تمارس أعمال النصب والبلطجة – إن صح التعبير – على السكان والأهالي المتواجدين بالمناطق الريفية في عدد من البلاد التي أصيبت بالمرض الداعشي.

يقول أحد الأشخاص إن (الخارجين عن القانون) في بلاده ممن كانوا يجمعون الجباية ويعترضون الطرق ويسلبون ويسرقون العامة، قد أطلقوا لحاهم، وبدأوا في تطبيق شرع الله – حسب زعمهم – ومعاقبة المواطنين وإقامة الحدود في أعقاب دخول داعش لبلادهم ومناطقهم الريفية.

قُطاَّع طرق الأمس وسالبو وناهبو العامة، أصبحوا بين ليلة وضحاها جنود الله التي تطبق شرعه من أجل إعلاء رايته. هؤلاء وجدوا في الانضمام لداعش خير وسيلة لممارسة بلطجتهم تحت غطاء قانوني وشرعي.

وتقاضي مئات الآلاف من الدولارات دون جهد أو تعب، لدرجة أن أصبح لسان حالهم: “إذا كنت سأمارس وظيفتي بشكل شرعي، وسأفعل ما شئت تحت غطاء ديني، وفوق كل هذا سأتقاضى المئات من الدولارات، فلما لا انضم لداعش؟!”.

على جانبٍ آخر، نلاحظ أن شريحة كبيرة من المنضمين لهذا التنظيم على قدر كاف وواف من التعليم، حيث تلقى أغلبهم تعليمًا عاليًا أو على الأقل تعليمًا جيدًا، فنجد بينهم الأطباء والمهندسين بشكل خاص، والمعلمين والصيادلة والرياضيين وغيرهم من أصحاب الدراسات والمهن المرموقة في مجتمعاتهم.

تحاول داعش بشتى الطرق استقطاب هذه الفئة من المتعلمين لما سيكون لها من دور كبير في خدمة أهدافها خاصة من دراسي الهندسة والدراسات التكنولوجية والإعلامية.

أما السؤال الذي يطرح نفسه الآن، كيف نعالج هذا الأمر، وكيف يمكننا أن ننقذ ما يمكن إنقاذه؟! خاصة بعد تقهقر هذا التنظيم، وبدء عودة بعض المنتمين له لبلدانهم الأصلية.

إن الإجابة تكمن في إدراك الجميع أن محاربة داعش وأخواتها وما سينتج عنهم من تنظيمات أخرى مسئولية الجميع. وعلى كافة مؤسسات وهيئات المجتمع أن تتكاتف مع بعضها البعض من أجل النجاح في هذه المهمة.

واستئصال ذلك المرض الذي بات ينهش في جسد الأوطان، ولكي يحدث ذلك، وإلى جانب الحلول الأمنية، نحن في حاجة لتبنى علماء النفس والاجتماع والسلوك الملف الخاص بالشريحة الأولى، بحيث يتم تسليط الضوء على تلك الشخصية وتحليلها، ثم الخروج بدراسات إرشادية لكيفية التعامل معها.

وكيفية الحد من خطورتها على المجتمع والسلم والأمن القومي، ومن تواجدها بين أفراده وشرائحه المختلفة. كما نحتاج أن يتبنى علماء الدين الملف الخاص بالشريحة الثانية والثالثة لتحصينهم دينيًا وإنسانيًا من أي ضعف وخلل في ثقافتهم الدينية.

ودور سريع من قبل مؤسسة التعليم والتعليم العالي بحيث يتم تقديم مناهج تعليمية دينية تشرح لهم دينهم الصحيح، وتساعدهم في فهم وتحليل وفرز أي خطاب ديني قادم لهم من الخارج أو من الداخل وذلك بالتعاون مع المؤسسات الدينية.

كذلك نحتاج لتحرك عاجل من قبل وزارات بعينها كوزارة الثقافة ووزارة الشباب والرياضة عن طريق تنظيم ندوات وفاعليات وأنشطة ثقافية ورياضية تزيد من وعيهم وتستغل قدراتهم الذهنية والبدنية فيما هو مفيد، وبالتالي سنتمكن من استثمار وقتهم ومجهودهم فيما هو نافع.

نحن بحاجة أيضًا لدور مؤثر من قبل صناع الفن الراقي من أجل زيادة الوعي لدى الجماهير – الشباب منهم على وجه التحديد – ممن يسهل استقطابهم واللعب على نقاط ضعفهم.

وكل هؤلاء لن تكلل جهودهم بالنجاح إذا لم يكن هناك إعلام واعي يسلط الضوء على المرض، وعلى المجهودات المبذولة على كافة الأصعدة لعلاج المرض وأعراضه وتبعاته.

اخر المقالات