الغرب يتحمل المسؤولية القانونية بتدفق “الجهاديين” نحو سوريا والعراق

الغرب يتحمل المسؤولية القانونية بتدفق “الجهاديين” نحو سوريا والعراق

اعداد: جاسم محمد، باحث في قضايا الإرهاب والاستخبارات

المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

تعريف الارهاب  

أحتل موضوع تعريف الإرهاب الدولي اهتماما واسعا  خاصة من قبل المنظمات الاممية والاقيليمة بهدف توصيف وتعريف الارهاب، لذا بات من الصعب حصول اجماع على تعريف واحد. وقد تبنى مجلس الأمن الدولي عام 2004  تعريفا  ربما هو الاكثر قبولا وهو:  عبارة عن أعمال جرمية يُقصد منها حالة من ترويع الرأي العام، وإرهاب مجموعة من الأشخاص لتحقيق أغراض سياسية وهي في كل الظروف غير مبرَّرة بصرف النظر عن الاعتبارات السياسية والفلسفية والعقائدية والإثنية والدينية التي دُفعت إليها.

مكافحة الإرهاب أو مجابهة الإرهاب

أما  تعريف مكافحة الإرهاب أو مجابهة الإرهاب هي الانشطة والتقنيات والاستراتيجيات التي تستخدمه الحكومات باستخدام مؤسسات الامن والدفاع ومؤسسات المجتمع المدني لمواجهة  الإرهاب عسكريا، وهو الاجراء السريع او اصلاحيا من خلال حزمة اجرائات اقتصادية منها تتعلق بالتنمية والقضاء على البطالة او فكريا بالمناصحة وهو المعالجة الحقيقية للارهاب. بعض النظريات تدعم فكرة اتباع سياسات كبح ظهور الارهاب في موطنه قبل ان يظهر، وهنا تظهر اهمية السياسات الناجحة بفرض القانون  وعدم ترك فراغ السلطة بمفهومها المؤسساتي الديمقراطي.

ولعل القرار الثالث الدولي الذي أصدره مجلس الأمن تحت الرقم 1566 في 8/10/2004 يشكِّل مفصلاً رئيسًا أو ركنًا أساسًيًا من النظام العالمي لمكافحة الإرهاب. وبذلك فإن بنود هذا القرار كافة ملزمة لدول العالم قاطبة من دون أن يحق لأي منها أن يتحفَّظ أو تتردَّد أو تتقاعس عن التنفيذ.  و أهم ما يميِّز هذا القرار أنه أورد تعريفًا للإرهاب الدولي.

وهذا التعريف ملزم للمجتمع الدولي بكامله حتى بالنسبة إلى الدول غير الأعضاء في المنظمة الدولية. فقد عرَّف القرار 1566 الإرهاب الدولي على أنه: “كل عمل جرمي ضد المدنيين بقصد التسبُّب بالوفاة أو بالجروح البليغة أو أخذ الرهائن من أجل إثارة الرعب بين الناس أو إكراه حكومة ما أو منظمة دولية للقيام بعمل ما أو للامتناع عنه، وكل الأعمال الأخرى التي تشكِّل إساءات ضمن نطاق المعاهدات الدولية المتعلِّقة بالإرهاب، ووفقًا لتعريفها،ولا يمكن تبريرها بأي اعتبار سياسي أو فلسفي أو أيديولوجي أو عرقي أو ديني”. وبذلك فإن ثمة تأكيدًا على تعريف ملزم للإرهاب الدولي بصرف النظر عن رأي الدول الأخرى به.

تشكل قرارات مجلس الأمن أرقام 1267، 1373، 1526، 1526، 1540 و1566 أساسا متينا وشاملا لمكافحة الإرهاب على نطاق عالمي. وتقدم هذه القرارات أيضا خطة طريق واضحة للخطوات اللازم اتخاذها. ويتعين على جميع البلدان اتخاذ كافة الإجراءات الضرورية بغية الاستجابة الكاملة لأحكام قرارات مجلس الأمن الموضحة أعلاه. و يقدم الباحث  (أليكس شميد Alex Schmid 2004) وفقا الى مدونة الباحثة الدكتورة هدى ميداني أربع أسباب أساسية للصعوبة التي نواجهها في إيجاد تعريف مقبول بشكل عام، وهي أن:

الإرهاب مفهوم متنازع عليه : حيث أن الإرهابي من وجهة نظرأولى هو مقاتل من أجل الحرية ومن وجهة نظر أخرى ليس إلا إرهابي، مثال ياسر عرفات، عبد الله أوجيلان، تشي كيفارا، أسامة بن لادن.

مشكلة “الجهاديين” العائدين من سوريا والعراق الى أوربا

تقف أجهزة استخبارات دول اوربا حائرة امام مشكلة “الجهاديين” العائدين من سوريا والعراق وسوح قاعدية اخرى ومترددة بين سياسة الشدة وتنفيذ اعتقالات ومابين اعادة تأهيلهم، اذ اختار معظمها نهج الحزم بينما اختار البعض سياسة اعادة التأهيل والمناصحة الفكرية. وفقا الى تقرير صحيفة “الاندبيندنت” البريطانية  فقد حذر بعض الساسة من خطر مساعدة المتطرفين العائدين  الى بريطانيا والتعامل معهم بنوايا حسنة، غير أن بعض السياسيين البريطانيين قالوا إن هذه “النوايا الحسنة” ربما تنجح (..)، وبعتقدون بأن المعاملة الحسنة ربما تكون افضل الخيارات السيئة، على نقيض السياسة السابقة التي تقوم على الغاء جوازات السفر وعدم استقبل هذه الجماعات.

إن مواقف أجهزة الاستخبارات في أعقاب حادثة شارلي إبيدوـ باريس، وجدت نفسها امام فجوة كبيرة، مابين قدرتها وتحدي هذه الجماعات “الجهادية” على اراضيها، بعد ان كانت هي من تقدم النصح والنظريات الى دول المنطقة، وفي نفس الوقت كشفت الكثير من ازدواجية المواقف عند دول اوربا والغرب إتجاه تعريفات الارهاب وتصنيف الضحية، فمن يصنف ارهابي في عمليات تقع في اوربا، ممكن ان تسميه معارض اومقاتل في دول المنطقة، تتعاون معه وتدعمه بالمال والسلاح، لذا يجب ان تكون عقدة الحل اقليمية ومحلية، ولا ضير بوجود دعم دولي.

هنالك يوميا اعداد كبيرة من الابرياء يقتلون في فلسطين تحت ايدي الاحتلال الاسرائيلي وتهدم البيوت فوق اصحابها، وفي العراق وسوريا واليمن والصومال ولبنان ودول اخرى، يقتل الابرياء، فلم تشهد المنطقة مسيرات ولا اكاليل زهور. ماحدث في باريس هو تدويل لحادثة واجترار الى 11 سبتمبر، تضرب بتداعياتها على المهاجرين والمسلمين في الغرب وربما تعيد سياسات الغرب في المنطقة.

الغرب يتحمل المسؤولية القانونية بتدفق”الجهاديين”

إلحكومات الاوربية وأجهزة إستخباراتها تتحمل مسؤولية  تدفق وإستقطاب الارهاب في المنطقة وتتحمل ايضا ازدواجية المواقف في مكافحة الارهاب. اليوم إسستخبارات دول اوربى والغرب هي من تسعى وراء دول المنطقة للتعاون الاستخباري والمعلوماتي والبيانات الخاصة في “الجهاديين” الاجانب وهذا يمثل ايضا ثغرة في التحالف الدولي، كون دول اوربا تهتم في تهديد المقاتليين العائدين اكثر من مكافحة الارهاب في المنطقة.

وهذا نفس الشيء ينطبق على السياسة الاميركية، التي لم تظهر جدية لحد الان في مكافحة الارهاب في المنطقة، وهذا مايرجح انها مازالت تراهن على الحصول على تمويل عملياتها  من دول مجلس مجلس التعاون الخليجي. هذه السياسات يتطلب ايضا من دول منطقة الشرق الاوسط اعادة سياساتها وعلاقاتها الاستخبارية مع اجهزة استخبارات دول اوربا والغرب، على ان تكون هنالك مصلحة ومنفعة مشتركة بالتعاون، وان تعتمد سياسات  ومشاريع محلية واقليمية اكثر من التحالفات الدولية.

 

قال”وينرايت”رئيس جهاز الشرطة الأوروبية” يوروبول” إن نحو 5000من مواطني الاتحاد الأوروبي انضموا إلى صفوف الحركات “الجهادية”. وقال أمام لجنة الشؤون الداخلية في مجلس العموم البريطاني، ردا على سؤال حول عدد المقاتلين الأجانب، الذي غادروا أوروبا للالتحاق بالجهاديين قال هناك نحو 3000 إلى 5000 مواطن من الاتحاد الأوروبي. وقال وزير الداخلية الألماني” توماس دي ميزير” بإن أعداد “الجهاديين” الذين يسافرون من أوروبا إلى العراق وسوريا في تزايد مستمر بالرغم من ازدياد درجة وحشية أعمال تنظيم “الدولة الإسلامية”. وأضاف الوزير بانه ثمة عملية تجنيد متشعبة، تثير قلقنا معولا في الوقت نفسه على التعاون بين دول الاتحاد الأوروبي في مكافحة سفر “الجهاديين” من أوروبا. وقال الوزير يتعين العمل على الحيلولة دون سفر هؤلاء الاشخاص.

درجة تهديد”الجهاديين” داخل اوربا ممكن ان يكن كما يلي:

فئة “الجهاديين” العائدين من سوح القتال، وهم على قائمة الاستخبارات للدول الاوربية، ومعروفين، ويتم تصنيفهم حسب خطورتهم، فهنالك من عاد محبطا من القتال، لكن لايمكن ان يترك، وهناك مازال مصرا على انه كان على صواب الى الالتحاق في القتال، وكانت المانيا قد شهدت في سبتمبر 2014 اول محاكمة ل”جهادي” عائد بعد قرارها بحظر التنظيم، ورغم محاولات الادعاء العام، بمساعدته في حالة الاعتراف بان ماقام به من فعل كان خطأ، لكن اجابة المتهم باصراره بأنه على صواب وممكن ان يكرر ذلك صدم الجميع، وهذا يعني هنالك جماعات بالفعل عاشت ظروف الحرب والمواجهة وتورط البعض في العمليات الارهابية من قتل وذبح وانتهاكات تجعل منه شخصية اخرى.

الفئة الاخرى هي من انصار “التنظيمات الجهادية” والتي لا يمكن حصرها ابدا، كون عدم وجود اي تركيب او هيكلية تنظيمية او اتصالات او قيادة معروفة، بسبب التشظي وثقافة الارهاب التي اكتسبتها بواسطة الانترنيت وسائل التواصل الاجتماعي والدعاية “الجهادية” وهو بات الاخطر،  وتحول الى تحدي كبير امام الاستخبارات، والتي اعترفت بان مثل هذه الاعمال لايمكن ايقافها ابدا وهذا يعني ان اوربا ممكن ان تشهد اعمالا مماثلة الى حادثة باريس”شارلي ابيدو”.

التطورات الاخيرة وفي اعقاب التحالف الدولي لمواجة تنظيم داعش والنصرة في سوريا والعراق، جعلت  الجماعات “الجهادية” من اوربا ارض”رباط وجهاد” في ثقافة هذه الجماعات واصداراتها وهذا يعني ان الجماعات “الجهادية” ممكن ان اتبعت إستراتيجية جديدة باستثمار قدرات المقاتلين الاجانب داخل اوربا، كونهم يحملون البطاقات الشخصية والجوازات وسهولة الحركة تمكنهم من تنفيذ عملية في اوربا والغرب. أما الضربات الجوية ضد دولة داعش والنصرة في العراق  وسوح قاعدية اخرى من شأنها تزيد من عودة الجماعات الى اوربا انتقاما وثأرا من الغرب وهذا ما كشفته  تهديدات البغدادي، زعيم التنظيم ردا على التحالف الدولي.

أستقبال “الجهاديين” العائدين

اتبعت دول اوربا سياسات مختلفة بعضها عن الاخر بطريقة استقبال العائدين من سوح القتال الى اوربا وهي متفاوتة، ففي الوقت الذي قررت فيه بريطانيا عدم استقبال العائدين من هذه الجماعات، قررت الدنمارك استقبالهم وتركهم يعيشون في المجتمع بشكل طبيعي مع دفع الاعانة الاجتماعية  وتقديم العلاج النفسي مجانا وعدم زجهم في السجون كونها تعتقد ان السجون ممكن ان تفرخ مزيدا من “الجهاديين” ضمن فلسفتها الاستخبارية والسياسية.

اما المانيا فقد اصدرت قرار بضرورة استقبال العائدين من هذه الجماعات، وان تتولى الحكومة سياسة او برامج اعادة التأهيل الاجتماعي والنفسي وتاهيل في سوق العمل. وقال مسؤول كبير في مكافحة الارهاب في فرنسا الة وكالة ال “أ ف ب” طالبا عدم كشف هويته “لنكن واضحين برامج التأهيل لم تنجح في الوقت الراهن. اما “ستيوارت بيكر” مستشار سابق في وكالة الأمن القومي، طالب السلطات الأمريكية بتشديد القوانين التي تتيح ملاحقة العائدين من الخارج وإن كان يقر بصعوبة مراقبة العائدين طوال الوقت، إلا أنه طالب بإخضاعهم للمراقبة الإلكترونية عن طريق تركيب سوار إلكتروني حول معاصمهم،وربما هذه واحدة من سبل الحلول والمراقبة.

هنا تظهر حقيقة ان دول اوربا رغم انها تتخذ سياسات موحدة في الغالب، لكنها تختلف الواحدة عن الاخرى في النظم الاجتماعية والسياسية، اما استخباريا، فيبدو هنالك مدارس استخبارية اوربية كل واحدة لها فلسفتها ورؤيتها وتختلف عن الاخرى بمواجهة الارهاب، وهذا يعني ان اوربا الان تعيش فجوة مابين قدراتها الحقيقة وحجم التهديد، وهذا مايتطلب منها التسريع باتخاذ اجرائات وسياسات ترتقي الى المواجهة يكلفها الكثير من الكلف المادية والقدرات البشرية التي تحتاج الى كثير من التعزيزات وربما تصددم بالمحاكم الدستورية والقضاء. ومهما كانت النتائج فأن اوربا ستبقى تعيش حالة القلق والخوف من الارهاب من الداخل وعدم امكانيتها السيطرة على افكار هذه الجماعات ومايزيد في المشكلة تعقيدا هو تصاعد اليمين المتطرف على الجهة الاخرى في اوربا.

 

هوامش
ــــــــــــ

مجلة الدفاع الوطني
لجنة مكافحة الارهاب ـ موقع الامم المتحدة
الباحثة الدكتورة هدى ميداني ـ المدونة الشخصية

*حقوق النشر محفوظة الى المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

اخر المقالات